تعود هجرة اللبنانيين الى غانا الى العام 1884، وأول مهاجر هو ملحم شبيب من «ديك المحدي» في المتن، وهو غادر لبنان متوجها الى أميركا اللاتينية، إلا ان الباخرة التي حملته أنزلته في غانا التي كانت تعرف بـ«ساحل الذهب»، معتقدا انه وصل الى أميركا. وهكذا عن طريق الخطأ وصل المهاجرون اللبنانيون الأوائل الى غرب أفريقيا وأخذ عددهم يزداد ابان فترة الاحتلالين الفرنسي والبريطاني.
وقد نجح اللبنانيون في كسب ثقة المجتمع المحلي وعملوا لاحقا كوسطاء بينه وبين المستعمر. ومنذ مطلع القرن الماضي تمكنوا من تأسيس مشاريع صناعية كبيرة، أحدها معمل الصابون عام 1901 والذي ما زال موجودا حتى الآن. وقبل عامين احتفل آل قلموني من طرابلس بمئوية مجموعتهم الصناعية التجارية، ومن جملة ما تضم وكالتي «نيسان» و«مارسيدس» للسيارات. وقد توسع نشاط اللبنانيين اليوم لدرجة باتوا يساهمون بما لا يقل عن 25 بالمائة من حجم الاقتصاد الغاني. فمن المصانع الكبرى التي تغطي منتجاتها أسواق أوروبا الغربية وبعض الوسطى، الى الوكالات التجارية العالمية كالسيارات، الى استيراد القسم الأكبر من احتياجات غانا من المواد الغذائية.
وتتمتع الجالية اللبنانية بسمعة طيبة في غانا وتقيم علاقات متوازنة مع الحزبين الرئيسيين، ويرأسها رجل الأعمال سعيد فخري. وأغلبية اللبنانيين في غانا من مدينة طرابلس والمتن والجنوب. ويلاحظ دخول عنصر الشباب على الهجرة الى غانا، إذ ان العديد من الكفاءات الشابة اللبنانية تقصد هذا البلد تأسيساً لعمل خاص أو للعمل في شركة ما. ومن أبرز العائلات اللبنانية في غانا: قلموني وعضيمات وعقاد وفتال وقبطان والولي من طرابلس، الاشقر وغانم وحتي وعازار من المتن، شدراوي من بشري، فخري من الزهراني، عيسى وجبيلي وبحسون وحلاوي من صور.
يتركز الوجود اللبناني في العاصمة «أكرا» ومدن مثل إيربوت، كانتوميت، سبينتكس، إسليفون، تيزانو، كوماسي (منطقة الأخشاب) وتاكورادي. يبلغ عددهم الرسمي زهاء 7 آلاف، لكن عددهم الحقيقي لا يزال موضع جدل، وقد يمتد الى 15 الفا بحسب بعض المصادر باعتبار ان الكثيرين ليسوا مسجلين في السفارة اللبنانية فيما نصف أبناء الجالية مجنسون. لديهم 3 مدارس: مدرسة مار شربل الدولية التي تديرها راهبات القديسة تيريزا، ومدرسة الريّان التابعة للجمعية الإسلامية، ومدرسة الـ«الآي سي أس».
استضافت غانا اللبنانيين وسهّلت حركة انتقالهم الفجائي من ساحل العاج الى أراضيها عبر التوغو. ففي الأزمة العاجية الأخيرة تحمّل هذا البلد الأفريقي الأخاذ بجمال طبيعته الاستوائية برحابة صدر طلبات لبنانية لا تحصى. فالسلطات المختصة لم تعرقل حركة النازحين بل سمحت للبعثة اللبنانية بالوجود على أرض المطار، وفتحت ممراً آمناً للآتين ومدّت لهم بساط السفر الى بيروت بابتسامة طيبة تميّز أهلها.
«اللبنانيون في أبيدجان لن ينسوا معاملة غانا واستقبالها لهم»، يقول المدير العام للمغتربين في الخارجية اللبنانية هيثم جمعة الذي ترأس خلية الطوارئ التي شكلتها وزارة الخارجية والمغتربين إبان الأزمة العاجية، والتي قصدت أكرا ولومي وأبيدجان لتنظيم عمليات نقل اللبنانيين النازحين، مضيفاً: «غانا كانت تمد يد العون الى لبنان دائماً في أيام الشدة، وهي موجودة في الجنوب منذ العام 1978 عبر قوات «اليونيفيل»، وها هي اليوم تقف الى جانبنا. ما ساعدنا أيضاً، التضامن الرائع بين أبناء الجالية هناك الذين نظموا أنفسهم عبر لجان الاستقبال والنقل الى الفنادق، وكان همهم الأوحد عودة اللبناني مكرماً مرفوع الرأس الى بلده».
لدى لبنانيي غانا حسّ انتماء قوي الى بلد الاغتراب، ربما لحال الاكتفاء التي يعيشونها، إذ انه من الطبيعي أن يكون في كل بيت سائق وطباخ وخدم، وهي امتيازات موجودة حتى لدى الطبقة الوسطى، وتعتبر من أمور الحياة الطبيعية وليست حكراً على الأثرياء، إلا أن الدولة اللبنانية مطالبة دوماً من قبل هؤلاء بالوقوف الى جانبهم.
ويقول المغترب اللبناني الحاج محمد عضيمات الذي يعيش في غانا منذ زمن طويل، وهو من طرابلس ولديه 14 شركة ومؤسسة تشغّل 1200 موظف وعامل: «تحتاج الجالية اللبنانية الى حماية الدولة، ويتطلع المغتربون الى نيل حق المشاركة في القرار السياسي اللبناني».
حال الجالية اللبنانية في عصر «العولمة» كحال كل المجتمعات. فالتنافس التجاري على أشدّه مع جاليات أخرى آسيوية وسواها. وقد بدأت الشركات الصينية تستثمر في قطاعات طالما كانت حكراً على اللبنانيين أبرزها: صناعة مواد التجميل، الاتصالات، تجارة السيارات، البلاستيك، والمعادن، والمواد الغذائية والصناعات الكيميائية.
المنافسة التي تقوى يوماً بعد يوم تدخل ضمن تنافس عالمي «ينبغي أن يدخل اللبناني حلبته ويتطلع الى الأمام ضمن قواعد اللعبة التجارية، وقد بدأ فعلاً بالتحوّل الى قطاعي الصناعة والتربية. واللبناني في غانا أو سواها يحتاج الى رؤية جديدة تختص بالاغتراب الأفريقي عموماً آخذة في الاعتبار الحقائق الموضوعية للتطورات العالمية على الساحة الأفريقية»، كما يقول هيثم جمعة.[Media:152712]
يساهم اللبنانيون بنواحٍ مهمة من الاقتصاد الغاني ويعتبرون جزءاً من نسيج المجتمع، وهم أدركوا عبر تاريخهم كيفية نسج علاقات جيدة مع الشعب الغاني ومع السلطات الممثلة لهم، خصوصاً الحزبين القويين: «أن دي سي» و«أم بي بي». وتتميز غانا بتداول السلطة، وهي من أوائل البلدان الأفريقية التي خطت خطوات كبرى نحو الديموقراطية، إذ تجري فيها انتخابات نيابية ورئاسية بهدوء، ما يؤثر إيجاباً على تقدم البلد وتطوره.
يتميز الغانيون بأنهم شعب مسالم. ولم تتعرض الجالية اللبنانية يوماً الى مضايقات إلا عابرة عند الانقلاب الذي حصل أواخر عام 1979 وتسلم الجيش الحكم على أثره، لكن العلاقة ما لبثت أن عادت الى طبيعتها. وعام 1981 صار الاقتصاد موجهاً ما شكل فرصة أمام اللبنانيين للتوجه الى القطاع الصناعي.
لغانا علاقات ديبلوماسية قديمة مع لبنان وأول قائد لليونيفيل عام 1978 هو الغاني إيمانويل أرسكين، وهي تشارك بعدد من الجنود في قوات الطوارئ يصل الى حدود الـ880 جندياً، وسقط لها شهداء بلغ عددهم 31 جندياً إبّان الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الجنوب. وقد أقامت الجالية نصباً تذكارياً لهم في أكرا عربون وفاء وتقدير لمساهمة غانا في «اليونيفيل» ورفع الستار عن هذا النصب في عيد الاستقلال الماضي.
الغانيون واللبنانيون بزيجات مختلطة، وثمة نماذج عدة ومنها مثلاً أن وزير الدفاع جوزف سميث تزوج من لبنانية من طرابلس من آل الحلاب.

«أكرا» لؤلؤة الغرب الأفريقي
أكرا هي عاصمة غانا، تعتبر أكبر مدنها ومركزها الإداري والاقتصادي والاتصالي، وتقع على الساحل الشمالي لخليج غينيا، ويمكن الوصول إليها من خلال سكة حديد ومطار دولي.
أسست أكرا في أواخر القرن السابع عشر بواسطة شعب الجا (Ga people). ويشتق اسم المدينة من كلمة نكران (Nkran) وتعني النمل، في إشارة إلى مستعمرات النمل الكثيرة الموجودة بالمناطق الريفية المحيطة بأكرا.
كانت المدينة قديما مركزا للتجارة مع البرتغاليين الذين بنوا حصونهم في المدينة ثم تبعهم السويديون والألمان والفرنسيون والبريطانيون، وتشمل صناعات المدينة إنتاج القرميد والطوب ومعالجة الماس والخشب.

[Media:199251]
وتحتضن المدينة العديد من المعالم المميزة مثل المتحف الوطني لغانا، وأكاديمية غانا للفنون والعلوم، ومبنى الأرشيف القومي، والمكتبة المركزية، وأيضا قلعة اوسو او كريستيان بورج، المقر الحكومي الذي قام الدنمركيون ببنائه في القرن السابع عشر، والمسرح القومي، مركز أكرا للثقافة الوطنية، والمنارة، استاد اوهيني دجان، ومركز أكرا الدولي للمؤتمرات، والنصب التذكاري لكوامي نكروما بوسط أكرا، وكذلك تتصل عالميا أكرا عن طريق مطار «كوتوكا» الدولي.

لمزيد من الاخبار الاغترابية في غانا
اضغط هنا