حسان الزين
 
إقرأ للكاتب نفسه
بيت الاستقلال
2014-11-19 | حسان الزين
جميل أن تؤلف كلمة بيت عبارة مع الاستقلال: «بيت الاستقلال».
بيت ريفي، من حجر صخري، في بشامون تسكنه عائلة لبنانية، استضافت بعض «حكومة الاستقلال»، بين 11 و22 تشرين الثاني 1943، غير خائفة من عقاب الانتداب.
جميل وحميم ومؤلم.
لقد جردنا الاستقلال، وتاريخ لبنان كله، من واقعيته وإنسانيته.
وإذ ينفض بيت الشيخ حسين الحلبي غبار الاهمال والنسيان عن نفسه، يذكرنا بأن الاستقلال والتاريخ ناس وقصص وبيوت وأمور عادية. ينبهنا إلى أن التاريخ ليس بيانا سياسيا أو كذبة يتفق السياسيون على صوغها.
«بيت الاستقلال» بيت يخرج من الهامش، من الحقيقة، ليقول إن التاريخ ليس ما تعلمناه، ليس ما أمر السياسيون بكتابته بدعائية بدائية تصور الاستقلال هبة منهم وبفضل تضحياتهم. وقد فصل التاريخ على مقاسات صغيرة، لصنع أبطال بحكايات معاد إنتاجها ومفبركة.
ولم تتسع لأناس عاديين وبيت صغير، فأماكنها أماكن «رجالات الاستقلال» لا غير. وإذا احتاجت الحكاية إلى تزيين ذكر الشعب والشارع واكسسوارات أخرى، منها أحيانا، «شهيد الاستقلال» سعيد فخر الدين (بشامون 16 تشرين الثاني 1943)، الذي أهمل أيضاً ولم يكرس شهيداً رسمياً توضع على ضريحه أكاليل الورد في ذكرى الاستقلال، بينما توضع على أضرحة سياسيين شاء القدر أن يرثوا المناصب والزعامة في ذاك الزمن وبعده.
للاستقلال بيت إذاً، تقول الحكاية المطموسة المجتزأة. وهذا حميم وصادق أكثر من قصص الكتب المسيّسة التي قطعت عنه الكهرباء. وحميم أن يبقى وأن يقف ويدعونا إليه، وأن يكتب قصته (كتيب من إعداد سليمان بختي وجهاد حسان).
صيدا
2014-11-18 | حسان الزين
تستحق صيدا التهنئة لتخلصها من جبل النفايات.
كان كابوساً مقرفاً حقاً. وقد استمر نحو أربعين عاماً.
وفيما الدولة غائبة، وفيما الغالبية العظمى من البلديات بحكم المنحلة، وفيما إفساد البيئة يجري بلا حسيب أو رقيب، وفيما يكتشف المواطنون، في المدن والقرى بلا استثناء، أن النفايات والفضلات والأوساخ على أنواعها، ما عادت في المزابل والمطامر فحسب، تطوي صيدا صفحة بيئية وإدارية سوداء، وتزرع حديقة فوق ذاك الجبل الذي بدأ يتراكم، بجانب الشاطئ، إبان الحرب وغياب الدولة والخطط والمعالجات.
هذا إنجاز لصيدا تقدمه نموذجاً للبنان.
لكنه ليس إنجازا من فراغ. له أسبابه.
الأكيد أن نشاط المجلس البلدي منها. يسجل له ذلك. غير أن هناك أسباباً أخرى. أولها أن صيدا مدينة. ليست كذلك في الاسم فحسب. تكوينها المديني بقي حاضراً ولم يذب مع المستجدات بل استوعبها. ومجتمعها الهادئ، المكون من عائلات وبنى تقليدية وتشكيلات سياسية وأهلية، حي ومرتبط بمكانه وتاريخه وبالمؤسسات، ومنجذب إلى الدولة والقانون والنظام، مع المحافظة الاجتماعية والدينية والثقافية.
فمجتمع صيدا، إلى حد بعيد، جسد مديني تعمل أعضاؤه وفق وظائف وأدوار تاريخية ومستجدة، اقتصادية واجتماعية وثقافية، وتحت سقف مصلحة المدينة الذي يدركه جميع اﻷعضاء، وإذا نشز هذا أو ذاك وخرج عن المسار في ظروف ما عالجه الجسد بعقله وباقي أعضائه.
ثمة ناظم مديني يديرها دائماً.
هذا بعض من أسرار صيدا التي تجعلها أحيانا تبدو كأنها خارج لبنان، في إيقاعها وفي نفسها.
هكذا، عرفت صيدا دائما استيعاب الوافد وامتصاص الصدمات واحتواء الأزمات ومواجهة التحديات... ومحاولة تنفيذ أجندة مجتمعها حتى في غياب الدولة.
سر صيدا وحكمتها سلمية أبنائها وتكوينها المديني المتين.
حسان الزين
حِرجٌ أم جدار فصل؟
2014-11-14 | حسان الزين
يورط حرج بيروت من يدخله (فوق الثلاثين) بالطمع بأن يبقى هادئاً. فهذا المكان اﻷخضر لا يقصده إلا من يحافظون بالمشي والهرولة وتنشق الهواء النقي (موقتاً) على صحتهم، أو من ينفذون وصفات اﻷطباء.
كأنه يتحول إلى حديقة مستشفى أو منتجع صحي. وفي أفضل الأحوال إلى ناد للمشي والهرولة. فمن يمارسون الركض فيه نادرون، أو هم قلة قليلة مقارنة باﻵخرين.
لعل هذا مفيد، ومن حق هذه الفئة أن تنعم بمساحة حرجية صحية وهادئة في المدينة.
لكن، ماذا عن حقوق اﻵخرين؟
المساحات الخضراء في المدينة من الحقوق البديهية للجميع، وبالتساوي. والقفز فوق هذا اﻷمر لا يجعل الحرج مملاً ومعقماً ومنفصلاً عن محيطه فحسب، إنما يجعله "مربعاً أمنياً"، ويجعل سوره جدار فصل.
وأخطر من ذلك، ينسينا الدور المديني للمساحات العامة، وهو اللقاء والتواصل والتعارف والتفاعل.
وبعد، إن منع من هم دون الثلاثين، إلى لا قانونيته، هو قرار مهين. فهو اتهامي لهذه الفئة الواسعة بعدم أهليتها بدخول مساحة حرجية عامة.
وهذا ظالم. كأنه ينطلق من "ثقافة" لا تثق بالمواطنين، وتصورهم على أنهم إذا ما دخلوا مساحة عامة حولوها إلى حلبة للمصارعة وساحة
مسألة عاطفية
2014-11-12 | حسان الزين
شارة سير واحدة في طريق قصيرة بين مكانين.
يحلو لي أن أحترمها. أعبر إذا كانت خضراء، وأستعد للتوقف عندما تصفر، وأتوقف متى تحمرّ. ودائماً أتلفّت حولي حذِراً من المخالفين وغير المكترثين لها وللمارة.
يحلو لي ذلك، وقد باتت هي وردّات فعلي جزءاً من يوميّاتي. آنس لذلك. وآنس لسيارة الشرطة المركونة هناك، مع عناصرها، من دون سبب يتعلق بالسير، إنما بالأمن القومي الأبعد من شارة السير. فأرى العناصر دائماً مشغولين بأحاديثهم وتدخينهم.
وفجأة انطفأت تلك الشارة.
قليلون انتبهوا، أو اهتموا. واصلوا عبورهم وكأن الشارة لم تكن هنا يوماً.
وأنا مرتبك. أعرف الاتجاهات، وأعرف من أين أتيت وإلى أين أذهب، لكنني قلق.
أرعبني أن أجد الأماكن النادرة في المدينة حيث أمارس طقس احترام القوانين والدولة، بات بلا ناظم.
لم أفكر في أن الآخرين الذين تكيّفوا سريعاً مع انطفاء الشارة، غير حضاريين ولا يحترمون القوانين والدولة ومظاهرهما. لم أفكر في شيء من هذا، بل إنني برّرت لهم تكيّفهم واستمرارهم بالحياة.
ماراثون
2014-11-10 | حسان الزين
يُفترض ألا ننزعج حين تُقفَل شوارعُ بيروت، أو أي مدينة أخرى، من أجل ماراثون هدفه «الحب والسلام والإنسان»، ذكراً كان أم أنثى، والمساواة القانونية والاجتماعية.
بل يُفترض أن نفرح ونشجّع.
يُفترض.
لكن ما يحصل يدفعنا إلى الامتعاض وطرح الأسئلة.
وأبرز تلك الأسئلة:
ما ومن هي الجهة التي تُطاع إلى هذا الحد، فتُقفَلُ لها الشوارعُ، و«توضع الدولة» في خدمتها، وتسارع الشركات والمصارف والوزارات لدعمها مالياً وإعلانياً ولوجستياً، وتُجيّش وسائل الإعلام لمواكبة نشاطها، ويُدعى المواطنون إلى المشاركة في «حدثها» وتشجيعه والاستجابة لإجراءات السير والأمن المرافقة له؟
وبعد، لا نسمع عن نشاطات تلك الجهة إلا في الماراثون وما يرافقه من حملة إعلان وترويج. فلا نعرف، كمواطنين، هل للجهة تلك نشاطات أخرى تتعلق بالرياضة والصحة وغيرها من العناوين التي تطرحها سنوياً؟
سلع
2014-11-08 | حسان الزين
يومياً، يحصل استغناء شركات ومؤسسات عن موظفين وعمّال. وهناك حالات كثيرة تعسّفية وظالمة.. و«أكل حقوق».
يحصل ذلك بصمت، وفي الخفاء.
ولشدّة غياب الحس الاجتماعي لدى المواطنين، يبدو الأمر فردياً يخص الشخص المصروف، لا غير. وبالكاد نقول «الله يعينه ويدبر راسو».
ويساهم تغليف قرارات الشركات والمؤسسات بأسباب الضائقة المادية وعجزها عن الاستمرار بالتوظيف والتشغيل، وربما بعجزها عن الاستمرار هي نفسها، في التعامل مع الأمر باعتباره شأناً فردياً مأساوياً. وربما يساهم ذلك في التبرير للشركات والمؤسسات. فهذان وجهان لعملة واحدة.
يشكل ذلك مظلة لأصحاب العمل، بل يغريهم لأخذ راحتهم.
ويستمر الأمر، وتتكاثر القصص في بلد ترتفع فيه البطالة.
ويستمر غياب النقابات. وهنا يتكشّف ويتكثف سببٌ من أسباب تغييبها.
فالنقابات لم تُطيّف فحسب، وإنما تعمل لدى أصحاب العمل. وعملها أن تغيب من السوق. ومن يحضر منها في السوق يفعل ذلك بتوجيه من القوى صاحبته. فمرجعيتها سياسية، وتتحرك وفق أجندات سياسية، لا وفق مصالح الموظفين والعمّال.
هل أنا ناخب؟
2014-11-06 | حسان الزين
هل أنا ناخب؟
أسأل، في مناسبة تمديد مجلس النواب لنفسه.
سؤال متأخر، ومناسبته ليست انتخابية، وإن كان يُفترض أن تكون كذلك.
وبالرغم من ذلك، لا بأس به. كأنه فحص ضمير، ولا بأس بذلك أيضاً.
ولا بأس بأن اعترف بأنني انتخب، في أول دورة بعد الحرب، رغبة في ممارسة حقوقي الديموقراطية، واقتناعاً بضرورة الخروج من الحرب والعودة إلى المؤسسات، أكثر مما هو إعجاب باللائحة البوسطة وبمنافسيها على حد السواء.
انتخبت انسجاماً مع النزعة الإصلاحية المؤسساتية عند أبي، وانجذاباً إلى القصص التي لطالما روتها أمي عن مشاركتها في الحملة الانتخابية، قبل الحرب، للمرشح حبيب صادق، ضد الإقطاع.
وسريعاً، بل استباقياً، شعرت بخيبة أمل من المجلس المنتخب، وإن وصل إلى ساحة النجمة بضعة أشخاص لا بأس بهم أيضاً.
سريعاً أدركت وأدركنا أننا لسنا في صدد لعبة ديموقراطية، وأننا في كمّاشة تُحكم السيطرة علينا.
وتوالت الانتخابات، والخيبة تحوّلت استقالة. وفي كل مرة كنت أجد نفسي مثل كثيرين مقاطعين يائسين لا من إحداث تغيير فحسب، وإنما من
أم شربل البستاني
2014-11-03 | حسان الزين
لا تتردّد أم شربل البستاني، السبعينية، في دعوة الطبيبة المتخرجة الجديدة إلى الطحش.
«اطحشي»، تكرّر لها، وهي تتنقل في استراحتها بين الصاج حيث تخبز المناقيش التي تفخر بأنها تعدّ بيديها مكوّناتها كلها، وبين الزبائن الجالسين فوق الكنبات الباطون والأسفنج التي بنتها حجراً حجراً.
وتجلس أخيراً مع الطبيبة متعبة ترتاح من العمل الذي لم يتوقف منذ عقود، وراغبة في الوقوف بجانب الطبيبة. ولا تجد لتشجّعها على الإقدام إلا تذكّر أشخاص «بدأوا من الصفر، ونجحوا».
وتجوهر أم شربل، وتبوح ملامحها بجمال مخمّر، حين تحكي عن كفاحها.
تجلس مثل امرأة عائدة من هجرة فرضتها الحرب، إلى بلدتها الدبيّة، ولا بيت تسكنه. كأنها وهي تعود إلى أرضها مهجّرة أيضاً. ولا شيء سوى أرض ملأى بالحجارة، وتوتة تبدأ منها الحدوتة:
«أصنع مربى التوت، وأبيعه».
ونهى، كما تحب أن تُسمي نفسها، لا تهدأ. «أم لولدين لا يعملان، وزوج كبير».
وتستعين بعامل ينكش الأرض، وحين يغادر تشمّر عن ساعديها وتقتلع الحجارة وتُبعدها.
«وصاروا يقولوا: جنّت نهى».
ونظّفت الأرض. ونصبتْ خيمة بلاستيك لتزرعها.
ومن مال التوتة والخيمة عاشت وأسرتها. بنت بيتاً وخيمة صار يقصدها أبناء الضيعة أيام الآحاد. وتضيّفهم المناقيش. وهم يريدون أن يشتروا. وهي لم تخطط لذلك، وابنها رفض وهدّد بالرحيل. وصارت الخيمة «استراحة أم شربل». وما زالت تُعدّ المناقيش للزبائن كما تعدّها لولديها، تقول، وتدعو الطبيبة والحاضرين ليشهدوا على ذلك. وهم يصدّقون. يصدقون ما تقوله أم شربل. يصدّقون ما فعلته نهى. وهو طيّب مثل مناقيشها، وجميل مثلها وهي خلف الصاج، أو وهي في عرس تنافس الصبايا والأمهات حُسناً وأناقة، أو وهي تهمس للطبيبة:
«اطحشي».
وليم نصّار
2014-10-31 | حسان الزين
حاد لا يهذّب الكلمة الأولى، ولا سيما إذا كانت شتيمة. ولا يشذب المشاعر الأولى، العفوية، لا سيما إذا كانت غضباً أو حباً. ولا يمنع ردة الفعل من أن تغدو موقفاً أو قصيدة أو لحناً... هو وليم نصّار.
شخصٌ بقلب، بعقل، بملامح، بصوت، مَن فاته العالم. ولا ينفك يكرهه، ويندهه، ويقاهره بأنه كان ليكون أجمل لو انتظره، لو أخذه معه، أو بأحضانه.
طفلٌ كبيرٌ، غريبٌ، يسأل العالم طوال الوقت لماذا على غير حقيقته؟ لماذا يخون نفسه والناس الطيبين؟
ولا يصدق ما آلت إليه الأمور، أو ربما يصدّق. كأن لا فرق.
ويبدو أنه يأمل خيراً. يأمل أن يستيقظ ضمير العالم حين يرى وطناً محتلاً، مضطهداً، منهوباً، وحين يلمح بيتاً أو بلداً مدمراً مهجوراً، وإنساناً معذّباً، وفنّاناً منفيّاً.
ويصرخ.
هو وليم نصّار صرخة. صرخة الخسارة المتجددة. صرخة سوء الفهم مع العالم: مَن المهاجر، وليم أو العالم؟ من الضائع، العالم أو العمر والفن والقضايا والأوطان؟ من الغلطان، المتشبّث بالمبادئ والقيم أم مَن يدبّر رأسه؟ من الصح، المضطهِد أو المُضطهَد، الصادق أو الكاذب، المؤمن أو
المزيد
جريدة اليوم
جاري التحميل