شكل إعلان موسكو الثلاثي (روسيا ـ إيران ـ تركيا) منعطفا جديداً في السياسة الخارجية التركية، الساعية اليوم إلى تغيير موقعها من خصمٍ في الأزمة السورية إلى طرفٍ في حلها، آملة تحويل الخيبات المتتالية في التعاطي مع «ثورات الربيع العربي» إلى ربح في الشكل أولاً، قد يليه في المضمون مستقبلاً، مع انطلاق عمليات إعادة الاعمار.
اعتمدت الاستراتيجية التركية بدءا من اعام 2011 على تحالفاتها السابقة مع دول المنطقة والتحول تدريجياً من صديق لحكامها إلى وسيط بينها وبين شعوبها، وصولاً إلى العداء وإذكاء نار الصراع، تمهيداً لبلوغ الإسلام السياسي سدة الحكم.
نشوة الانتصار
بدت خطة «العدالة والتنمية» فعّالة في بدايتها مع تساقط رؤساء تونس وليبيا ومصر كأحجار الدومينو وصعود «الاخوان المسلمين»، ما أدى إلى انفصام تركي عن الواقع السياسي أوهم «سلطان» البلاد بقدرته على التحول إلى لاعب دولي يساوي كلاً من الولايات المتحدة وروسيا في القوة ويتجاوزهما في ردة الفعل.
دفعت نشوة الانتصار تلك أردوغان إلى طرح شعارات وتصريحات عالية السقف توحي بعودة الخلافة العثمانية، فبدت تركيا مع الشعارات تلك آمراً ناهياً في تونس ووصياً على طرابلس الغرب ومخططاً للقاهرة ومستقبلها بانتظار «أداء الصلاة في الجامع الأموي» في دمشق.
دخل «مشروع الخلافة» مرحلة التراجع قبل بلوغ فترته الذهبية، مع جريان الرياح بعكس الأشرعة التركية في تونس التي أزاحت صناديقها «الإخوان» عن سدّة الحكم وليبيا التي فقدت الاستقرار بعد القذافي ومصر التي استبدل جيشها الرئيس «الإخواني» بقائده. وتبقى المفاجأة الأكبر في سوريا التي ألحق ملفها ضربات عديدة بالديبلوماسية التركية، وهو ما انعكس على شكل أزمة أمنية واقتصادية في الداخل ومأزق سياسي في الخارج.
هكذا بدأت أحلام أردوغان لجهة تمدّد سلطنته من حدود بلاده إلى تونس بالانحسار، حتى بات هدف تركيا الاستراتيجي اليوم يقوم على منع إقامة «كوريدور» كردي بين عين العرب وعفرين على حدود سوريا الشمالية.
الإقرار التركي
نقضت تركيا بتوقيعها على البنود الثمانية للاتفاق الثلاثي جميع أطروحاتها السياسية الســـابقة في الملف السوري، إذ أدركت أن القشة الروســـية غدت الأمل الوحيد للخروج من المستــنقع السوري الذي دخلته يوما بشعارات توسيع فضاء السياسة التركية وتأمين العمق الاستراتيجي، وتصريحات من قبيل «نحن اليوم مخططون للعبة الدولية لا مشاركون فيها».
أقرت تركيا بشكل واضح بالسيادة السورية ووحدة أراضيها بعد أشهر من الحديث عن لوزان وموقع حلب في الميثاق الوطني التركي، وبعلمانية سوريا التي تعني ضمنياً الاعتراف بالحكومة السورية لكونها الضامن الوحيد لعلمانية البلاد، في مواجهة فصائل تجتمع معظم أطرافها الفاعلة على أيديولوجيتها الإسلامية وتختلف في درجة تطرفها فقط.
واعتبرت تركيا كلاً من «داعش» و «النصرة» منظمتين إرهابيتين بعد سنتين من تصريحات الرئيس السابق لحزب «العدالة والتنمية» ورئيس وزرائها المستقيل أحمد داوود اوغلو، التي اعتبر فيها «داعش» تعبيراً عن «غضب الشباب السني» في وجه التهميش الطائفي في العراق.
وبرغم التصريحات التركية المندّدة بدور «الميليشيات الإيرانية» في الأزمة السورية واعتبار «حزب الله» منظمة طائفية إرهابية، فقد خلا الاتفاق من أي إشارة للحزب، لتقتصر لائحة الإرهاب على «داعش» و «النصرة» فقط.
كما طوى الاتفاق حقبة من التصريحات النارية التي دأب السلطان التركي وأعوانه على إطلاقها من قبيل «وجوب إسقاط الأسد» و «أيام الأسد باتت معدودة»، واختفت معه المقالات المعارضة للأسد والحكومة السورية من الصحف التركية التي كانت يوماً تتصدر صفحاتها الأولى بعناوين استفزازية مرفقة بصور لـ «جرائم الأسد ضد شعبه».
تحت سقف موسكو
فشل استراتيجية أردوغان وخطط رفيق دربه «المُضحَّى به» لم يتبلور فقط في التراجع عن المواقف المشار إليها، وإن كان قد ظهر في الملف السوري بشكل أوضح. فالاعتذار من روسيا بعد منافسة قوية بين أركان الحكم حــول «من أعطى الأوامر بإسقاط طائرتها الحربية» وخسارة الليرة التركية نحـــو نصف قيمتها وتصاعد الصراع الدموي في الداخـــل، كل ذلك وضع تركيا مجبرة أمام خيار أداء الدور المكمل للنظرة الروسية، زاد من هشاشة موقفها جلوسها على المائدة الروسية كـدولة عجزت عن حماية حياة سفيرها.
تجلّت خسارة أردوغان الأكبر في «الربيع العربي»، الذي تأخر في مغادرة قطاره بعد صعوده له بتذكرة من حلفائه في «الناتو»، من خلال سقوط صورة الإسلام السياسي المعتدل والمُعوَّل عليه من قبل الغرب لقيادة المنطقة للحفاظ على مصالحه مستقبلاً، بتحوّله إلى حركة أيديولوجية متطرفة خطرة ترفض الاقتداء بالنموذج التركي، ما أفقد أنقرة المرجعية القيادية المأمولة.
ومع تصاعد الجفاء الأميركي والأوربي ـ حلفاء «العدو الكردي» ـ باشرت تركيا ببث رسائل تهدد بالاستقالة من دور رأس الحربة لـ «الناتو» في المنطقة والاستغناء عن عضوية الاتحاد الأوربي والتحول نحو أوراسيا و«منظمة شنغهاي»، ما أدى إلى مزيد من العزلة السياسية حاول أردوغان إخفاءها بزيارات لبعض دول الاتحاد السوفياتي السابق وبلدان افريقية.
تسعى تركيا اليوم إلى إقامة اتفاقات «أد هوك» مع دول المنطقة والقوى الإقليمية المؤثرة كمقدمة للانتقال من السياسات العاطفية إلى الدبلوماسية الواقعية المبنية على مبدأ الربح والخسارة، في انتظار ما ستؤول إليه الأمور مع وصول الرئيس الأميركي الأول من نوعه غير الراغب بمعاداة الروس.
أما داخلياً فالأولوية اليوم لإقرار النظام الرئاسي عبر استفتاء شعبي بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية المبكرة، وهو ما سيجبر أردوغان على الحفاظ على قاعدته الشعبية الإسلامية التي دعمها بنسبة لا بأس بها من القوميين الأتراك من خلال إنهاء عملية السلام مع الكرد وإعلان الحرب على حركة غولن وإحياء النزعة الطورانية عبر الانحياز للدول ذات الأصول التركية في القوقاز. ما يعني استبعاد تبنيه مواقف تعارض المزاج الإسلامي واليمين القومي في البلاد وأولها القبول بشرعية الأسد علناً، إضافة لاحتمال الاستمرار في اتهام إيران والحديث عن مظلومية «السنة» في العراق وغيرها من التصريحات القديمة الجديدة، لكن مع مراعاة عدم تخطي الخطوط الحمراء التي رسمها الجانب الروسي.