مهدي منصور
إقرأ للكاتب نفسه
سن الحب
2016-12-31 | مهدي منصور
ما بلغ عاشقٌ سنّ الحبّ إلاّ واقتسم قلبَه صوتان، صوت «جريدة السفير» وصوت «فيروز». وإذا كانت الأخيرة سفيرتنا إلى النجوم فإن الجريدة «سفيرة» إلى النجوم إلينا. والتماثل بينهما لا يكون فقط من جهة أنهما صوتٌ للذين لا صوت لهم، إنما للتأكيد على أنّ الصوت الذي كسر جدران الصمت لا يمكن أن تقدر على إسكاته أكفّ هشّة، وأنّ إغلاق سفارةٍ من جهةٍ واحدة، ظنّاً من الزمن الرديْ أنه قادر على قطع العلاقات الديبلوماسية مع مجد، هو محض افتراء على الحقيقة.
علاقتي مع «السفير» تعود إلى مرحلة ما قبل السيارة حيث كان ثمن النسخة يعادل تماماً ثمن بطاقة الباص من «جامعة بيروت العربية» إلى بلدة «القماطية» مكان إقامتي. وكان الوقت الذي يمرّ بطيئاً على الطريق كافياً لإتمام الوجبة اليومية من القراءة، وللتخلص من الدوار أيضاً، الدّوار الذي لمّا أزل أجهل ما إذا كانت المنعطفات القاسية سبباً له أو الغوص في الصفحات التي ما انفكت محفوظاتي تحظى بالعديد منها حتى اليوم.
ولكنّ المحطة الأبرز، بلا شك، كانت في يوم غزو العراق المشؤوم، الذي صادف نهار عيد الأم من آذار 2003. كتب يومها رئيس التحرير الأستاذ طلال سلمان مقالاً عظيماً ما زلت
أدونيس بين وقع مواقفه وإيقاعات الشعراء
2016-12-22 | مهدي منصور
ممّا لا شك فيه أنّ لمَّ شمل عدد وازن من الشعراء المشهود لهم بالقلق أسهل من جمع الربيع كلّه في باقة واحدة. إلا أن العاصمة التي أقنعت الملاكمين الدوليين بأنّ أصابعهم صالحة للمصافحة أيضاً، والتي ما برحت تجري من تحتها الأنهار وهي تبرّد من سخونة العالم، أثبتت قدرتها على جمع الشعراء العرب المنقسمين على كل شيء تقريباً، إلا على محبة «مسقط».
أسبوعٌ في
«تموز» ينتظر من يكتبه
2016-08-13 | مهدي منصور
الذين رقدوا بالأمس أفقياً، تحت جلد الأرض، كيف استيقظوا شجراً وأنصاباً تذكارية؟ والبيوت كيف كانت تكتسب بعداً جديداً بينما تخسرُ جداراً هشاً؟ كيف اتسعت لكل التلال المتاخمة عندما ابتلعت قذيفة واحدة؟ والناجون الذين كانوا يدلكون صدر الجبال بينما تقطف طائرة عائلاتهم الصغيرة كيف أصبح لهم صلات قربى جديدة؟ يتفكرُ جنديٌّ وهو يسحب آخر دباباته المعطوبة جنوباً وينعطف جهة الخيبة.
بعد عشر سنوات على الصيف الأكثر حرارة وخصوبة، لمّا تزل أغلب المشاهد ساخنة، كفكرة قصيدة تنتظر من يكتبها. أو ربما، كملامح وقرى كانت مرسومةً سابقاً على شكل لوحة عظيمة وقد خرجت لتوّها من القماش بعد أن غافلت الرسام.
يظل الأبد أدباً إلى أن يصير الأدب أبداً، كما تظل المادة الفنيّة ساخنة إلى أن تبترد على شكل فن. ولذا نلاحظ سخونة مسرح الأحداث على طزاجتها بعد عقدٍ من المجد. لا أعرف إذا كان هناك أسطورة وراء بقاء فكرة الانتصار هلامية وغير مطوّقة ومحصنة في قوالب فنيّة، أسطورة أخرى يمكن أن تضاف إلى الصمود الأسطوري للجنوبيين في وجه أقدم
مربد البصرة.. حبل القصيدة ما زال يتمزّق
2016-01-26 | مهدي منصور
كل شيءٍ تقريباً يتغيّر في العراق عدا الشعر، إذ ما يزال الشاعر العربي، كما كان منذ الجاهليّة، يحضر إليه ليطمئن على لغته، ولينضمّ إلى شعراء عرب وعراقيين يقيسون عمر قصائدهم بنخلة فارعة. وعندما نقول إن التغيير لم يطل الشعر، لا نعني شكل الشعر وموضوعاته وفضاءاته أو حساسية الشعراء، إنما الاندفاع إليه بجزالة والدفاع عنه ببسالة وهذا أمرٌ لا يختلف عليه سواء الشعراء الذين نفاهم النظام المخلوع ولا الشعراء الذين نفاهم خلعه.
المربدُ هذا العام أيضاً، مثلما جمعت «البصرة» النهرين في شط العرب، كان محطّ رحال القوافل الشعرية من كلّ نصٍّ وصوب. ومن الغرابة بمكان أن ترى المذاهب والمِلل والمتناحرين العراقيين على تنوعهم يجتمعون حول الشعر الذي استطاع أن يفعل ما لم يفعله سياسيو الأرض والسماء. والشهادة للبصرة التي ما زالت عين الصحراء، وللمربد الذي هو عين البصرة، تأتي بعيداً عن الورقة التي خرج بها المهرجان ومدى تأثير حدوثه على عالم يتمدّد بين قوات الحشد ومسارات السوخوي وما بينهما من ليلٍ نرجو ألا يكون طويلاً.
على خلاف كثير من العادات العربية السيّئة، تخلى المنظمون والراعي وكبار الضيوف عن الكلمات لمصلحة الإنصات للشعر الذي احتشد للعراق وجاءَ عنواناً للدورة التي منحت
مناسبات إلكترونية في العام 2040
2015-12-04 | مهدي منصور
رجلٌ في العام 2040 لم يسمع منذ أمدٍ بعيد بما سُمّي طويلاً بـ «معرض الكتاب». هو لا يشعر بالعزلة على الرغم من أنه وحيد، ولا يشعر بالضجر على الرغم من أنه لم يغادر المنزل. لقد طوى معرضاً كاملاً من الكتب في صفحة واحدة. بقليل من الدوار والتعب، وهو المربوط عنكبوتياً بمؤلفين يكتبون عن شعورهم بعد زيارة المرّيخ الأولى، تضاءل العالم، وقد كبُر، إلى موقعٍ يُغنيه ويؤمّن له قوته من الثقافة باستعمال إصبع واحدة. ليس ثمة موعد سنوي للمناسبة فالمعرض مفتوح على مدار السنة ويقدّم الإصدارات بشكل لحظي، أما التواقيع فمناسبات إلكترونية تنتفي تدريجياً لمصلحة مناسبات أخرى كقراءة في كتاب معيّن، في حين أن إحصاءات الكتب الأكثر مبيعاً أو قراءةً تتمتع بدقّة الحاسوب بدلاً من تنوّع العلاقات العامة.
كان يحتاج ساعات عديدة ليصل من مكان إقامته إلى قاعة المعارض، وساعة إضافية ليجد مكاناً يركن فيه سيارته بعيداً عن موظفي شركات يرابطون على ثغور المداخل المؤدية إلى المعرض لبيع رفاهية ركن السيارات وهم ينصبون حواجز للقراء قبل وصولهم، فيفكر الروّاد المياومون مئة صفحة قبل النزول لشراء كتاب.
بجهاز لا يتثاقل وزنه مع وفرة الكتب التي يحملها يتذكّر وزن الأكياس التي أثقلت كاهله ذات ليلة تسوّق كاملة. الكتب كلها متوفرة ومتوازية في جدول مرتّب أبجدياً يجمع المتنبي مع «أبي الينبغي» وهو أح
مواعيد دمشق.. ورد الشام
2015-08-15 | مهدي منصور
اليوم في دمشق كسنةٍ في سواها.
في دمشق لا نشتاق إلى امرأة أو مدينة. لا نكتب القصائد، ببساطة لأنه لا يمكننا أن نرتكب المعاصي في الجنة. الجنة التي ما زالت على سحرها وهي محاطة بجهنم، والحياة التي تتدفق كأنهارها السبعة لم تتوقف برغم الجراح في شجر الضفاف.
القصائد لا تعلق على الأستار ولكنها تنقش على الجدران، والتاريخ الذي كان صعباً عليه أن يمشي في الحارات من شدة ازدحامها بالناس وجدَ أخيراً مكاناً آمناً له في حجارتها.
تقول الأسطورة أن البرق المرسل إلى الدمشقيين من الإله «حُدد» كان يضرب «قاسيون» فيترك في ترابه تترات حديدية، يصنع منها السيوفيون السيف الخالد بطعناته النافذة، وسره الأبدي ثم تنقش عليه كلمات مناجاة «للإله» تقول: «حُدد لم يخسر حربه كل من حمل سيفه». البرق يخرج من «قاسيون» هذه المرّة من عيون الحالمين المؤمنين أن المدينة ذات السيف لم تغبِ ولن... وما زالت قلوب الدمشقيين تصعد إلى الجبل كالشعب في رواية «ناراياما» لـ «فوكازاوا»
تحررت من الموت، احتلتنا الحياة
2015-05-25 | مهدي منصور
صباح الخير يا جنوب... صباح البيت والأهل والجيران والقرى، صباح الوديان والرعيان والجبال والرجال، صباح المعاول في الأرض تدفن حكايا الشجر والبشر والجداول توزعها على القلوب بالتساوي، صباح الحارات التي تعرف قصص العاشقين عن نبض قلب، صباح الشمس التي تزور البيوت وتسكن في الأرغفة...
صباح الموج الذي من شدّة الجري إليك تعرّق إبطه فكان البحر، صباح التنهيدات والصلوات التي حين تكثّفت على أكتاف العجائز صارت تلالاً ومغاورَ.. صباح الخير يا حبيبي، فأنا كلّي ليلٌ وأنت فاتحة النهار، وأنا مجازٌ ضالٌ وأنت الحقيقة. أنا الكلام الذي يستنجد بمجدك كلّما ضربه صمتٌ عضال، وأنت الصمت الذي يخبّئ جلّ قصائدنا في القصب..
قد تسأل لماذا أكتب إليك، وحياةِ عينيك، ما هذا ابتهالٌ لسمائك الباسمة ولا نفاذٌ إلى صدرك من خلال قصيدة، إنني أشحذ المعنى لتغفر لي الغياب الطويل، وإنني في يومك خجولٌ، أطل عليك، إنما من خلال الجريدة...
لأنك عندما تحرّرت أنت من الموت احتلّتنا الحياة.
أكتب إليك عنّا بعد عقدٍ ونصف، بالصدق الذي أوصيتنا، وبالحب الذي تواصينا، لأقول أننا لم نفهم جيّداً ما تقوله النوافذ التي فتحتها على شكل جراح وخنادق... وأننا لم نقرأ
راهب علماني
2015-04-23 | مهدي منصور
عن عمرٍ يناهز الأربعين كتاباً، وحين لم تقتله هموم الوطن، قتله المرض. الواقع أنّ كليهما عُضال. لقد ضاق الهامش بينهما إلى أن تسنّنا كشفرتين لمديةٍ واحدة. سليمان تقيّ الدين، الذي جلّ ما أراد لوطنه أن يُحضر عرش سبأ، ولم يستطعْ، ليس لأنّ الهدهد خذله، بل لأنّ كليهما محطّم، فلمْ يرتدّ إليه بصرُه.
رحل سليمان تقيّاً كراهب علمانيّ. تُراه إلى أين رحل؟ إذا
أنسي الحاج، لم تأخذك سَنة ولا نوم...
2015-02-20 | مهدي منصور
على المسافة التي كان لا بدّ أن تنكمش بيننا قليلاً ونلتقي مذنّباً أعمى بنجمٍ موغلٍ بالتوهج، تحالف الوقت وفائض الحمولة. لم أظنّ، يوم تواعدنا أن نلتقي في مكتبٍ في الجريدة، أنك كنت تعني لقاءً أشبه بخطاب على صفحةٍ في الجريدة، وأنّ الحديث الذي كنت أشحذ له اللغة والأسئلة، سيبقى لغةً وأسئلة من غير أن تنبس ولو ببنت شفة. أصعب الامتحانات، هي ليست تلك التي تنتهي بالخسران، بل هي تلك التي نعدّ لها المشرفيّة والعوالي ولا تنتهي بنتائج محدّدة، وأشقى من السقوط في الحفرة ألا نعرف أين نحن تماماً منها. كان يكفي أن ترمش لي بعينين سماويتين لأحدّد موقفي من الشعر، أو أن تدير ظهرك لأصبح نجاراً لخزائن كتبك، أو أن تغمرني، ربما، لكي أصبح ناياً إلى الأبد.
الكتابة في هذه الحالة إذاً، هي وهنٌ على وهن، أو ربما هي وهمٌ على وهم. بين الورّاق والورقة ثمّة أكثر من معضلة، إذ كيف تذهب وحدها، من كاتبها، إليك؟ وهو الذي تكبّد عناء كتابتها بيدٍ ثقيلةٍ كالغياب، لشدّة ما أثقلتْ أصابعَها «الخواتمُ». أو كيف يترك أطفالَ المعاني أن يقطعوا وحدهم شارع المعرفة. لكأنك تؤكّد مجدّداً أنّ القصيدة، لا الشعر، هي الشاعر... وهنا أسأل: هل يحمل الصوتُ الفكرة؟ وهل الكلمات محمولةٌ بمعانيها في المجال الفاصل بين طرفي التخاطب؟ والجواب طبعاً لا. لأنها لن تثير شيئاً في من لا يتقن لغة الصوت. لأن الضوء الذي بفضله نرى اللوحة لا يحمل معنى اللوحة ولا «ميتالونها». لذا، لقلبك فضل الكلام وليس لي، وعلى جسر حلمك تجد المعاني طريقها المؤدّية، ولا خوف على التلقّي إذا ما كان ثمة خوفٌ على موعد اللقاء.
أنسي الحاج، أيها الرسول بشِعرِك الجميل حتى الينابيع، قبل مدادك كانت أرض اللغة بلا أنهار، والشعر، عزف على وترٍ يتيم. أنت، بيدين من نار ونور، ولّدت من صخر التكرار الأصم، عذب الأمل، ومن الماضي الذي ينتحل صفة الحاضر دائماً، والمستعد لأن يظلّ قابعاً على صدر اللغة حتى ما لا نهاية، معنىً جديداً للزمن. وجعلت الشعر آلةً فضلى لنعيش الحياة ببطء شديد، بطء يجعلنا نرى الجمال بشكل أوضح، ونستمتع برؤية التفاصيل، التي كانت تدوسها سرعة الإيقاع، على دهشتها ومجّانيتها. ثم إنك، على هذه الآلة، الشعر، مددت أصابعك العشرين أوتاراً، فلم يعد الإيقاع خُلّبياً، شتّاءً يومضُ ولا يمطر. نعزف الشعر، على طريقتك، لندرك أننا ما زلنا على قيد الخلق والتجدّد، وأنّ في الصوت وطناً لا أنبياء فيه سوى الحب، وأنّ مياه أحلامنا لمّا تأسن، و»لنْ».
الشاعر، يؤنث هذا العالم، لأنّ عالماً لا يؤنّث لا يعوّل عليه. أنسي الحاج، الأنقى بيننا كما يقول أدونيس، شاعر يعوّل عليه العالم ليكونَ أجمل. يكتب عن النهار وكأنه يبتكر امرأة، ويكتب عن الليل وكأنه يمارس الحب. هو عاشق لكل جماليات الحياة منذ النظرة الأولى. الغيب أنثاه المستحيلة، والغيبوبة، غضبه البربري على عالم أعمى، أو اعتراض منه على امرأةٍ تولّي ظهرها للأمل. وهو الآن، بعينيه المغمضتين، يرى الأشياء بشفافية مذهلة، حتى إذا مرّت أمام عينيه امرأة، لاستطاع أن يرى قلبها الذي ينبض داخلها مثل لؤلؤة في الماء. وقد يتيح لها، لو أراد، أن تخلد في قصيدة يعلّقها لها ببعض كلمات ومخطف على باب من أبواب الشعر الصافي.
الشعراء نوافذ مقوّسة مثل بحيرة ضوء في عين غزال، نوافذ مفتوحة كالفكرةِ، لا ترفع أيديها في كفِّ الريحِ ولا تستسلمُ للجدرانِ، لا ينفك أحدٌ منهم عن الاستشراف. كلّما ضاقت بهم دائرة المعرفة ـــ الضوء، تلصّصوا على الغيب ليجعلوا الكون أوسع. قبل الشعر كان العالم فحمة شبه منطفئة ربما. أنسي الحاج، هذا الحلم المكثّف والسريع، المتوغّل أبداً بالمجهول والذي قال أكثر من مرةٍ إنه يعتقد بالدخيلاء، واللاوعي، والمغناطيس، والعقل الباطن، والحلم، والخيال، والمدهش، والعجيب، والسحر والهذيان، والصدفة، وكل ما هو مشبوه فوق الواقع، كان يصرّح إذاً عن أدواته في الكشف، عن الطرق التي يدخل يده من خلالها في جسد الضوء ليقرأ ما يضمرُ نردُ الوقت، ومن ثم ليكتب «ماضي الأيام الآتية» بلغة نيئة، عارية من البلاغة والبهلوانية، مضغوطة كثقب أسود، ومتوهّجة كمقلة عاشقة، هارباً من البيت الشعري إلى الشعر... فهو، بهذا المعنى، ما زال من أجمل النوافذ، الممتلئة بالحرية والرؤيا. أجمل النوافذ تلك التي لا يملكها بيت.
في المرحلة الفاصلة بين الولادة والموت، المسمّاة اصطلاحاً بالحياة، ثمّة تأرجح دائم بين الخلق والتدمير، بين الإقامة والسفر. الأنبياء وحدهم كانوا الممسكين بناصية التوازن، بعض الأنبياء شعراء أيضاً. أنسي الحاج أشعل النار في شجر الغابات اليابسة وحطّم أصنام النصوص المعادة المكرورة، بفأس الـ «لن»، وهو بذلك لم يكن يؤسس لمرحلة شعرية جديدة فحسب بل لعالم عربي مختلف، عالم يعتقد أن السلف لم يقل كلّ شيء، وأن المعرفة لانهائية وأن ما في الكون من قصائد فلكية وغرابة التلاشي والولادة يفتح إلى أفق جديد. كان يصغي إلى موسيقى الأجرام السماوية، بالدهشة ذاتها التي يصغي فيها إلى فيروز، جنّته الصوتية التي كلّما تنفست تفتّح نهدٌ في صدر فتاة. لذلك لا أرى المجتمع الحر إلا قصيدة نثر بريشة أنسي الحاج، هكذا ينحسر الدم المراق، ويصبح العالم مكاناً أفضل تحت برد السماوات.
الغياب، لعبتك الفضلى لجعل الكلمات أكثر سخونةً، والأنوثة مرآة الطفولة المستمرّة. أراك، مطبقاً جفنيك على الأسرار التي لم تقلها بعد، كَشفتين مطبقتين على شفة حبيب غامض وسريع الغياب، يحاول الرحيلُ أن يتزيّن لك بما يرضيك، لعلّك تكون رفيق الأبد. وكلّنا يعرف، أنك لم تمسك بيد الرحيل إلا حين أتاك على صورة امرأة، لا لتشبع رغبة بك، بل لتورث الإنسانية موتاً أقل وحشيّة مما هو عليه في هذا العالم. وكل هذا السكون، إتاحة لمياه اللغة أن تستقر قليلاً، قليلاً قبل أن تضرب جهة المستحيل برحيلك ليكون النص الأخير، نصّ بحجم حياة قد تتكرّر في المنظور من السنوات القادمة، حياة ستتعب الطبيعة كثيراً حتى تنتج بما يحاكي عبقريتها النافذة.
المزيد
جريدة اليوم
جاري التحميل