اربع سنوات مضت والحديث عن استثمار ثروة البترول والغاز الموعودة ما زال يدور في حلقة مفرغة، بانتظار مصير مشروعي مرسومين لا بد منهما للتفاوض مع الشركات العالمية. مشروعا المرسومين يحدد احدهما 10 بلوكات بحرية تعرض على الشركات المعنية في المنطقة الاقتصادية الخالصة، في حين يشكل الثاني، وهو الأهم، مسودة اتفاقيات الاستكشاف والانتاج المقترح ابرامها ( Exploration and Production Agreements - EPA).
ومن الطبيعي ان يستغرب كل منا هذه الفترة غير الطبيعبة التي استغرقتها، ودون نتييجة نهائية حتى الآن، مراجعة هذين النصيين من قبل مجلس الوزراء، خاصة وان المسألة لا تتعدى مبدئيا التدقيق في نصوص مراسيم «تطبيقية» غايتها توضيح بعض التفاصيل العملية لتطبيق قواعد واحكام قانونية سبق وناقشها ونشرها المجلس النيابي. والمفترض، في الحالات الطبيعية، الا يستغرق مثل هذا الإجراء اكثر من بضعة ايام او بضعة اسابيع.
هذا من حيث المبدأ وفي حالات طبيعية. اما واقع الحال في لبنان فالأمور مختلفة تماما إذ ان مراجعة مجلس الوزراء لنصوص مشاريع المراسيم التي رفعت اليه قد اصطدم بعدد غير منتظر من العقبات التي تفسر عدم القبول بها حتى الآن، على الرغم من كل الضغوط التي مورست عليه. ويمكن تصنيف هذه العقبات في شقين متكاملين من الموضوع يعود احدهما للفراغ القانوني الصارخ الذي يشكو منه التشريع البترولي اللبناني، في حين يغطي الشق الثاني، الناجم اصلا عن الاول، انحرافات أساسية كثيرة، مقارنة بما هو متعارف عليه ومعمول به في صناعة النفط العالمية.
من الغريب ان النص التشريعي الوحيد الخاص بأنشطة الاستكشاف والانتاج في لبنان هو «قانون الموارد البترولية في المياه البحرية» رقم 132/2010 الذي وضعه المجلس النيابي وتم نشره في الجريدة الرسمية في 2 ايلول 2010. الا ان المفاجئ في هذا القانون هو انه مقتضب للغاية إذ انه لا يتضمن، الى جانب بعض العموميات، أي رقم (بإستثناء ارقام الصفحات !) ، او أية نسبة مئوية او أية احكام عملية حول علاقات الدولة مع الشركات العاملة وحول شتى انواع حقوق وواجبات كل من الطرفين في مسائل جوهرية بأهمية دور ومسؤولية الدولة، ومدة الاتفاقيات المزمع عقدها، والشروط الضريبية، وآلية مراقبة أنشطة وحسابات الشركات العاملة، والشفافية الخ... هذه كلها امور اساسية لم يأت القانون حتى على مجرد ذكرها، واعتبرها بعض المسؤولين مجرد «تفاصيل» تعود صلاحية تحديدها لهيئة ادارة قطاع البترول التي أنشئت فيما بعد كقسم من وزارة المياه والطاقة، تعمل مباشرة بتوجيه وتحت وصاية الوزير. وهذا ما حصل بالفعل اذ ان هيئة البترول ما كادت تبصر النور في آذار 2012 حتى انهالت «تفاصيل» وتفسيرات القانون بشكل مراسيم تطبيقية تمتد على مئات الصفحات، مقابل 27 صفحة لا غير لقانون بترولي خجول وأبكم. مراسيم وضع معظمها خارج لبنان باللغة الانكليزية قبل ارسالها الى بيروت لترجمتها للعربية والترويج لها. هذا على الرغم من ان الاتجاه العام في العالم، ومنذ عقود طويلة، يسير بعكس ذلك، اي نحو سن قوانين بترولية فيها أكثر ما يمكن من التفاصيل، بغية تأمين الشفافية وتجنب التأويلات التي تفتح الطريق للرشى والفساد.
هذا ما يفسر ان موضوع إقرار مشروع مرسوم مسودة اتفاقيات الاستكشاف والانتاج من قبل مجلس الوزراء لم يكن بطبيعته موضوع تأكد من مطابقة مختلف بنوده لأحكام قانون بترولي معين، نظرا لانه لا وجود أصلا لمعظم هذه الأحكام ان لم نقل كلها، في القانون 132/2010. هذا الفراغ القانوني يعني بتعبير آخر ان المطلوب من مجلس الوزراء كان ولا يزال الموافقة على نص يطال صميم التشريع البترولي، تولى صياغته بعض مستشاري هيئة البترول مجهولي الهوية، دون ان يكون للسلطة التشريعية أي دور او حتى أي علم بذلك.
هذا مع انه يوجد في لبنان، كما في غيره، شتى انواع القوانين التي تضع الضوابط لتفاصيل مختلف اوجه الحياة اليومية، كجمع النفايات او التدخين في الاماكن العامة، او صيد الطيور والاسماك... ومن المدهش انه لم يصدر حتى اليوم أي تفسير لعدم وجود قانون يحدد قواعد وضوابط «صيد» أهم ثروة وطنية موعودة من شأنها ان تقلب رأسا على عقب كل معطيات وتوجهات الاقتصاد اللبناني!
وما يزيد الأمر سوءا ان مشروع المرسوم المشار اليه قد تجاهل كليا بعض المبادئ الجوهرية التي تبناها، على علاته، القانون البترولي، وفي طليعتها نظام الاستثمار المعروف عالميا بنظام «تقاسم الانتاج»، واستعاض عنه بما سماه نظام «تقاسم الأرباح» الذي لا وجود له في اي بلد آخر والذي يؤدي عمليا للعودة الى كل مساوئ نظام الامتيازات القديمة، وفي مقدمتها إقصاء الدولة عن مواقع المسؤولية والمشاركة الفعلية في الأنشطة البترولية، فضلا عن تجريدها من حق الملكية على كل ما يتم اكتشافه من بترول وغاز لمصلحة الشركات العاملة. وهذا ما تنص عليه صراحة المادة 5 بالتأكيد على انه «ليس للدولة نسبة مشاركة في دورة التراخيص الاولى». وهكذا قرر بعض موظفي الدولة، وفي ثماني كلمات لا غير، طرد الدولة من كل مراكز المسؤولية في صناعة البترول والغاز، ولم يتركوا لها، وفق المادة 16 من مشروع المرسوم نفسه، سوى حق طلب تعيين «مراقب» في لجنة ادارة الشركات الأجنبية العاملة!
تصحيح جزئي لبعض الانحرافات
علاوة على الفراغ القانوني المشار اليه وإشكالياته، فوجئت اللجنة الوزارية المكلفة بدراسة الملف بالتباين الشاسع بين عدد كبير من مواد أساسية في مسودة اتفاقيات الاستكشاف والانتاج، من جهة، والأصول المتعارف عليها في الاتفاقيات المطبقة في مختلف البلدان المنتجة، من جهة ثانية. هذا التباين كان في صلب الاعتراضات والملاحظات التي أبدتها اللجنة الوزارية المختصة والتي طال النقاش حولها نحو اربع سنوات مع هيئة البترول. وكانت المحصلة، قبل انتقال السلطة الى حكومة الرئيس سعد الحريري، قبول الهيئة بادخال بعض التعديلات على النص الأصلي لمشروع المرسوم، خاصة البنود المتعلقة باعتماد آلية «المزايدة» (Bidding) في تحديد بعض شروط الاتفاقيات المقترحة مع الشركات. ففي حين ان اللجوء الى المزايدة يقتصر عادة على حالات نادرة أهمها تحديد النفقات والجدول الزمني لبرنامج العمل الذي تلتزم به الشركة المعنية، نجد ان مشروع المرسوم يعتمد اسلوب المزايدة كقاعدة في امور اخرى بالغة الحساسية من حيث تامين الشفافية وتحصين المصلحة الوطنبة.
ومن اللافت للانتباه ان هيىئة البترول قد قبلت في النهاية، حسب بعض اعضاء اللجنة الوزارية، بتحسين جزئي لهذا الوضع، خاصة المادة 24 التي كانت تنص على ان حصة الدولة من «بترول الربح» تحدد كليا عن طريق المزايدة، وانطلاقا مما تقترحه الشركات المعنية (!!!). قبل ان تعدل هذه المادة ااتي اصبحت تنص على ان الحد الادنى لحصة الدولة يجب الا يقل عن 30% قابلة للزيادة عن طريق المزايدة (مقابل حد ادنى يتراوح بين 50 و 60% في العالم) . كذلك الامر بالنسبة لسقف استرداد النفقات الرأسمالية (Capex) الذي كان متروكا بالكامل للمزايدة في المادة 23 من المسودة الاولى لمشروع المرسوم، قبل ان يعدل ويحدد بسقف (Cost Stop) لا يزيد على 65% (مقابل نسبة لا تتجاوز بشكل عام 50% في البلدان الاخرى).
بهذا المعنى، يمكن القول ان التحسينات الجزئية التي طرأت على مشروع المرسوم كانت أقرب الى «الترقيع» منها الى أي شيئ آخر. خاصة وانه اذا اخذنا هذه التحسينات بالاعتبار، واضفنا اليها الشروط المالية الاخرى: إتاوة 4% بالنسبة للغاز تحتسب من النفقات، وضريبة 15% على الارباح، وغياب كامل لكل انواع العلاوات ( Bonus)، لوجدنا في المحصلة ان حصة الدولة من الارباح تبلغ حوالي 46%، مفابل معدلات تتراوح بين 60% في بعض الدول المنتجة و90% في النروج. هذا يعني ان ما يمكن ان يتأمله لبنان من دخل، نتيجة للشروط المالية المقترحة، سيكون بحدود ما لا يقل عن 14 نقطة مئوية دون الحد الادنى في العالم في الظروف الراهنة، وان الفرق بين حصة لبنان المرتقبة من الارباح، من جهة، ومتوسط حصة البلدان الاخرى، يترجم عمليا بخسارة المليارات من الدولارات، وفقا بالطبع لمستويات الاسعار والانتاج والارباح الخ... لا بل ان حصة 46% من الارباح التي يمكن ان يتأملها لبنان تبقى، والى حد بعبد، دون ما كانت تحصل عليه البلدان المنتجة ايام نظام الامتيازات القديمة في القرن الماضي، والذي كان يتكون من إتاوة 12,5% من قيمة الانتاج، تحتسب ككلفة، وضريبة 50% على الارباح. هذا مع الاشارة الى ان الكلام عن ارباح او خسائر شركات عالمية يصبح نظريا عندما تحرم الدولة من المشاركة الفعلية في الأنشطة البترولية وتشل قدرتها على مراقبة حسابات الشركات العاملة.
تضاف الى ذلك كله الانحرافات الاخرى التي اصبحت معروفة، من نوع التأهيل الرسمي لشركات وهمية للحصول على عقود استكشاف وانتاج، وانعدام المساءلة والمحاسبة، وانعدام الشفافية التي يكرسه « الالتزام بالسرية» الذي تنص عليه صراحة المادة 35 من مسودة الاتفاقيات، والممانعة في انشاء شركة نفط وطنية، الخ...
ولعل أفضل تشخيص لهذا الوضع الشاذ هو ما قاله مؤخرا النائب محمد قباني، رئيس لجنة الاشغال في مجلس النواب، عندما أكد بالحرف الواحد: «ان أسوأ ما في مسيرة النفط والغاز الحالية هو الغموض الذي يحيط بالمعلومات ومحاولة حصرها في اطار من السرية، حتى على المجلس النيابي. وهو امر معيب يجب ان نخجل منه وننقلب عليه». قبل ان يضيف :»لن نقبل باستمرار هذا الغموض وهذه السرية المريبة...، اننا وحتى الآن لم نحصل على معلومات حول المرسومين الموجودين لدى مجلس الوزراء. وهذا امر مستغرب ومرفوض من مجلس النواب، وهو سلطة الرقابة العليا في البلاد».
وان كان من المشجع ان يأتي مشروع القانون الجديد حول «دعم الشفافية في قطاع البترول» كخطوة اولى ايجابية لا بد منها في هذا الاتجاه، فالواقع والأهم هو الحاجة الماسة لسن قانون بترولي عصري وكامل، يملأ الفراغ القائم ويعيد للمجلس النيابي صلاحياته التشريعية، ويجنب لبنان «لعنة البترول» ومخاطر الانحرافات باهظة الثمن التي أمنت السرية تربة خصبة لها. ولا بد من ان يرافق ذلك حوار وطني علني وصريح، يوضح ويضمن حقوق اللبنانيين، وتشارك فيه وسائل الاعلام وشتى فئات المجتمع المدني.