جعفر العطار
 
إقرأ للكاتب نفسه
«الإله» في إجازة طويلة
2015-09-08 | جعفر العطار
اسمك جرحك: آيلان. وجهك اسمك: المجروح. المعذب. الغزال الصغير. المظلوم: هذه أسماؤك في لغتك الكردية: أسماء تخبرك أنك ستبتسم وتفرح، ستمشي وتلهو وتضحك، لكن عبثاً: ابتسامتك لن تكبر معك وتحملك إلى أحلامك: ستموت غرقاً، طفلاً، وحيداً: وجهك يغمره زبدٌ ورذاذ بحر خافك: خاف أن يمسّك ويحضنك: أمسك بك من بين اثني عشر مظلوماً ورماك بيديه إلى شاطئ حزين وحيد.
أغمضتَ عينيك الذاويتين. أرحتَ يديك وقدميك. سمعتَ آخر موسيقى قبل موتك: أول موسيقى عرفها الكوكب: أمواج البحر حين تمشي: فكرت وتذكرت: «أبي لا تتركنا.. أبي لا تمت»، صرخت، بينما الأب كان يمشي فوق المركب حائراً مرتجفاً: «أنا هنا يا أبي»، رددتَ بصوت خافت خائف، ونظرت فرأيت: الأم تناديك باسمك، لاهثة، تبحث عنك بعينين تودعان طفلها قبل موتها: طفلان لا طفل واحد: غالب، شقيقك، يطوف حول المركب الصغير مترنحاً. يغرق ثم يطفو مرفرفاً مثل عصفور بلا جناحين.
ممدداً فوق الشاطئ، ميتاً مرتدياً ثوب جثة، حياً بذاكرتك، تذكرت ما سمعت ذات يوم: «هذه بلادنا، لكنها مجروحة، متروكة، مثلما جُرحنا منذ وُلدنا فتُركنا حيث جئنا. لم يسألنا أحد إن أردنا المجــيء لكننا أتينا»: ربما ســمعت الأب يقول متلعثماً معــتذراً:
أسرار «اجتماع الفجر»: هكذا تم التخطيط لاقتحام وزارة البيئة
2015-09-02 | جعفر العطار
عند الساعة الثالثة إلا ربعا من فجر أمس، تم حسم «القرار السرّي»، بصورة شبه نهائية: «اليوم الثلاثاء (أمس) سنقوم باقتحام مقرّ الوزارة قبل الواحدة ظهراً، سلمياً، بالتزامن مع انعقاد اجتماع حملات ومجموعات وجمعيات الحراك المدني. لكن حتّى الساعة، لا أحد يعرف بالقرار السرّي إلا أنا وثلاثة أفراد في حملتنا، وأنت»، يقول أحد مؤسّسي حملة «طلعت ريحتكم» لـ «السفير» قبل حلول الساعة الرابعة فجراً، في اتصال هاتفي.
بعد الاتصال، يرسل المصدر نفسه رسالة هاتفية نصّية لـ «السفير»، توضح: «الوزارة: البيئة»، ثم تليها رسالة ثانيّة: «حتى الآن، لا أحد من أفراد الحملة يعرف بالقرار، لكننا سنخبر المعنيين منهم ومن حملتين ثانيتين، قبل الموعد بنصف ساعة، لنحشدهم للاقتحام، وسندعو ممثلي وسائل الإعلام المرئية إلى الحضور بحجّة عقد مؤتمر صحافي، ثم يدخلون معنا إلى مقرّ الوزارة ليتم توثيق التفاصيل، ونقلها مباشرة».
غابة «حيوانات» سياسية.. غاضبون لا مندسون.. والآلاف يتوعّدون
2015-08-31 | جعفر العطار
عسكريون يسيرون ببطء متقدمين من ثلاث جهات. ثيابهم داكنة. رؤوسهم تعلوها خوذ تحجب وجوههم. أيديهم تقبض على هراوات تتمايل مع سيرهم، خطوة، خطوة. متظاهرون بالمئات مطوّقون أمام السرايا من ثلاثة مداخل. فتى نحيل ملثّم يحمل حجراً. يخاطب العسكريين صارخاً مردداً: «إذا قبضايات.. قرّبوا يا حيوانات!». يرمي الحجر ويمشي نحوهم، خطوة، خطوة، فيسير خلفه خمسة ملثمين بصدور عارية، بينما المتظاهرون المحاصرون يراقبون بخوف، ينتظرون.
حجر، حجران: «قرّبوا يا كلاب»، يردد الملثّم. العسكر يسير ببطء. شباب وشابات يتلفتون ذات اليمين وذات الشمال. محاصرون، حائرون. الساعة الحادية عشرة ليلاً. صحافيون يتجهزون للتصوير. كل منهم يحمل الكاميرا كما لو أنها بندقية. يتحضّرون وينسحبون إلى حدود السرايا المحصّنة بأسلاك شائكة. دقيقة، دقيقتان: العسكر يقفز خبباً. يسير أفراده مسرعين لاهثين من جهتين. الهراوات تعلو وتنخفض. يقع الملثم أرضاً، حاملاً بإحدى يديه حجراً. يركض المتظاهرون. يصرخون. دقيقة، دقيقتان: يختفون.
العسكريون ثابتون عند المداخل الثلاثة المؤدية إلى باحة السرايا في ساحة رياض الصلح.
كواليس الاجتماعات.. مجموعات أمنية سرّية.. ومحاولة لشراء «جدار العار»!
2015-08-29 | جعفر العطار
وليد جنبلاط. اسمٌ يتردد أخيراً في كواليس اجتماعات مجموعات انتفاضة 22 آب: «نحن سنكون، في نتيجة أولية للحراك الشعبي، البديل من وليد جنبلاط، في ما تمثّل كتلته النيابية بما يُعرف بكفّة الميزان. نحن، في فترة ليست بعيدة جداً، سنكون هذه الكفة في مجلس النواب. إنه طموحٌ أولي»، وفق إفادة أحد أبرز المؤسسين والقياديين في الحراك المدني لـ «السفير».
جنبلاط ليس هدفاً، سواء بشخصه أو بالطائفة التي يمثلها، وإنما اسمٌ يردده الناشطون في سعي منهم لمحاولة رسم صورة تشبيهية لـ «عملية جراحية» ستبدأ «حقنتها» الأولى اليوم، بينما يستمر علاجها لشهور عدة، لكن من دون الدخول في غيبوبة: «التصريح الذي أعلنّا عنه في المؤتمر الصحافي اليوم (أمس) لحملة طلعت ريحتكم، لم يتطرق بشكل موسّع لخريطة طريق الائتلاف المقبلة، بتفاصيلها ومطالبها وسقفها ومدة تنفيذها زمنياً وشكل تحركها جغرافياً».
ولإنجاز «العملية الجراحية» بـ «نجاح»، ثمة خطوات تراكمية، منها مُعلن وغيرها مُضمر، بدأت منذ الأسبوع الماضي، وسط خلافات وتباينات في وجهات النظر بين المجتمعين
«يسقط.. يسقط حكم الأزعر»!
2015-08-24 | جعفر العطار
يداه مبتورتان وعيناه زائغتان تراقبان شباناً ملثمين يصرخون، يشتمون، يركضون ذات اليمين وذات الشمال. صدى الرصاص يتردد مدوياً في سماء مساء تلوّنها القنابل. يسير العمّ الستيني بخطوات بطيئة كما لو أنه يمشي متكئاً على عكاز.
يراها فيرفع يديه المبتورتين أمام وجهه: قنبلة مسيّلة للدموع تهوي من السماء بوميض أحمر. يختفي لونها ويدوّي صوتها خافتاً. يهرب منها دخان رمادي حارق. يركلها العمّ. يدحرجها نحو العسكر المتجمهر أمام السرايا في ساحة رياض الصلح. يمضي إليهم بخطواته البطيئة، بينما دموعه تنزف نزفاً.
رصاص وقنابل. الملثمون المندسّون يرمون زجاجات حارقة، وحجارة. يكسّرون واجهات زجاجية. يحرقون خيماً ومدخل كنيسة. يمشي العم وحيداً نحو العسكر. يخفض يديه عن وجهه. يقترب صوت الرصاص أكثر. يقترب العم من العسكر. يتردد صوته مخترقاً دويّ الرصاص: «الرئيس الأستاذ أرسل زعرانه إلينا. يريد هو وأمثاله تدميرنا. سحقنا. أنا كنت معه ومع غيره. كنت خايف منه ومن حالي، بس ولادي علّموني إنو الإمبراطور هوّي علّمنا نخاف، لنبقى تحت أمره
«السفير» تنشر معلومات جديدة عن لغز «اختطاف» التشيكيين الخمسة في لبنان
2015-08-05 | جعفر العطار
لم يتبدد نهائياً لغز اختطاف التشيكيين الخمسة في لبنان بعد. عشرون يوماً مرّت واللغز يسير في نفق أمني ـ ديبلوماسي، بسرّية شديدة تبدأ فصولها ومعلوماتها من واشنطن إلى براغ ثم بيروت، وصولاً إلى كييف: ثلاث دول تتابع مكاتبها الأمنية القضية ساعة تلو ساعة، بينما دولتنا مغيّبة عن الملف قسراً، فلا معلومات لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية من جانب الوفد الأمني التشيكي، الموجود في بيروت منذ ليل 22 تموز الماضي ويضمّ ثلاث ضبّاط من المخابرات الخارجية.
القصة بدأت مساء الخميس في 16 تموز الماضي، أي قبل عشرين يوماً: 5 تشيكيين معهم سائق لبناني اسمه صائب منير طعّان فيّاض، فُقد أثرهم نهائياً، وفق كاميرات المراقبة لدى الأمن، في أحد مطاعم زحلة، فيما عثرت القوى الأمنية على السيارة التي يملكها فيّاض عند طريق كفريا في البقاع الغربي، ليل الجمعة، أي بعد يوم واحد من اختفائهم.
كاميرات المراقبة رصدت السيارة التي كانت تقلّهم حتى زحلة، لكنها لم تتمكن من رصدها حين تم ركنها في كفريا، بطريقة مشبوهة، فاتصل أحد المواطنين ليل الجمعة بالدرك وأبلغهم عن السيارة، وهي حافلة صغيرة، ثم توجهت دورية من «شعبة المعلومات» إلى المكان وفتّشت محتوياتها. عُثر في السيارة على جوازات سفر التشيكيين الخمسة إلى جانب كاميرات تُستخدم للتصوير الصحافي، وبعض الأموال النقدية وأجهزة كومبيوتر محمولة.
نحن الدولة
2015-07-28 | جعفر العطار
يحاصرنا ويلاحقنا كيفما التفتنا: خوفٌ أزلي ورثناه، ونورثه.
نحني رؤوسنا ونطوّقها بأيدينا، هرباً من خوفنا: لا مفر.
نتحارب، نبتعد كلما اقتربنا من خوفنا، نحزن، نغضب، لكن عبثاً.
يقولون عنا، هم الذين منّا: نائمون. يسألون: متى تستيقظون؟
لم نضجر بعد. نردد دوماً مآسينا ونعددها: لا كهرباء، لا مياه، لا وظائف.
نسير بين مآسينا ونعتادها. نعتاد الاستسلام
قاتل جورج الريف: «طعنته لأنه شتمني.. ولستُ نادماً»
2015-07-21 | جعفر العطار
تعثر جورج الريف ثم نهض واقفاً مذهولاً. تلقى طعنة في خاصرته فتعثر مجدداً. جثا على ركبتيه خائفاً من طعنات السكين، محاولاً إبعادها عن وجهه. وقف وركض سريعاً بين السيارات، نازفاً وخائفاً، فيما طارق يتيم كان يلاحقه، يلكمه بيد ويطعنه باليد الثانية. وما إن وقع جورج ممدداً على الأرض في الجميزة، حتى بدأ يتيم يركله على وجهه، محدقاً في عينيه التائهتين، ومصراً على إتمام جريمته بوحشية.
مع ذلك، بدا يتيم «هادئاً ومسترخياً» في غرفة التحقيق لدى الأمن خلال الأيام الماضية، قبل تسليمه إلى النيابة العامة صباح أمس. يقول أحد المحققين لـ «السفير» إن «طارق كان طبيعياً جداً أثناء التحقيق، وواثقاً بنفسه، ولم يكن نادماً، بل بدا كما لو أنه لم يقتل أحداً»، كاشفاً أن القاتل «لم يكن يعرف، يوم الجمعة الماضي، أن جورج مات متأثراً بطعنات السكين، وحين أخبرناه بالأمر، ابتسم وقال أنه ليس نادماً».
وحين سأل المحققون القاتل عن سبب ارتكابه الجريمة، وفق إفادة المحقق لـ «السفير»، أجابهم قائلاً: «غضبتُ لأنه كان يلاحقني، بعدما رفض أن يتنحى جانباً بسيارته. شتمني حين توجهت نحوه، فازداد غضبي! من يظن نفسه؟ دورية تابعة للدرك؟ من هو كي يلاحقني أنا!؟». ونفى يتيم في التحقيق أنه كان تحت تأثير المخدرات أثناء وقوع
حروب صغيرة
2015-07-20 | جعفر العطار
كان الأب نائماً، بينما الأم تصلّي بيدين رفعتهما أمام وجهها كما لو أنهما كتاب، مرتدية عباءة لونها بلون الثلج. استيقظتُ جائعاً. سمعت صوت ابتهالات أمي الخافتة الهادئة، ورأيتُ أبي ممدداً فوق السرير بوجه شاحب. مشيت نحو المطبخ بخطوات حذرة.
بقايا طعام وإبريق ماء على الطاولة. التهمتُ الطعام وشربت مستعجلاً. كان يوم أحد، ظهراً. عدتُ إلى غرفة النوم. حاورت نفسي بصوت هادئ خافت: «الله لن يعاقبني لأنني كسرتُ قواعد الصيام في شهر رمضان. اليوم إجازة في المدرسة، وإجازة في السماء أيضاً. لن يعرف الله أنني لستُ صائماً».
آنذاك، سار شهر رمضان إلى جانبي بطيئاً، ثقيلاً، متجلياً أمامي بهيئة عجوز يحمل عصا يهوي بها على رأس كل مَن يكسر قواعد الصيام، باستثناء أيام الإجازة المدرسية، والسماوية. بيدين مرتعشتين خائفتين، طويتُ رغيف خبز كما لو أنني أغلق كتاباً، ثم قضمته بسرعة. مرّت دقيقة. دقيقتان. كان يوم أربعاء: لا إجازة. لم يظهر العجوز.
اجتزتُ خوفي من الله، لكنني اكتشفتُ خوفاً قريباً: أبي.
اعتدتُ رؤية أبي كأنه مندوبٌ من السماء: عينان تراقبان صلاة الابن وصيامه، استكمالاً لمهمة أوكلها إليه أحد ملائكة السماء. لم يكن ثمّة مفرّ: ادّعيتُ أمام أهلي أنني أصوم
المزيد
جريدة اليوم
جاري التحميل