في كل مرة كنا نشعر، إخواني وأنا، بالحصار يشتد علينا، كأفكار ومبادرات ومواقف، كانت «السفير» الحضن الدافئ الذي نلجأ إليه، والحصن الحصين الذي نحتمي به في وجه اتهامات ظالمة، أو إشاعات حاسدة، لا تستهدفنا كأشخاص أو كمجموعة فحسب، بل تستهدف تيارا آمنّا به كما آمنت «السفير»، وناضلنا من أجله كما ناضل طلال سلمان، وهو تيار العروبة الجامعة لمكونات الوطن الكبير، واللبنانية العابرة لزنازين النعرات والإثارة الطائفية والمذهبية البغيضة، والمقاومة الأصيلة الرافضة لكل أشكال احتلال أو استجداء أو استسلام..
وإذا كنت أسعد بأني قد عرفت «السفير» منذ انطلاقتها قبل أربعة عقود ونيف، فإن سعادتي مضاعفة تكمن في أنني قد عرفت «منشئ» السفير طلال سلمان قبل خمسة عقود حين تدربت على يديه في مهنة البحث عن المتاعب حين كان مدير تحرير «الحوادث» وكنت ما زلت طالباً على مقاعد الدراسة الجامعية.
ومن الصعب أن تتحدث عن طلال سلمان دون الحديث عن «السفير»، والعكس صحيح، فقلما تشبه صحيفة صاحبها، كما تشبه «السفير» طلال سلمان، تشبهه في اقتحاماتها لأصعب الدروب، والتزامها المبدئي في أخطر الظروف، وقدرتها على السير بين النقاط الملتهبة من دون أن تحترق، وأن تمر بين المسالك الموحلة الواسعة من دون أن تتلوث، بل تحافظ على استقلاليتها الصارخة التي كانت تغضب هذا الفريق يوماً لتغضب الفريق الآخر في اليوم الثاني.
وفي كل مرة كنا في «دار الندوة» أو «المنتدى القومي العربي» أو في «الحملة الأهلية لنصرة فلسطين وقضايا الأمة» أو في «تجمع اللجان والروابط الشعبية» نفكر في مبادرة وطنية أو قومية، ثقافية أو مطلبية، تعاكس التيار السائد، كان يشجعنا دوماً وجود «السفير» تحتضن المبادرة وتطلقها على أوسع نطاق برغم كل ما كان يلاقيه هذا الاحتضان من ضغوط قاسية من «القريب» و «البعيد» معاً.
في الحصار الصهيوني للعاصمة، والقصف الجوي والبري والبحري لإحيائها، ولمعاقل الصمود فيها، و «السفير» في المقدمة، كنا نشعر بأن أحد أهم جنرالاتنا في تلك الحرب هو جريدة «السفير» حتى إذا ما احترقت العاصمة يوماً بقذائف العدوّ خرجت «السفير» في اليوم التالي باسمة لتقول: «بيروت تحترق ولا ترفع الأعلام البيضاء».
في الثمانينيات، حيث كان إرهاب الهيمنة الطائفية يسيطر على البلاد ويصل إلى حد محاولة اغتيال ناشر «السفير» لم تكن الجريدة مجرد منبر إعلامي جريء وقوي وصادق فحسب، بل كان مقرها المستهدف، غير مرة، ملتقى للوطنيين اللبنانيين والمناضلين الفلسطينيين والعرب يناقشون حال البلاد والأمة ليخرجوا من خلال افتتاحيات طلال سلمان ومانشيتات «السفير» فيحركوا الرأي العام كله. وكأنها حزب بكامله، أو جبهة أحزاب، وكأنها حركة مقاومة لوحدها أو جبهة حركات.
كانت «السفير» تجرؤ حيث لا يجرؤ الآخرون، تقاوم الأعداء بكل شراسة، وتنتقد الأصدقاء والحلفاء بكل جرأة، مدركة دوماً أن «حصان طروادة» المسمى بالمؤامرة المستمرة في بلادنا وأمتنا غالبا ما يتسلل من الثغرات الكامنة في بنانا وعلاقاتنا السياسية.
ولو أن المجال يتسع لأوردنا العديد من الشواهد على صحة ما نقول. وهي شواهد ليست محفورة في ذاكرتنا فحسب، بل محفورة في وجدان الوطن والأمة وفي ضميرهما معاً.
قبل 42 عاماً ونيف كنا ننتظر الصباح لنعرف ماذا تقول لنا «السفير» كل يوم. والآن مع بدء العام الجديد، ومع بدء عهد جديد، وحكومة جديدة، نقول كل صباح : «لو كانت «السفير» موجودة فماذا كانت لتقول..».
أما نحن، فلن نقول لـ «السفير» وداعاً، بل نقول لها «إلى اللقاء»، فمثل «السفير» لا تغيب أبداً، ومثل مؤسسها وأسرتها باقون في الوجدان أبداً.
لقد كانت «السفير» المتنفس لنا ولغيرنا. فهل نقبل الاختناق إذا غيّبوا عنا «السفير»...