«الحرب هي استمرار للعمل الديبلوماسي باستخدام وسائل أخرى»
(كارل فون كلاوزفيت)
هي الديبلوماسية التي يمكن أن تتحقق من خلالها الانتصارات الكبرى، لأنها شبكة العمل السياسي الذي يشكل ضغطاً مرافقاً للمعارك في الميدان. الحرب لا يمكن أن تنفصل عن السياسة فكلتاهما متممة للأخرى. لا تنجح الديبلوماسية عادةً دون الانجاز الميداني الذي يعطي المفاوض القدرة على إدارة عملياته التفاوضية، كما أنها لا تأخذ الشروط كاملةً في خضم المعركة أو بعد انتهائها إلا بالديبلوماسية الناجحة، التي تُحصّل الحقوق والتعويضات بعد أي حرب تخوضها الدولة.
في هذا المضمار، حقق لبنان بديبلوماسيته النشطة التي يعمل بها في أروقة الأمم المتحدة منذ عام 2006، إنجازا على العدوّ الإسرائيلي، من خلال إلزام الجمعية العامة لـ «إسرائيل» بالتعويض على لبنان نتيجة التلوث الذي أحدثته بالبيئة اللبنانية خلال حرب تموز 2006 والمعروف بـ «البقعة النفطية على الشواطئ اللبنانية». حيث أعلن وزير البيئة طارق الخطيب اليوم «أن الجمعية العامة للأمم المتحدة تبنت في اجتماعها المنعقد في 21 كانون الأول 2016، القرار الحادي عشر حول «البقعة النفطية على الشواطئ اللبنانية» التي تسبب بها العدوان «الاسرائيلي» على خزانات الوقود في معمل الكهرباء في الجية، والذي ألزم «إسرائيل» بدفع تعويض عن قيمة الاضرار التي تكبدها لبنان انطلاقاً من مبدأ مسؤولية الدول عن الأعمال غير المشروعة التي ترتكبها، وتبلغ قيمة التعويض 856,4 مليون دولار».
لقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 2006 حتى الآن 11 قرارا أدانت من خلالهم «إسرائيل» بعد الشكوى التي قدمها وزير البيئة اللبناني يعقوب الصراف في أيلول 2006 حول التسرب النفطي الذي تسبب به القصف الاسرائيلي، وذلك بموجب المادة الثامنة من قانون المحكمة الجنائية الدولية، التي تقول إن «هجوما متعمدا يحصل من جهة معينة مع اليقين أن هذا الهجوم سيؤدي إلى أضرار كبيرة على المدى الطويل تلحق بالبيئة الطبيعية، يمكن أن يشكل جريمة حرب». وطلبت الأمم المتحدة بشكل متكرر من الكيان الاسرائيلي التعويض عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالشواطئ اللبنانية، ولكن دون جدوى.
واستمرت المفاعيل الإجرامية للعدوان الصهيوني على لبنان في تموز 2006، إلى سنوات لاحقة، فقد أدى هذا العدوان إلى كارثة بيئية على طول الشاطئ اللبناني ناجمة عن قصف منشآت الكهرباء وخزانات الوقود، ومنها مولّد الجيّة الحراري الذي يعدّ من أكبر مولدات الكهرباء في لبنان، والذي أدى الى تسرب أكثر من 30 ألف طن من الفيول في البحر، انعكست سلباً على مياه البحر والثروة السمكية. كما انسحبت تداعيات هذا التلوث إلى الجانب الصحي الذي يعتبر الأكثر خطورة، فقد ظهرت حالات كثيرة من الأمراض الجلدية المزمنة والأمراض السرطانية لدى المواطنين.
الاتفاقيات الدولية تحظر استهداف البيئة
لكن للأسف مع كل ذلك لم تكن هناك مطالبات جدّية من قبل المجتمع الدولي لإلزام الكيان الاسرائيلي بعدم تعريض البيئة اللبنانية للخطر ودفع التعويضات. فـ «إسرائيل» لم تلتزم بأي اتفاقيات دولية في حربها على لبنان، بل كانت تقصف عشوائياً وتريد تدمير لبنان بشتى الوسائل، مع أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الصادرة عام 1982 أفردت الجزء الثاني عشر بكامله (الموادّ 192 إلى 237) لمـــعالجة التلوث البيئي، لكنّ كيان العدوّ تقصـّد إلحاق الضرر بالبيــئة اللبنانية.
وقد ألقت المادة 194 من الاتفاقية على عاتق الدول الأطراف التزاماً أو واجباً باحترام البيئة البحرية وعدم المساس بها باعتبار البحار والمحيطات مصدراً أساسياً للملاحة الدولية وللتنمية الاقتصادية بما تحويها من ثروات وموارد هائلة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن «اسرائيل» لم تلتزم بالاتفاقيات التي تمنع التلوث البيئي للبحار ومنها الاتفاقية الدولية لمنع تلوث البحار بالنفط، الموقعة في لندن عام 1954، والاتفاقية الدولية الخاصة بالمسؤولية المدنية للأضرار الناجمة عن تلوث البحار بالنفط والموقعة في بروكسل عام 1969، والاتفاقية الدولية لعام 1972 والخاصة بمنع تلوث البحر من جراء رمي المخلفات والموادّ الأخرى واتفاقية حماية البحر الأبيض المتوسط الموقعة في برشلونة عام 1977.
هذا فضلاً عن أن المـادة 23 من اتفاقية جنيف الثانية لتحسين حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة تقول إنه «لا يجوز الهجوم أو إلقاء القنابل من البحر على المنشآت الواقعة على الساحل التي تكفل حمايتها بمقتضى اتفاقية جـنيف لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان، المؤرخة في 12 آب 1949».
القرار الجديد انتصار لديبلوماسية لبنان
لذلك يعتبر القرار الجديد الصادر عن الجمعية العامة انتصاراً للبنان لمجرد الزام «اسرائيل» بهذه التعويضات، وذلك لأن هذا القرار أصبح ملزماً لـ «إسرائيل» لأنه قرار صادر وفق الفصل السادس، مكرر من الجمعية العامة وذلك ما يكسبه صفة الإلزامية. فبرغم أن قرارات الجمعية العامة ليست ملزمة وهي تكتفي بإصدار التوصيات، تأخذ هذه القرارات الصفة الالزامية في حالات عديدة منها: إذا كلف مجلس الأمن الجمعية العامّة بمناقشة قرار يكون له تأثير على حفظ السلم والأمن الدولي أو أي عمل عدواني إذا لم يستطع المجلس أخذ القرار به، أو في حال أصدرت قراراً مكرراً، أو في حال تبني اجتهاد صادر عن محكمة العدل الدولية وكذلك في حالة اتخاذ قرار بالاستناد الى قرار الاتحاد من أجل السلام الصادر عام 1950.
هذا يعني أنه لا يمكن للكيان الاسرائيلي عدم الالتزام بهذا القرار ودفع التعويضات للبنان، وبالتالي فإن القرار يعتبر انتصاراً للبيئة وللقانون الدولي وللديبلوماسية اللبنانية. لكن الأهم من ذلك ليس فقط الحديث عنه، بل يجب الضغط من أجل تطبيقه، ومتابعته حتى إلزام «اسرائيل» بالتعويض، وعدم السماح لها ولمن يدعمها بضرب القانون الدولي عرض الحائط ككل مرة تتعامل فيها بغطرسة وعنجهية مع القرارات والمواثيق الدولية.
وتبقى مسؤولية متابعة القرار تقع على عاتق الأمم المتحدة، حيث عليها تسلّم الاموال من العدوّ الإسرائيلي وتسليمها إلى لبنان، لكون «اسرائيل» تعتبر عدوّة بالنسبة للبنان. وبالتالي لا يمكن للحكومة اللبنانية تسلّم هذه الاموال مباشرة من «اسرائيل»، لكن ذلك لا يعني أن لا تستكمل الاجراءات اللبنانية للحصول على تعويضاتها من الأمم المتحدة، ويجب الحفاظ على هذا الانتصار لديبلوماسيتنا بعدما حققت المقاومة انتصارها على العدوّ الاسرئيلي في حرب تموز 2006 وأعطت لبنان دفعاً قوياً للمطالبة بحقوقه دولياً.