فؤاد غربالي
إقرأ للكاتب نفسه
تجار الشارع أو الهاربون من الدولة
2016-12-15 | فؤاد غربالي
بدأ محافظ تونس العاصمة المعيّن أخيراً حملة شرسة على تجار السلع المهربة المنتشرين في الشوارع والأزقة الخلفية للعاصمة، التي تعتبر المجال الحيوي لشبان وجدوا في تلك التجارة ملاذاً مربحاً، بل إن البعض منهم قد توارثها عن آبائه وخبر تفاصيلها الكبيرة والصغيرة. وينحدر جلّ هؤلاء الشبان من مناطق الداخل المنسية، حيث جاؤوا إلى العاصمة واحتلوا شوارعها الخلفية وبعضاً من أحيائها العتيقة على غرار حي «باب الجديد» التاريخي، حيث يتركز '›الجلامة» في سوق «سيدي بومنديل» المحاذي. والجلامة نسبة إلى مدينة '›جلمة» الواقعة في شمال محافظة «سيدي بوزيد» التي انطلق منها ما بات يسمى '›الربيع العربي». وقد صارت «جلمة» بمثابة الوصمة التي تُحيل لدى بعض من متساكني العاصمة إلى شبان '›أجلاف» و '›عنيفين» جاؤوا من هوامش البلاد لانتهاك المركز واحتلال شوارع العاصمة من خلال سلعهم الآتية من مختلف مسالك التهريب، وهي سلع يزداد عليها طلب الفقراء الحضريين والطبقات المتوسطة المهترئة. وتعتبر الدولة أن هؤلاء التجار يقعون '›خارج نطاقها»، لهذا فهي «تنزل على الأرض» لتقيم معهم علاقة متشعبة تبدأ من الحملات الأمنية للشرطة البلدية التي تحجز السلع في مستودعاتها وتجبر هؤلاء التجار على دفع غرامات مالية، وصولاً إلى غض الطرف عنهم لأشهر إلى الحد الذي يتمددون فيه على نحو يحوّل «قلب العاصمة» إلى سوق شعبي كبير. وتكشف هذه العلاقات عن كيفية إدارة الدولة لتبعات تفشي البطالة والفقر والإقصاء
تونس: حين ترتفع «اليد اليمنى» للدولة
2016-09-15 | فؤاد غربالي
بدأت حكومة الوحدة الوطنية التونسية، المشكَّلة ببادرة من رئاسة الجمهورية، أعمالها بعد إزاحة الحبيب الصيد الذي اتُهمت حكومته بأنها لم تطبق برنامج حزب «نداء تونس» الفائز في انتخابات 2014. وقد انطلقت حكومة الوحدة الوطنية بخطاب «صارحت فيه الشعب» بالوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي، معلنة عن توجهاتها التي ستعالج عبرها الأزمة، والمتمثلة خاصة في كل أشكال التقشف التي تعني وقف التوظيف في الوظيفة العمومية، وتسريح الموظفين وخفض كل الأعباء المالية العائدة للقضايا الاجتماعية، وتعني كذلك تجميد الأجور وزيادة الضرائب، والإمعان بالتشغيل المرن والهش.. وفي هذا يتأكد خيار «اليد اليمنى» للدولة ولسياساتها العمومية (بحسب التوصيف الذي استخدمه بيار بورديو لتمدد النيوليبرالية واقتصاد السوق)، أي تآكل كل المكتسبات المرتبطة بدولة الرعاية الاجتماعية التي تمثل «اليد اليسرى» للدولة والتي تقلصت كثيرا في تونس وتراجعت منذ سنة 1986، بعد الانخراط في تجربة إعادة الهيكلة ضمن شروط صندوق النقد والبنك الدوليين، اللذين فرضا شروطاً للإقراض تتمثل خاصة في الحد من تدخل الدولة في الرعاية الاجتماعية، وإطلاق يد السوق، أي التعويل على المبادرة الخاصة وعلى الخيارات الفردية بدل الجماعية.
وكانت تونس أحد أهم «التلامذة النجباء» في تطبيق تلك المبادئ، بالتوازي مع نظام سياسي استبدادي يقوم على الزبائنية والفساد. وقد أدت المزاوجة بين ثلاثية السوق
La Tunisie post-révolution : l’Etat des mafias financières
2016-09-05 | فؤاد غربالي
Il y a cinq ans la « révolution de la dignité » s’armait du slogan « L’emploi est un droit, bande de voleurs ! », comme réponse à la corruption et à sa propagation dans tous les domaines de la vie publique ; mais aujourd’hui « l’empire de la corruption » en Tunisie, nous en avons la confirmation, n’a toujours pas diminué. Ses empereurs ont, tout au contraire, plus d’influence que jamais, et ils ont même commencé à constituer une force influente qui bénéficie de la « démocratie naissante » en s’adaptant aux transitions politiques et économiques actuelles.
صفاقس «عاصمة الثقافة العربية»؟
2016-08-04 | فؤاد غربالي
ليست المدينة هي ما يكتبه المؤرخون عنها، بل هي كل ما تدوّنه الذاكرة الجمعية، وهي «نوع من الكتابة ضد تاريخ المؤرخين» كما قيل، أي أنها ذلك «التاريخ الحيّ» الملموس والمتنوع، المنثور بين ثنايا التاريخ الرسمي. المدينة تغدو على هذا النحو فضاء ديناميكياً في حالة تحوّل دائم، وهي كذلك الفضاء الذي تتجذّر فيه ذاكرة المجموعات والأفراد وممارساتهم اليومية.
هوية
حزب النهضة في تونس: فخ فصل السياسي عن الدعوي
2016-06-09 | فؤاد غربالي
عقدت حركة النهضة مؤتمرها العاشر في ملعب رادس الأولمبي، حيث كانت تعقد قبل خمس سنوات مؤتمرات «حزب التجمع الدستوري الديمقراطي» الحاكم وقتها والمنحل بفعل ثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011. استعراض جماهيري وتسويقي ومشهدي، عبر عنه الحضور الكثيف للقواعد والضيوف المحليين والأجانب، أولهم الرئيس السبسي «العدو السابق» والحليف الحالي لحركة النهضة الإسلامية ذات المرجعية الإخوانية، وكذلك عبر التوظيف المكثف للمسرحة السياسية مستعينة في ذلك بخبراء عالميين في مجال الاتصال السياسي. ولعل الرسالة الأساسية التي أرادت النهضة أن تمررها إلى جزء من التونسيين الذين يعارضونها بشراسة وينتمي أغلبهم إلى الطبقات المتوسطة المتعلمة المنخرطة في إيديولوجيا «الحداثة»، والمتوجسين من فكرة «إعادة أسلمة المجتمع»، أن النهضة قد تغيرت، وأنها قد قطعت مع مرجعياتها الإخوانية، لتعلن بذلك «خروجها» النهائي من «الإسلام السياسي» المحكوم بشعارات «الإسلام هو الحل» و«الإسلام دين ودولة».. وتدخل في نموذج «الحزب المدني» المبني على مرجعية الديمقراطية بمعناها الحديث، مثلما صرح بذلك زعيمها راشد الغنوشي وأكد قادتها التاريخيون. لكن التصريحات وحدها لا تكفي، والنوايا لا تفسر التغيرات التي تحفّ بالحركات والظواهر السياسية، بل يقتضي الأمر وضع الإسلام السياسي، وحركة النهضة بشكل خاص، ضمن السياقات السياسية والثقافية والفكرية الحالية، وتحولات المجتمع التونسي
تونس.. حين تعود أطياف بورقيبة
2016-05-19 | فؤاد غربالي
"نحن لا نعاني من الأحياء فقط بل من الأموات" (كارل ماركس).

في الجانب الشرقي من شارع الحبيب بورقيبة، وتحديداً مقابل وزارة الداخلية، وعلى مقربة من "ساحة 14 جانفي 2011" التي كانت قبل خمس سنوات تحمل اسم "ساحة 7 نوفمبر 1987"، انطلقت منذ مدة أشغال إعادة تمثال الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة إلى الشارع الذي يحمل اسمه، بعد أن رمت السلطة السابقة بتمثاله الذي
تونس: الاقتصاد السياسي للفساد
2016-04-21 | فؤاد غربالي
بعد خمس سنوات على «ثورة الكرامة» التي رُفع فيها شعار «التشغيل استحقاق يا عصابة السراق» كردّ عام على استشراء الفساد وتمدده في كل النواحي، يتأكد اليوم أن «إمبراطورية الفساد» في تونس لم تسقط، بل أن أباطرتها قد ازدادوا نفوذاً وباتوا يشكلون قوة مؤثرة تستفيد من «الديموقراطية الناشئة» وتتأقلم مع التحولات السياسية والاقتصادية القائمة، مستغلة الهوامش والمساحات الفارغة.
ويمارَس الفساد في تونس ضمن علاقة تبادلية مع النطاقات السياسية والإدارية والاقتصادية، إلى الحد الذي بات معه من الصعب فصل التشابك بينهم، وهو ما تؤكده فضيحة «أوراق باناما» العالمية، إذ يتصدر سياسيون تونسيون يرفعون شعارات «مقاومة الفساد» قائمة مهربي الأموال إلى الخارج، في الوقت الذي تشير فيه تقارير دولية ومحلية إلى تضخم حجم الفساد في تونس وتحوله إلى ظاهرة تخترق تفاصيل المجتمع، فيتبين أن البيروقراطية الإدارية تساعد على الرشوة بنسبة 56 في المئة، وأن 27 في المئة من التونسيين يعتقدون أن الرشوة هي الحل لمشاكلهم. وقد بيّن تقرير دائرة المحاسبات لسنة 2015 حجم الفساد المستشري في قطاعات الصحة العمومية والتعليم والبنية التحتية، وأنه صار يحظى بتغطية سياسية وبتواطؤ رسمي على الرغم من الشعارات المنادية بمقاومته وعلى الرغم من تعدد الهياكل الرقابية، الرسمية وغير الرسمية،
لماذا «يهاجر» الشباب التونسي إلى «داعش»؟
2016-03-24 | فؤاد غربالي
توالت التحليلات والتساؤلات بعد أحداث بن قردان الأخيرة، التي حاول «داعش» احتلالها، لفهم المشاركة الكبيرة لشبان صغار في السن في عملية الهجوم على المقارّ الأمنية والعسكرية، بغية تأسيس إمارة داعشية في مدينة حدودية عرفت أنها «مدينة الهامش» بامتياز، فلا يعول سكانها على الدولة التي أسقطتهم عمداً من مخططات التنمية، بل صنعوا لأنفسهم «اقتصادهم التحتي» القائم على التهريب والتجارة الموازية أو «تجارة الخط». وقد حاولت بعض الخطابات التقليل من أهمية عامل الفقر، بِنيّة القفز على حقيقة مفزعة مفادها أن 25 في المئة من التونسيين يعيشون تحت خط الفقر، بالإضافة إلى وجود 700 ألف عاطل من العمل، أغلبهم من الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة، إضافة إلى الانقطاع المبكر عن الدراسة لحوالي 120 ألف تلميذ سنوياً، وانتشار الاقتصاد الموازي أو اللانظامي الذي يمثل 40 بالمئة من الاقتصاد التونسي، وكذلك انتشار ظواهر الانتحار لدى الأطفال والمراهقين إلخ.. وتهدف خطابات التقليص من أهمية الجوانب الاقتصادية في فهم ظاهرة انخراط الشبان التونسيين في الحركات «الجهادية» إلى إخفاء مسؤولية السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي اتبعتها الدولة منذ ثمانينيات القرن الفائت في تآكل الروابط الاجتماعية، وإضعاف الطبقات المتوسطة والفقيرة، لفائدة مجموعات صغيرة من رجال الأعمال والمافيات الجديدة التي اغتنت بفعل العلاقات الزبائنية مع السلطة واستغلال النفوذ، والاستفادة من شبكات الفساد المالي والإداري. الفقر
تونس: عندما تنهار مدرسة الجمهورية
2016-02-18 | فؤاد غربالي
تتراجع مدرسة «دولة الاستقلال» أو «مدرسة الجمهورية››، وهي العنوان الأبرز لتجربة التحديث التونسية المميزة في العالم العربي، وتتآكل. يتفق الجميع على أنها لم تعد مثلما كانت عليه، وقد أصاب مفاصلها خللٌ كبير. ومَواطن الخلل كثيرة. تطفو بين الحين والآخر مؤشرات تشي بأن المدرسة تنهار ويتراجع دورها في ترسيخ القيم الوطنية وتلك الأخرى الكونية، بعد أن اختزلت في إطار ما يسمى '›الإصلاحات التربوية›› إلى مجرد جهاز لصناعة وإعادة إنتاج الجهل السائد. يحدث ذلك في ظل سيرورة اللامأسسة الحالية التي أعادت تشكيل المؤسسات الاجتماعية في اتجاه أفرغها ليس فقط من دور '›المراقبة والعقاب›› ولكن أساساً من محتواها القيمي. فالمدرسة التي راهنت عليها نخبة الاستقلال لمقاومة الأمية والجهل والفقر، ضمن مشروع كبير عنوانه '›تحديث المجتمع وتحقيق التنمية»، تحولت بعد الانصياع المذل لتوصيات البنك وصندوق النقد الدوليين إلى علامة «لمرض» مزمن مسّ النظام التعليمي برمته، تؤكده التقارير الدولية مثل تقرير البرنامج التقييمي التابع لـ «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية» الذي يصنف تونس في المرتبة الخامسة قبل الأخيرة من ضمن 65 دولة، فيما يتعلق بقياس كفاءة النظم التعليمية والقدرات الاستيعابية للتلاميذ في المواد العلمية. أما من ناحية المشروع المجتمعي، فنجد أن الإصلاحات المتتالية وخاصة منذ التسعينات لم تفضِ إلى صناعة '›نخب» تؤمن بالحداثة كرؤية ومثل، بل على العكس من ذلك، فالفكر العصابي المتشدد
المزيد
جريدة اليوم
جاري التحميل