خلال لقاء ضمّ الكوادر المنتخبة لحزب «التجمّع الوطني الديموقراطي» الجزائري، في بوريا، في 25 كانون الثاني الحالي، شنّ الأمين العام للحزب ورئيس الوزراء السابق أحمد أويحي هجوماً عنيفاً على الحركة من أجل استقلال منطقة القبائل (ماك)، موجّهاً إليها الاتهامات بالعمل من أجل تقسيم الأمة الجزائرية.
في الحقيقة، ومنذ اندلاع تمرّد «الربيع الأسود» في نيسان 2001، تتغذّى حركة «ماك» على حركات الاحتجاج من أجل دفع مشروعها الاستقلالي إلى الأمام.
دخلت هذه الحركة، التي أنشئت في حزيران 2001، على يد الزعيم السابق لـ «التجمّع من أجل الثقافة والديموقراطية» فرحات مهني (الذي يعيش في المنفى في الوقت الحالي)، في انشقاق علني مع الدولة الجزائرية، إذ ظلّ مشروعها السياسي الذي رفعته حتى تموز 2016، قائماً على «تجسيد الحكم الذاتي الذي سيُضفي على المنطقة سمات الدولة»، من أجل أن يُصبح لها «حكومة وبرلمان خاص من أجل إدارة أساسيات الحياة اليومية في حدود أراضيها».
مع نشأة حركة «ماك»، أخذ النشاط البربري خطوة إلى الأمام نحو موقف أكثر تطرّفاً، هذا النشاط الذي ظلّ حتى ربيع القبائل في نيسان 1980، حبيس الأوساط الجامعية وكان يتمّ التعبير عنه بشكل عرضي. غير أن هذا التمرّد، الذي يتمحور في منطقة القبائل من دون الانتشار في المناطق الأخرى المتحدّثة باللغة البربرية، بات يُشعل مطامع منطقة القبائل خاصة في أوساط النخبة ذات الميول الغربية. فعلى الرغم من الانفتاح المتزايد للدولة مع المطالب التي تحمل طابع الهوية للقبائل، والسياسات المتبناة منذ تسعينيات القرن الماضي، التي وصلت ذروتها في نيسان 2016 إلى تبنّي البرلمان مراجعة للدستور من أجل الاعتراف بالأمازيغية كـ «لغة رسمية»، لم تدر بتأثيراتها المطلوبة، بل على العكس تحوّلت الثقافة البربرية التي نبعت من حركة «ماك» والمدفوعة من تمرّدات 2001، إلى ثقافة «إثنية ـ قومية» للقبائل، والتي مثّلت قطيعة مع إرث حرب «التحرير الوطني». لكن، بعد أعوام طويلة من استخدام مسألة الثقافة واللغة كأداة لنشاطها، هجرت حركة «ماك» هذه المطالب منذ عامين، من أجل الاستفادة من الواقع الجديد.
ميول البربريين للصهيونية
عقب مؤتمرها الثالث، قدّمت الحركة من أجل تقرير مصير القبائل، مشروعها من أجل دولة لمنطقة القبائل، هذا المشروع الذي تبنّته في 26 نيسان 2016، ينصّ على «كشعب وكأمة، فإن القبائل سوف يكون لديها دولتها الخاصة التي تتمتّع بسيادتها. القبائل سوف تُعرف بحرية وبسيادية، شكل هذه الدولة عن طريق الاستفتاء».
تعكس هذه الخطوة أن المشروع السياسي للحركة أخذ منحى متطوراً، من خيار الحكم الذاتي الذي كان يحمل بين طياته افتراض اعتراف رسمي من الدولة الجزائرية وجزائرية القبائل داخل الدولة على أساس الحكم الذاتي، إلى خيار الاستقلال، مع نبرة من حركة «ماك» تستنكر فيه الدولة الجزائرية وشعبها وتصفهما ككيانات مستعمرة.
تُفسّر هذه المرحلة الجديدة من التطرّف بعدم قدرة البربريين على تحدي الدينامية القومية العربية الإسلامية المتجذرة بقوة في الدولة الجزائرية، وتحويلها إلى دولة موالية لفرنسا وموالية للإمبريالية، من جهة، وعجزهم عن نزع العربية عن مجتمع تحت منظور «جزائر جزائرية» كوزموبوليتانية وموالية للغرب، من جهة أخرى.
يعتمد الخطاب القبائلي الذي تتبنّاه حركة «ماك» على تحريف تاريخي قوي يُوصّف «العربية» بالاستعمارية، كما تنشر تمثيلاً زائفاً للقيم القبائلية التي تُحاول طرحها بأنها ثوابت تاريخية. في الواقع، يُنوّه مشروع الدولة القبلية الذي قدّمته حركة «ماك» إلى: «ثقافة وحضارة نابعة من الأسرة الأمازيغية الكبرى، وإدراك جماعي، وتاريخ مشترك وتنظيم سياسي اجتماعي وارتباط علماني وعميق بقيم الديموقراطية والحرية والعلمانية والتضامن واحترام الآخر». وبالتالي، فإن المشروع يُقدّم القبائل على أنهم جماعة إثنية متجانسة في كفاح دائم مع السلطة المركزية، فيما أنه، تاريخياً، ليس لديهم على أرض الواقع وجود خاص كجماعات سياسية مميزة، ولم يدعوا مسبقاً للسيادة، فهويتهم السياسية كقبائل ليست سوى صناعة للاستعمارية الفرنسية.
وبتوصيفه للقبائل كاليهود في إسرائيل، فإن فرحات مهني يجعل من الصهيونية نموذجاً سياسياً ينبغي اتباعه من أجل تجسيد التطلّعات «القومية» للقبائل، على حد تعبيره. ففي مقال تحت عنوان «لقاء مع فرحات مهني، رئيس القبائل في القدس»، يتناول الإسرائيلي بيير اسحاق لورسا، الزيارة الرسمية لإسرائيل لرئيس ما يُسمى «الحكومة المؤقتة للقبائل» وليزيد عبيد، نائب رئيس هذه الحكومة، في الفترة بين 20 إلى 24 ايار 2012، الذين تمّ استقبالهما بواسطة نائب رئيس الكنيست حينها وعضو الليكود داني دانون. وخلال التقرير، يتناول لورسا خطاب قائد حركة «ماك» الذي يشرح «كيف شاركت منطقة القبائل في الكفاح من أجل استقلال الجزائر، وكيف أن ثلاثة أرباع الضحايا خلال هذا الكفاح كانوا قبائليين، لكن مع قدوم السلطة الجديدة بعد 1962، كانوا هم أول الضحايا، أو كما يقول مهني اليهود الجدد للجزائر... الأكثر دهشة هو الإعجاب الذي يكنّه العديد من القبائليين لدولة إسرائيل، التي تُجسَّد في أعينهم كنموذج وأخ، لقد فهمت السلطات الإسرائيلية سريعاً أهمية دعم التطلّعات البربرية، وصلت حتى إلى تسمية شوارع وطرقات بأسماء أمازيغية بربرية».
في 20 كانون الأول 2015، تداولت مواقع إخبارية إسرائيلية عديدة، لا سيما موقع «أوروبا ـ إسرائيل»، تقريراً تحت عنوان «الشوارع المسماة بالأمازيغية في إسرائيل»، الذي يسير في هذا الطريق، حيث جاء فيه: «إشارة احترام وتسامح حيال الشعب الأمازيغي المقموع والمهمّش في أرضه بشمال أفريقيا... شعوب أفريقيا الشمالية وثقافتها تعتبرهم دائماً تهديداً للغة العربية وحتى للدين الإسلامي».
على الرغم من أن حركة «ماك» لا تُمثّل فعلياً كل القبائل، إضافة إلى وجود مقاومات داخلية لمشروع سيادي على منطقة القبائل، إلا أن الميل المسيطر عليها يحمل خطاباً راديكالياً، كما أن تفضيلها للصهيونية يتماشى مع مواقف أحزاب أخرى، فهناك تشكيلات بربرية مثل التجمّع من أجل الثقافة والديموقراطية، وجبهة القوى الاشتراكية (المُتوافقة حيال المواقف الدولية الاشتراكية، والمعترفة بإسرائيل منذ بدايات ثمانينيات القرن الماضي)، التي تتقاسم بشكل مشترك رفض العروبة والفكرة العربية. كما أن تطبيعهم في الحياة السياسية يكشف على السواء، ضعف الدولة الجزائرية والتشقّقات التي تعتريها. وإذا لم يتمّ احتواء هذه القبلية النشطة، فإن هناك مخاطر في نهاية المطاف تُهدّد الوحدة الوطنية وكليّة الأراضي الجزائرية.