باكرا انخرط اللبنانيون المهاجرون الى استراليا في السياسة. اكتسبوا مفاهيم تلك البلاد في ممارسة الشأن العام كعمل نبيل وخدمة لصالح المجموعة.
كان أنطوني ألكسندر علم أوّل نائب من أصل لبناني يصل إلى البرلمان الأسترالي في العام 1925. أما أوّل وزير أسترالي من أصل لبناني فكان جون فرنسيس جحا من بلدة «بشمزّين» في الكورة. وفي سجل صفحات الجالية اللبنانية اسماء علم لسياسيين استراليين من جذور لبنانية، شغلوا مناصب متعددة منها حكاّم ولاية او وزراء او رئيس برلمان او نواب او سيناتور. من ابرزهم حاكمة «نيو ساوث ويلز» ماري بشير وكثر لا مجال لتعدادهم.
على امتداد سنوات كانت غالبية الناشطين في الحقل العام الاسترالي من اصول لبنانية هم من المسيحيين. لذلك اعتبارات كثيرة ابرزها الهجرة المبكرة لهؤلاء الى تلك البلاد، وسرعة اندماجهم في مجتمعاتها.
اليوم يُسجل دخول أول نائب مسلم من اصول لبنانية الى البرلمان هو جهاد ديب. يعرف ديب العبء الملقى عليه في أن «نعكس صورة الاكثرية اللبنانية، لاسيما المسلمة، وسط المخاوف المتزايدة من سلوكيات خاطئة لبعض الافراد والمجموعات». يقول «انا أول شخص يدخل البرلمان من سنة 1880 ويحلف على القرآن. وقد تمسكت باسمي جهاد متمنيا أن يأتي من يقول اعرف شخصا اسمه جهاد وهو مسلم لكنه ليس متطرفا». يشرح قصة نجاحه ووصوله باقتضاب. بدأ استاذا قبل أن يتم تسليمه مدرسة على وشك الاقفال فنجّحها ونجّح تلاميذها. اختاره حزب العمال الاسترالي الذي ينتمي اليه مرشحا له عن «لاكمبا» التي تضم نحو 55 الف ناخب من اكثر من مئة بلد، نسبة اللبنانيين بينهم لا تتجاوز الـ25 الى الثلاثين في المئة.
نال ديب ثاني اعلى نسبة في البرلمان الذي دخله حاملا افكارا كثيرة. يقول «انا مئة في المئة لبناني، ومئة في المئة استرالي. لا اجد صراعا او تباينا في ذلك. على العكس اعتبر نفسي محظوظا لانه اتيح لي أن اجمع بين هاتين الثقافتين والحضارتين. اريد أن اشرّع الابواب المغلقة. وان اوطد الجسور بين استراليا ولبنان. انا حامل الهويات المختلفة في بلد الهويات المتعددة والمتداخلة اتمنى ان ارفع صوت كل الناس، وخصوصا صوت المسلمين الذين يرفضون ان يشوّه المتطرفون صورتهم. اقول اننا نحن المتسامحون والمنفتحون والقابلون للاختلاف والتنوع، نحن الاكثرية المسلمة العادية. اما المتطرفون فهم الاختلاف والشواذ».
يأتي شوكت مسلماني من تجربة مشابهة نسبيا. فعضو المجلس التشريعي الاسترالي وصل عام 1977 الى استراليا. وبسرعة وجد نفسه وسيطا بين الناس والدولة بفضل اكتسابه اللغة والقدرة على التواصل. يقول «حقوق الناس موجودة، عليهم فقط معرفتها واكتشاف سبل الوصول اليها. كنت في ذاك الجسر صغيرا واحاول ان اكونه اليوم من موقع آخر». انتخب اربع مرات نائبا لرئيس بلدية «روكديل» قبل ان ينتخب اربع مرات اخرى كرئيس لهذه البلدية.
دخل مسلماني الى حزب العمال الاسترالي وعمره لم يتجاوز الـ16 سنة. فالحزب برأيه «يحمل قضايا الجاليات الاتنية ويدافع خصوصا عن العمال وحقوقهم في الصحة والتعليم ومتابعة قضاياهم الحياتية وهو منفتح على موضوع الهجرة».
وكما ديب يتحسس مسلماني من موضوع التطرف «الذي ينعكس سلبا على صورة الجالية عموما. مع الاسف، تتسمم بعض الاجيال الشابة بالبيئة الطائفية. حتى بعض من ولدوا هنا تتسرب هذه المفاهيم الخاطئة الى عقولهم وممارساتهم». وقبل سؤاله عن السبب يبادر الى الاجابة «صدقا لا اعرف واتمنى ان افهم. ربما بعض انواع التربية. ربما الانغلاق وعدم الاندماج الكافي. لست ادري». يضيف «استراليا بلد الفرص لمن يريد ان يتعلم ويعمل ويكتسب خبرات وتجارب تغنيه على كل المستويات».
بالود والتقدير نفسه يتحدث خليل عيده، عضو المجلس التشريعي في ولاية فيكتوريا، عن استراليا. «لقد قدم لنا هذا البلد الكثير. ونحن لا نبخل عليه بشيء»، يقول ابن طرابلس التي ولد وعاش فيها بعد ان جاء اهله من سوريا. لم يكن عمره تجاوز الثمانية عشر عاما حين وصل الى استراليا. عمل في الكثير من المهن هو واشقاؤه. كان آخرها سائقا لشاحنة صغيرة، قبل أن يغامر ويشتري شركة نقل صغيرة صارت واحدة من كبرى الشركات في البلاد.
كان السياسيون الاستراليون يقصدونه بصفته ناشطا وسط الجالية، وهو أحد مؤسسي «الجمعية العلوية الاسلامية». كان يطلب من اللبنانيين الانخراط في الاحزاب الاسترالية قائلا «اكتفوا بحب لبنان ولا تدخلوا في انقسامات احزابه. انخرطوا في الاحزاب الاسترالية لتحسين حياتكم وتحقيق احلامكم». وبعد أن كان احد الناشطين في مجال «اللوبي» للسياسيين في حزب العمال الذي ينتمي اليه، دق الحزب بابه ليرشحه.

للحصول على نسخة من الملحق بصيغة PDF اضغط هنا