هنادي زرقه
إقرأ للكاتب نفسه
البيت بوصفه فندقاً
2016-12-09 | هنادي زرقه
قُيِّض لي كعازبة تعيش مع أمًّ مريضة أن أبقى في بيت العائلة الذي لم يُشيّده أبي وأمي، بل آل إلى أمي بعد وفاة جدي وزوجتيه.
بُني هذا البيت في أواخر خمسينيات القرن المنصرم فوق أنقاض البيت الطيني الذي كان يقطنه جدي وزوجتاه وأبناؤه وحيواناته. وقد شيّده على شكل غرف متلاصقة تشبه عربات القطار، كلُّ غرفة تخصُّ عمّاً من أعمامي، مع غرفة لأبي ولنا بالطبع. وقد دُعيت كل غرفة باسم بيت صاحبها، حتى إنَّ أمي، بعد زمن طويل من إقامتنا في البيت، كانت لا تزال تسألني قبل النوم: «هل أقفلت البيوت؟» مشيرةً إلى الغرف الكثيرة.
كان جدي رجلاً نبيلاً وكريماً، كما تناهى إليّ. وكان بيته محطة للعابرين نظراً إلى موقعه في منتصف الطريق الواصل بين مدينة جبلة والقرى الجبلية النائية. وقد استقبل كثيراً ممّن تقطعت بهم السبل أو تأخروا في المدينة ولم يسعفهم الحظ بسيارة تقلّهم إلى قراهم، أو لم يعد بوسعهم إكمال الطريق سيراً على الأقدام بعد هبوط الليل، فكانوا يطرقون باب جدي ويبيتون عنده. وأذكر من طفولتي أنَّ غرفة جدتي كانت فيها طاولة كبيرة اصطفت عليها الفرش والوسائد والأغطية التي تخص هؤلاء العابرين.
لم يكن ثمة مرحاض أو حمام أو مطبخ. كان الطعام مشتركاً بين الجميع، يطهونه على النار في قدور نحاسية كبيرة لازلنا نحتــفظ ببعض منها إلى الآن. أما المرحاض فكان في
تمرين على الحرب
2016-01-15 | هنادي زرقه
(إلى مها جديد وسعد الدين كليب)

أعيش في الساحل السوري، وهذا ترف، على ما أظن، يحسدني عليه كثير من السوريين في المدن المُدمَّرة والتي تعيش على وقع الموت اليومي.
أنا في مأمن من الموت، أو هكذا يُخيَّل لي!
لا أعرف شيئاً عن الحرب، التي لا تبعد سوى مئة كيلومتر أو أقل عن قريتي، سوى ما أراه على شاشة التلفاز، أخشى إطلاق النار، وينتابني هلع رهيب كلما مرت طائرة حربية على ارتفاعات عالية في السماء، أسارع بإخفاض رأسي وأهرع إلى السرير، وكأنني سأتلقى قذائفها!
لم أرَ من الحرب سوى تناقص عدد الشبان في حافلات النقل العمومية، وإذا ما وُجِدوا، فإنهم، على الغالب، يرتدون بزّات عسكرية ويحملون بنادق وحقائب كتف صغيرة متجهين إلى حرب لم يكن لديهم خيار في إشعالها، وليس لديهم الخيار في الوقوف على الحياد، لا يعلمون هل يعودون بكامل أجسادهم، أو بعاهة مستديمة، أو ربما يعودون في
إن لم تكن الحكمة، فهل تكون الحرب؟!
2015-12-11 | هنادي زرقه
يوم من حياة شاعرة سورية. يوم ليس قصيراً والآلام والضجر يحيلانه مديداً
أن تعيش في بيت العائلة بصحبة أمٍّ عجوز في قرية نائية، تلك الأم الــتي أودعتكَ، دون أن ترغب، حكاياتها ونصائحها جميعاً، وذهبتْ في رحلة تيــه طويــلة، هذا يعني أن الزمن قد غافلــك، وغدوت في ســنّ الأربعين.
وماذا يعني أن تبلغ الأربعين؟
الأربعون هي سن النبوة، وفيها هبط الوحي على النبي محمد، كما أنها سنٌّ ملائمة لاستكمال أحلام ومشاريع كثيرة، وهي ليست عمراً كبيراً نسبياً، فبإمكــانك أن تبدأ من الصفر في أي عمل تريده، إن كان النبي نفسه قد تلقى النبوة في هذه السن واجترح لنفسه طريقاً جديداً غير طريق أسلافه.
قد يبدو هذا الكلام منطقياً في حالة غير الحالة السورية التي نحياها منذ أربعة أعوام ونيّف، في ظلّ حرب مستعرة لا تعرف من ينتصر فيها ومن يُهزَم، الكلّ منتصرون والكلُّ مهزومون، وأنت مهزوم فيها لحظة خروجك من رحم أمك.
الرقة: لماذا تُركت لهذا المصير
2015-02-27 | هنادي زرقه
دُعيتُ في عام 2008 إلى مهرجان شعري في مدينة الرقة السورية، تلك المدينة التي تقع على نهر الفرات، النهر الذي أقيم عليه سدٌّ في مدينة تابعة للرقة تُدعى «الطبقة» وسُمِّيَت لاحقاً «الثورة»، فيما أُطلقَ على البحيرة التي يحجزها السد خلفه اسم «بحيرة الأسد» أسوة بمكتبةٍ ومطارٍ وصروحٍ كثيرة خُلع عليها الاسم نفسه.
ترددتُ في البداية، مأخوذةً بأفكار مسبقة عن المدن الداخلية وسكّانها. ماذا سأقرأ؟ لمن سأقرأ؟ كثيرٌ من الأسئلة «العنصرية» جال في دماغي. هل للشعر جمهور في هذه المدن؟ سبق أن قرأت في دمشق ولم يكن الحضور جيداً، فكيف يمكن أن يكون الحضور في مدينة نائية؟ تولتني عقدة المركز والأطراف لأن ما أعلمه هو أن معظم مثقفي المدن النائية يغادرونها إلى دمشق. من سيبقى في مدينة كالرقة؟ لكني لم ألبث أن وافقت.
انطلقتُ من اللاذقية صباحاً في حافلة مرت في طرطوس فحمص ثم السلمية. وهذه كلها مدن أعرفها ولم يفاجئني شيء فيها، إلى أن سلكنا الطريق الصحراوي. تمشي الحافلة وتمشي وما من أثر للحياة. رمال على جانبي الطريق الذي يظهر ثم يختفي بتأثير الرمال. لا أدري كيف كان السائق يهتدي إلى طريقه حين حلّ الظلام. واستولى عليّ الخوف والدهشة في آن معاً. هل هذه المناطق سورية فعلاً؟ توقفت الحافلة في محطة للمسافرين وسط الصحراء، نزلت ورغبت في شرب كأس من الشاي وتدخين سيجارة، وما إن ألقيت نظرة على المحطة حتى عدلت عن ذلك: الأكواب متسخة، السكر في علب المعلبات المعدنية. أي محطة هذه؟ لو كانت في اللاذقية لما كلفت نفسي بالنظر إليها.
خرجتُ من المحطة أدخن، على الرغم من توجسي في البداية: كيف سأدخن وسط هؤلاء الرجال الذين يرتدون الجلابيب والشماغات؟ كم سأحظى بنظرات احتقار؟ لكن أياً منهم لم يعن له منظر المرأة المدخنة شيئاً. كانوا يشربون شايهم ويدخنون بأصوات عالية ولم يلتفتوا.
صعدت إلى الحافلة، وأكملنا الطريق، إلى أن بلغنا مركز المدينة، وكان في استقبالنا مدير المركز الثقافي وبصحبته مدير الآثار. كلاهما أظهر دماثة ورُقياً قلَّ نظيرهما. وكانت دعوة فورية إلى العشاء في مطعم على نهر الفرات. هناك أخذ مدير المركز الثقافي يتحدث عن عدد المدعوين إلى المهرجان وأسمائهم. أذهلني العدد. كيف يمكن لهذه المدينة أن تحتمل هؤلاء الشعراء كلهم؟ وتحدث مدير الآثار عن تاريخ الرقة وقلعة جعبر التي تقع على الفرات ودخل في تفاصيل دخول الحجاب إلى الرقة، إذ إن سكان الرقة فلاحون لا يرتدون الحجاب، بل دخل إليهم حين بدأ الرجال الذين يعملون في السعودية ودول الخليج يعودون ومعهم الأفكار الوهابية. ومن جملة ما قاله بأسى: «لقد صدمتني ابنتي حين قالت إنها سترتدي الحجاب. أمها سافرة وهي جامعية وأنا خرّيج جامعة أوروبية، لكنني لا أريد أن أغصبها على شيء، هي حرة». وفيما هو يتحدث، كان ضوء القمر يتكسر على موجات الفرات. كان المنظر ساحراً، والبشر حقيقيين، مثقفين، كرماء، بلا ادعاء ولا تكلف، بخلاف الأفكار الرديئة التي انتابتني قبل الذهاب إلى المهرجان.
حين عُدت إلى الفندق الصغير، سألت عن عدد الفنادق في المدينة، وعلمت أنه الفندق الوحيد. ودُهشت، كيف سيسع المدعوين؟ ردّوا: هناك صالة تدعى «صالة الشباب»، كما أن عدداً من سكان المدينة تبرعوا لاستضافة باقي المشاركين في المهرجان. وثمة سيدة تدعى «فوزية» تستقبل الشعراء والصحافيين في منزلها، وتقيم فيه ملتقى ثقافياً من حين لآخر.
يقع الفندق في وسط المدينة. بالقرب منه ساحة تدعى «ساحة الإطفائية» شُيِّد فيها تمثال للرئيس الراحل حافظ الأسد وقد ارتدى عباءة فوق الطقم تيمناً بأبناء المدينة. ولا أنسى مشهد بعض أهالي الرقة في عام 2013 حين أسقطوا هذا التمثال ظانين أنهم ودّعوا الظلم إلى غير رجعة، وما كانت داعش لتخطر لهم ببال.
كانت الساحة صغيرة على تمثال كهذا. الطرق متشققة ولا تليق بمدينة حديثة. لا وجود لبنايات مرتفعة. أما سوق الخضار فموحل تتكدس فيه عربات خشبية بسيطة. لا أعرف لمَ تبادر إلى ذهني جميع الذين جاؤوا إلى الرقة، من مدرسين ومهندسين وضباط، وعاد كثير منهم يرفل بالعمارات والسيارات والقصور؟ مدينة غنية، لكنها مهملة بشدة، محرومة من غناها، منهوبة مثلها مثل بقية المدن.
مهرجان
حل ّموعد الأمسية الشعرية. أذهلني عدد الحضور وإنصاتهم ومن ثمَّ نقاشاتهم حول الشعر واهتمامهم بقصيدة النثر. أي مدينة هذه، يجتمع فيها هذا الكم من محبي الشعر؟ لم يسبق لمركز ثقافي تابع للدولة أن حظي بهذه المصداقية والفعالية، حتى إنه نافس مهرجانات تقيمها جمعيات أهلية، فأغلب المراكز الثقافية يرأسها أناس غير فاعلين ولا يتمتعون بقدر كاف من الثقافة، فهو منصب سياسي بالدرجة الأولى. لا شكّ بأن لشخصية مدير المركز وثقافته وعلاقاته دوراً في تفعيل المهرجان. كذلك كان الأمر في مدينة «الطبقة». ثمة حضور لافت للشعر.
حين اندلعت التظاهرات في سوريا، تأخرت الرقة في مواكبتها. والحق، انني دُهشت كيف يمكن لمدينة كالرقة عانت الظلم أن تسكت؟ تأخرتْ، لكنها انتفضت، ثم لم تلبث أن صودرت واستُلبِت من جديد. كيف يمكن لما يُقال إنهم ألف عنصر من داعش أن يستولوا على مدينة مثل الرقة؟ ليست الرقة متطرفة، حتى ان عدد الجوامع فيها قليل مقارنة بباقي المدن السورية. ما الذي جرى؟ نشاهد الأخبار ونسمعها فنُصاب بالذعر. يأتي الأصدقاء، يتحدثون عن آليات القمع وفرض الحجاب والسيطرة على المياه والنفط وعلى مناحي الحياة جميعها في المدينة. لم تُركَت الرقة لهذا المصير؟ هل عوقبت على انتفاضتها: انظروا، هذه هي الثورة التي أردتموها! ثورة تقطع الرؤوس سافرةً وغير سافرة والأيادي التي تدخّن؟ ثورة طائفية إقصائية تقمع حرية الفكر وتجبر البشر على ممارسة شعائر لا تخصهم ولا تمت بصلة إلى جغرافيا المكان. يدّعون أنها محرّرة من النظام، ويتشدّق أعضاء الائتلاف والمعارضة من فنادقهم في دول الخارج بأنها عصية على النظام، ولا يولون أدنى اهتمام لازدياد عدد مهجّريها الذين يتحدثون عن ويلات الإقامة في مكان لا سيادة فيه لقانون أو حتى لشريعة سماوية. ما الذي يجبر يساريين وسجناء رأي سابقين على التبشير بداعش والنصرة؟ وإن لم تكن داعش مخيفة، لم يبقون بعيداً في الخارج، لم لا يشاركونها حكم المناطق المحررة؟
تدخل سوريا عامها الدموي الرابع، والرقة مدينة مسلوبة. المدينة التي ظُلمَت مرتين، هل يأتي يوم تنتفض فيه وتنتزع حريتها من يد الإرهاب الديني الأصولي كما انتزعته من يد الاستبداد السياسي، وتحظى، وأخواتها من المدن السورية، بدولة القانون والمواطنة التي ننشدها جميعاً.
(كاتبة سورية)
إمرأة جميلة تحتضر
2015-01-23 | هنادي زرقه
يوم آخر جديد، لا يحمل معه أيَّ جديد، سوى زيادة عدد الضحايا السوريين.
أستيقظ فاقدة الرغبة في الذهاب إلى العمل، أيّ عمل! أضحك في سرّي. لا حماسة لشيء. منذ ثلاث سنوات أذهب إلى العمل الوظيفي ولا عمل لدي سوى احتساء القهوة والشاي وخوض نقاشات حذرة حول ما يجري في البلاد تنتهي بعبارة «الله يفرجها على العباد» العبارة السورية كثيرة الترداد هذه الأيام. وفي أوقات كثيرة نهرب من الحديث في السياسة ونكتفي بالنميمة والأحاديث التافهة.
أغسل وجهي، لا أنظر في المرآة، أفرد معظم ثيابي على السرير، وأعود فأرتدي الملابس السوداء نفسها التي أرتديها منذ فترة. لا رغبة في تغيير شيء، أسرع في ارتداء ملابسي وكأني على موعد غرامي.
سأذهب إلى اللاذقية!
اللاذقية مدينتي الآسرة، أنا ابنة الريف، هي ليست بيروت أو دمشق، مدينة ضيقة أشبه بالقرية بعلاقاتها، كلٌّ يعرف بعضه، الأشخاص الذين تراهم في حفل فني سيرتادون المسرح ويحضرون أمسيات الشعر ومعارض الفن التشكيلي، على قلة هذه النشاطات وندرتها في الآونة الأخيرة.
وليست اللاذقية مدينة نظيفة، مُخدَّمة، أو حتى منظمة، مثلها مثل المدن السورية جميعها، غير أنني مفتونة بأرصفتها المتشققة المهملة الموحلة وقمامتها المرمية خارج حاوياتها التي أصبحت في الفترة الأولى من اندلاع الأحداث حائط إعلان لما يسمى «الموالاة» ألصقوا عليها صور الشيخ العرعور وطبعوا لوغو قناتَي الجزيرة والعربية. أحب قططها الجائعة ونظرتها الكابية، وكأنها لم تعد تجد ما تأكله، حالها حال سكان المدينة.
عانت اللاذقية ولا تزال تعاني من عقدة المركزية والأطراف، إذ لا قوانين ناظمة تحكمها، ولم يكن تأسيس المراكز الثقافية الكثيرة فيها وفي المدن التابعة لها سوى ديكورات، إذ لا حياة ثقافية تنعش هذه الصروح الميتة، مدينة مقصية ما زالت تصدر المؤهلات العلمية والمثقفين إلى دمشق مثلها مثل باقي المدن السورية.
تدخل اللاذقية العام الرابع على بدء اندلاع ما كان يسمى بـ «الثورة»، وهي المدينة الثالثة بعد درعا وحمص التي قامت بها التظاهرات، لكنها تدخله بمزيد من الإهمال والخوف والعجز والازدحام، فقد ازداد عدد سكانها ضعفَين نتيجة نزوح وتهجير سكان المحافظات الأخرى إليها. وغدا التباين في ظروف المعيشة فاقعًا، إذ ظهرت طبقة أثرياء جديدة ترتاد المطاعم، تتباهى بأحدث السيارات والهواتف النقالة وتسريحات الشعر، وطبقة أخرى تلامس القاع لا تجد ما يسد رمقها ويستر عريها ولا ملجأ لها سوى مراكز الإغاثة. وتناقصت فرص العمل على الرغم من هجرة كثير من أصحاب المهن.
تبدو اللاذقية امرأة ثكلى مترهلة، تفقد كل يوم عددًا لا بأس به من أبنائها، مع أنها لم تدخل في الصراع المسلح الذي خاضته بعض المدن.
أترجل من الحافلة، أمشي في الشارع، الوجوه غريبة، أدخل إلى المقهى، لقد تغير رواد المقهى، منهم من هاجر ومنهم من كان ينتظر... لكنها فرغت من مرتاديها الأصليين.
مسح الذاكرة
أمضي وقتًا طويلًا في مراقبة الوجوه، وجوه واجمة، لا تنطلق ضحكة، الأصوات أقرب إلى الهمس، أحاول العودة بذاكرتي أربع سنين خلت، كنت أعرف الجميع وكانت أصوات النقاشات ترتفع وتحتد. ثمة وجوه بدأت آلفها، لكنها حديثة العهد في ذاكرتي. كأنه عليَّ أن أقوم بعملية «Formate» لذاكرتي أو ما يدعى بالعربية «مسح» ثم إعادة ملء الذاكرة بوجوه وأصوات ومشاهد جديدة، بأصدقاء جدد جمعتني بهم ظروف التهجير وآخرين اختاروا كما اخترت أن يكون وطنهم منفاهم، وبالطبع، لهم التوجه السياسي نفسه، إذ لم يعد بوسعك أن تناقش أحدًا يختلف معك بالتوجه السياسي ولا ينتهي النقاش إلا بقطيعة وربما شتائم.
لن يشاركني أحد طاولتي، هذا جيد، لدي مساحة تخصني وحدي في هذه المدينة ولو كان الأمر لمدة ساعة واحدة. هذه عادتي منذ عام ونصف، حتى إن النادل لم يعد يسألني: هل تنتظرين أحدًا؟ لا أنتظر أحدًا، لم أعد أنتظر أحدًا.
أفتح هاتفي النقال، أتفقد أسماء أصدقائي وأرقامهم، لا أعرف لم ما زلتُ أحتفظ بأرقامهم السورية وقد تفرقوا في أصقاع الأرض، أَهُمُّ بعملية مسح الأرقام والأسماء فتنهمر دموعي. أسارع إلى فتح شبكات التواصل الاجتماعي، أتفقد صفحاتهم، ومتى كتبوا آخر شيء، إنهم بخير... هذا حسن.
يرن هاتفي النقال: الياس! الياس نادل مقهى السويس سابقًا ومقهى البستان لاحقًا، وهما من أقدم المقاهي في المدينة، الياس الذي أجهل كنيته، يخبرني أنه مهاجر إلى السويد. أصمت وأشرد: حتى أنت يا الياس!
الياس لم يكن يجيد صنع القهوة وتقديمها بشكل لائق فقط، كان يحفظ وجوه وأسماء وأصوات وأذواق مرتادي المقهى، يعرف مثقفي اللاذقية وأذواقهم، الياس صديق الجميع، ذاكرة اللاذقية من الياس مرقص وحسن صقر ومنذر مصري ووفيق سليطين وثائر ديب وحتى أصغر كاتب جلس في المقهى.
إنها حمى الهجرة تعود إلى الجميع. السوريون جميعًا، على اختلاف انتماءاتهم السياسية يرغبون بالهجرة، يتحدثون عن السويد وكأنها مرتع أحلامهم. أقفل هاتفي وأفكر: لِمَ لا؟ هل السفر خيانة؟! خيانة مَن؟ خيانة ماذا؟! مَنْ يخون مَنْ؟ لقد ضاقت سوريا بنا جميعًا.
أتابع شرب القهوة، هذا المقهى موحش، لا دفء ولا حميمية، كلُّ شيء فيه مُعَدٌّ على عجل، ألوانه سخيفة وديكوراته تعكس فخامة لا أصالة فيها، يتغير نادلو المقهى باستمرار، لا تستطيع أن تحفظ وجه أحد منهم.
وأنا: متى سأهاجر؟!
منذ ثلاثة أعوام وأنا أردد: سأهاجر، لم أعد أحتمل، تدخل أمي في غيبوبة وأدخل معها في شواش، تهويمات كثيرة تنتابني، كأنني أمشي على جسر معلق طويل لا ينتهي ولا ينقطع، أي خيار أختار؟ ينصحني أصدقائي الذين هاجروا بالهجرة: ستبدئين من جديد، ستكتبين بشكل أفضل، سوريا ذاهبة إلى الجحيم، انجي بروحك، ليس الخلاص الفردي خيانة. أصدقائي الجدد يقولون: سنموت معًا، سوريا قبر يتسع للجميع. نحن ننتمي إلى هنا، فَكِّري بالانتماء، أضحك في سرّي من فكرة الانتماء! أن تكون سوريًّا، فهذا يعني أن تخضع لاختبار مواطنة رهيب: أن تتحمل بقاءك دون كهرباء وماء وتدفئة لأيام، دَعْ عنك الغلاء الفاحش في كل شيء.
لن أهاجر، أرتبك ما إن أفكر بترك أماكني التي أحب. لكن ماذا لو زالت هذه الأماكن أيضًا، ماذا لو انتقل سعير الحرب إلى اللاذقية؟ يغدو رأسي ثقيلًا وكأنه سيسقط ما إن أقف.
سأبقى. أقولها مع آخر رشفة من فنجان القهوة، أجلس دقائق قبل أن أغادر، ينقر طفل مشرد على زجاج المقهى قبالتي طالبًا النقود، يسرع صاحب المقهى ويطرده، أرمقه بلحظة استنكار، فيردُّ على النــظرة دون أن أســأله: هؤلاء يزعجون الزبائن ويسيئون إلى منظر المقهى.
يسيئون إلى رواد المقهى الأثرياء! معك حق. كان ينبغي على هذا الطفل وكثير من الأطفال المشردين أن تُقصف منازلهم ويموت آباؤهم حتى ينعم هؤلاء بالثراء، وينتصر الآخرون على الآخرين. لم يعد أحد معنيًّا بمَنْ يموت ومَنْ يعيش، كلٌّ ينشد خلاصه.
أنهض لاعنةً الحرب والأنظمة والثورات، لاعنةً كلَّ شيء...
لا... ليست هذه مدينتي، لقد فقدَتْ ذاكرتَها مثلها مثل أمي، هي في غيبوبة، كانت إمرأة جميلة وهي تحتضر الآن...
(كاتبة سورية)
عن الوطن والجغرافيا
2014-09-26 | هنادي زرقه
في زيارة قصيرة لهولندا، الدولة الصغيرة التي تقع على بحر الشمال وتماثل مساحتها تقريباً مساحة سهل الغاب السوري، أدهشني وجود جدران عازلة عالية تحيط بشاطئ البحر. وحين سألت رجلاً هولندياً عن سرّ هذه الارتفاعات الملاصقة للشاطئ، أجاب: «الله خلق الهولنديين، والهولنديون خلقوا هولندا. وهولندا بلد منخفض عن سطح البحر، Netherland وتعني الأرض الواطئة أو المنخفضة، ولولا هذه المرتفعات التي أقمناها لغمرت مياه البحر وطننا».
لا أعلم ما الذي يجعل هذه العبارة تتردد في ذهني هذه الأيام. تأتي على شكل طنين: فكرة إقامة وطن وتأسيسه، ثم العيش فيه وتسميته باسم أبنائه جميعاً، لا باسم أسرة تحكمه.
لم أحب يوماً مادة الجغرافيا. واتجهت لدراسة الفرع العلمي في الثانوية نفوراً من الخرائط. كنت دائمة السؤال: ما المغزى من إقامة الحدود؟ من أنشأها؟ كيف حُدِّدت الدول؟ وكيف بات لكلّ دولة لغتها الخاصة؟ ما كنت لأنتبه إلى عمق أثر الجغرافيا فيَّ. سوريا بحدودها التي حفظناها في المرحلة الابتدائية (من الشرق: العراق؛ من الغرب: لبنان والبحر المتوسط؛ من الشمال: تركيا؛ من الجنوب: فلسطين والأردن)، لم ننتبه وقتها أن هذه الحدود هي التي خطتها اتفاقية سايكس بيكو فرسمت لنا وطناً، اقتنعنا به ورددنا كالببغاوات حدوده. ومع تخديرنا لسنوات كاملة أن حلمنا هو توحيد الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، نسينا في غمرة هذا الحلم، أن اسكندرونة «اللواء السليب»، لم يكن يُرسم في خارطة سوريا التي حفظناها عن ظهر قلب في طفولتنا، ولم يُذكر أنه علينا تحريره من المحتلين، بل تم تجاهله وركزوا على قضية فلسطين. فالقضايا الكبرى هي التي نَعنى بها، كما تمَّ تلقيننا، أما قطعة أرض صغيرة مثل «اللواء السليب» فهي تفصيل صغير في جغرافيا الدول ويمكننا استعادته في الوقت الذي نقرره.
أتساءل دائماً حين ألحق ياء المتكلم بكلمة «وطن»، هل هذا فعلاً وطني؟ أسمع هذه الكلمة في أغاني فيروز فتنهمر دموعي حزناً عليه، هل كان بيدي الخيار أو بيد والدي أن يرفض هذا الانتماء؟ ثم إن سوريا الحديثة، كما هي الآن، لم تحدث قبل 1946، ألا يمكن أن يكون، على سبيل المثال، لبنان وطني؟ هل ثمة فروق حضارية تحددها الحدود؟

جغرافيا متغيرة

كأنه قيل لنا: هذه حدود دولتكم عيشوا فيها، كونوا أوفياء، اكتبوا الأشعار لجغرافية متغيرة بتغير السياسات التي تحكمها، ولا تنسوا في كل مرة أن تقدموا دماءكم في سبيل هذه الحدود التي اجترحناها لكم.
كيف يمكننا أن نشعر بوطن لم نعرف فيه يوماً مفهوم المواطنة؟ أو على الأقل أن نعيش رعايا في دولة لها قوانينها وأنظمتها، لا ضمن مزرعة نعمل فيها أجراء ولا يحق لنا الامتلاك أو التذمر وهو أبسط الحقوق، الكل قانع بما يقسمه السيد.
تخطر دروس الوطنية التي خرجت من أنوفنا خلال مراحلنا التعليمية عن الوحدة والحرية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وفي حقيقة الأمر، لم تكن هذه الشعارات سوى عبارات جوفاء نطلقها من فمنا فتتبـخر ما إن تخرج منه.
لم يكن ثمة وطن أو مواطن، كان آباؤنا كلاب حراسة لمزرعة يزداد مالكوها جشعاً، ويزداد عمالها فقراً وقهراً، وما إن يعجز العامل حتى يطلقوا عليه رصاصة الرحمة فيقيلوه بأدنى أجر من دون ضمان صحي.
لطالما ذُعرت في الفترة الأخيرة من فكرة التقسيم وإنشاء دويلات طائفية، لكنني وفي غمرة خوفي أدرك أن لا معنى لكلامنا جميعاً فإذا ارتأى الساسة أن التقسيم هو الحل فسيكون.
ما الذي يؤلمني حقاً؟
منذ بداية التاريخ، تظهر إمبراطوريات وتنقرض لتحل محلها إمبراطوريات أخرى، تتفكك أمم وتظهر مكانها دول صغيرة. لم لا؟ ألم أحب سوريا كما كانت من دون أن أنتبه؟ ما الذي سيتغير في الأمر إن باتت سوريا دويلات، وبقيت أنا في مكاني؟
ألم يغيّبوا فلسطين من المناهج المدرسية الحديثة في بداية الألفية الثالثة؟ هل غابت فلسطين من وجداننا بمجرد تغييبها؟
نسوا الجولان وعادوا ليذكرونا فيه في عام 2011، وأحسب أنه لو لم تقم الانتفاضة لما ذكروه.

قيام دولة

هكذا يصبح مفهوم الوطن فضفاضاً، ومع التهديد بقيام دولة الإسلام في العراق والشام في المنطقة الشرقية من سوريا، يصبح السؤال: ما الذي يريدونه حقاً؟ هل سيستمرون في تكبيلنا بالخوف من التقسيم والطائفية؟
نعم أنا خائفة من قيام هذه الدولة، وهذا الذعر أو الهلع أو سمِّه ما شئت، لا يشبه الرعب من الديكتاتوريات، على سوئه، رعب من نوع آخر، رعب الاختلاف الحضاري.
ما الذي أتى بأقوام لا ينتمون من حيث الجغرافيا إلى هذه الأرض، حتى لو كانت الجغرافيا وهماً كما قلتُ؟ لم يقرؤوا تاريخها، ولم يبكوا على ترابها مرة واحدة، لِمَ يقتلون سكان هذه البلاد ويهجّرونهم بحجّة محاربة النظام، ما الذي تعنيه سوريا لهم؟
وبمعزل عن الجغرافيا، ما الذي يجمعهم بالسوريين؟ الدين الإسلامي؟ ما هو الدين الذي يدين به هؤلاء حقّاً؟ يقولون إنهم جاؤوا لتطبيق الشريعة الإسلامية، فلم لم يختاروا دولة مثل السعودية أو قطر تصلح لإقامة هذه الشرائع، لم اختاروا دولة تتعدد فيها الاثنيات مثل سوريا؟
تسقط الجغرافيا كوطن افتراضي، وتعيش سوريا مسورة بقلوب السوريين الفقراء، الذين بقوا فيها ولم يسعفهم الحظ كما أسعف الثوار في طلب اللجوء إلى الدول الأوروبية، باقون فيها على الرغم من عسف داعش والنظام وقذارة السياسة، يدافعون عنها ويموتون في سبيل حدود لم يختاروها، فما يجمع السوريين ليس هذه الخطوط، ما يجمعهم القهر والعنف والتشرد والظلم، هؤلاء وحدهم سيخلقون سوريا جديدة تليق بهم.
(كاتبة سورية)
الزيارة: رنوة العمصي.. أوهام الجو الفلسطيني
2014-07-04 | هنادي زرقه
في روايتها الأولى "الزيارة" الصادرة عن دار الآداب في إطار محترف "نجوى بركات" بالتعاون مع وزارة الثقافة البحرينية، تروي الشاعرة والروائية البحرينية رنوة العمصي حياة أسرة متوسطة تعيش في أحد أحياء القاهرة على لسان طفلة ابنة ثمانية أعوام، طفلة لأب فلسطيني وأم مصرية محدثة نعمة، جاءت ثروة الأم من أبيها الذي عمل لدى اليهود المصريين أجيراً، وحين فروا إلى فلسطين اشترى أملاكهم، وتزوجت رجلاً فلسطينياً حافظ على ثروتها ولم يبددها كما فعل زوج أختها "الصعيدي" الذي تتبرم طيلة الوقت من حضوره، دخانه، عاداته في شرب الشاي، سلوكه في الحديث. أم متذمرة، صارمة في تربيتها، موتورة، خائفة، لا يبدو أنها تشعر بالأمان.
هذه الأسرة التي تعيش حياة مستقرة على نحو ما، أو هذا ما تجهد العائلة نفسها على إظهاره، يخلخل استقرارها على نحو مفاجئ زيارة الجد الفلسطيني. جدٌّ لا تعرفه الحفيدة، تتخيل ملامحه وسلوكه، الجد الآتي من مكان بعيد غير صعيد مصر، إذ اعتقدت الطفلة أن لا أقارب لوالدها، وأن أبويه عند الله كوالدي أمها. تسرد الراواية/ الطفلة وقائع ما قبل الزيارة وتحضير الأسرة لها، بحرفية عالية وسرد شيّق. بيد أن َّالسؤال المقلق الذي يقضّ مضجع الأم: ما الذي جاء بهذا الجد بعد سنوات عديدة؟ هل سيأخذ ابنه معه؟ هل سيقوم بتزويجه من امرأة فلسطينية؟ والطفلة تسمع، تراقب أهلها وأقرباءها، تغار من أخيها الرضيع، تتبرم من أوامر أمها، ترى أهلها وهم منغمسون في إخفاء التفاصيل السيئة عن الجد، وإظهار اللياقة والاحتفاء به، والمبالغة بتزيين الشارع والمنزل، وكأن شهر رمضان قد حلّ، أو أن أحد الأقرباء قد رجع من الحجّ، ربما كانت من الروايات القليلة التي يسردها طفل، يردد ما يسمعه من دون أن يسبغ عليه الراوي إيديولوجية معينة أو تحليلا مسبقا لحالات وشخوص الرواية، كأن الأشخاص في الرواية يعيشون حياتهم الطبيعية وثمة كاميرا، هي عين الطفلة ذاتها ترصد كل كلمة يقولونها وكل حركة يقومون بها.
والرواية تتحدث عن قضايا كبيرة بمفردات بسيطة تميل إلى العامية، قضية ضياع فلسطين، هجرة اليهود المصريين واستيلاء صغار التجار على أملاك اليهود المصريين، بل في أحيان كثيرة إجبارهم على بيعها، مشاكل معبر رفح وصعوبة تنقّل الفلسطينيين والذلّ الذي يعانونه من المصريين والإسرائيليين على حدٍّ سواء، الفوارق الطبقية بين أهالي القاهرة وصعيد مصر، ترصد هذه التفاصيل من دون أن تعلق عليها، بل تكتفي بترداد ما يصل إلى أذنيها من حوارات تدور على ألسنة أهلها وأقربائها، ويحضر سؤال الهوية بقوة دون إقحام في الرواية، ما معنى أن تكون فلسطينياً، هل الفلسطيني غريب شأنه شأن النوبيين المصريين؟ ما هو لون سحنته؟ هل يشبه أبناء النوبة؟ وهل أهل النوبة غرباء أيضاً؟ كلُّ هذا يمر على لسان الراوية/ الطفلة ولا تجد جواباً لأسئلتها. كل ما تعرفه أنها مصرية وأمها مصرية، هذا ما تردّده أمها دائماً.
وتحضر في الرواية، أيضاً، ثلاثة أجيال فلسطينية، جيل الجد الذي هرب مع زوجته وأبنائه وأبيه من قريته خوفاً من اليهود، وحتى قبل أن يهاجموها، تاركاً أمه المشلولة، لم يدافع هذا الجيل عن أرضه، لم يطلق رصاصة واحدة في وجه المحتلّ،
فناجين أمي
2014-05-30 | هنادي زرقه
جرت العادة لدينا أن تجهّز الأم ابنتها للزواج، فتشتري لها الأثواب وأدوات المطبخ، وعلى وجه الخصوص، الفناجين والأطباق، ولم تكن أمي من النساء الحصيفات في هذا المجال، ولم يساعدها وضعنا المادي على تجهيز أخواتي، غير أنها احتفظت بزجاجياتها الثمينة وشرشف مطرز، كان أبي قد أهداها إياها جميعاً قبل ولادتي، على أمل أن تقدمها لي ليلة زفافي.
خبأتْ أمي مقتنياتها هذه في علب كرتونية وأودعَتْها في خزانة خشبية قديمة في إحدى غرف البيت المهجورة، تخرجها كل شهر، تمسحُ الغبار عنها، تلمِّعُها وتعيدُها إلى مكانها، ولم أعرف ما الجدوى من هذا الفعل المكرور، فهي لن تستخدمها أبداً، ولن تسمح لأحد بالاقتراب منها خشية كسرها، هذه الزجاجيات هي الأشياء الوحيدة الباقية من أبي، ولطالما اعتقدت أنها تريد الاحتفاظ بذكرى أبي أطول فترة ممكنة، وتخشى خروج أي قطعة، فتنقص لوحة البازل لديها.
حين مرضت أمي بمرض «ألزهايمر»، واستلمتُ مقاليد الحكم في المنزل، مضت فترة طويلة من دون أن أفكر بفتح هذه العلب، إلى أن تزوج أخي الذي يكبرني. فتحتُ العلب وأردتُ أن أهديه شيئاً من ميراثي، كانت لحظةً رهيبة، أشبه بفتح تابوت مغلق لسنوات، أن تخرج مقتنيات أثيرة لأنثى، ومن دون اكتراث تمنحها لامرأة أخرى، لا علاقة لها بجميع الذكريات التي مرت بها أمي وهي تجمعها وتخبئها وتلمعها، وتستحضر صورة رجلها الغائب فيها. أي قسوة هذه؟ هكذا فكرتُ وأنا أخرجُ الفناجين والكؤوس من علبها
ثلاث سنوات عجاف
2014-05-16 | هنادي زرقه
لطالما ربّينا الأغاني وتناقلناها جيلاً إثر جيل، وحلمنا باليوم الذي نطلقها فيه من أفواهنا كالحمام. وأتى هذا اليوم الذي تعالت فيه صيحات:
«واحد... واحد... الشعب السوري واحد»
«الله... سورية... حرية وبسّ»
بهذه العبارات ـ التي تؤكد وحدة الشعب السوري ومطلبه العادل بالحرية، وولاءه المطلق لسوريته ونزعه القداسة عن أي شخص وإسباغها على البلد الحرّ إلى جانب الإله ـ هتفت حناجر الشباب السوري قبل ثلاث سنوات، بعدما كادت النخب السياسية والثقافية تفقد الأمل في أي نأمة تدبّ في الجسد الذي طال هموده، فما بالك بالاندفاعات الزلزالية التي أخذت تندلع في بلاد عربية عدة قبل أن تصل شرارتها إلى سوريا. كان في الذهن أن بنية سوريا، بما فيها النظام نفسه، غير قابلة للتغيير. وما لبثت هذه النخب ذاتها التي هاجمت في مقالات عدة ترييف المدن، أن هلّلت لاندلاع الاحتجاجات في أرياف سوريا وضواحيها، معتبرةً أنَّ أهمّ ما يميز هذه الاحتجاجات هو أن لا حامل سياسياً لها، ولا مرجعية حزبية تقودها من أي طرف كان. واكتفت هذه النخب بمراقبة الشارع والتصفيق له عن بعد، من دون الانخراط به، ومن دون توجيه أيّ نقدٍ لمسار احتجاجاته، ليخضع هذا الشارع في النهاية لتجاذبات دينية، وإقليمية ودولية لم تلبث أن فرضت شروطها، ونقلت الحراك من الطابع السلمي إلى المسلح.
المزيد
جريدة اليوم
جاري التحميل