|
|
ناحية من أستديو الشباب في ديترويت («السفير»)
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
دينا جوني
على الطرف الجنوبي الشرقي من ولاية ميشيغن الأميركية، يحوم غيم أسود لا يفارق المنطقة. يبدو فرحاً وهو يمسك بخناقها منذ بدايات القرن الماضي، وهو الشاهد على بدء تصنيع سيارات «فورد» الأميركية من خلال معمل «روج» العتيق الذي كان يعدّ من أكبر معامل السيارات في العالم. هذه الصناعة التي اشتهرت بها ولاية ميشيغن استقطبت آلاف العمال من اميركا الجنوبية وأوروبا الشرقية والدول العربية، وجعلت من مدينتي ديربورن وديترويت المتجاورتين مرتعاً للعديد من الصناعات المتوسطة والخفيفة لسنين طويلة من القرن الماضي. تحولات عدة طرأت على المنطقة، فهجرت الكثير من الصناعات مراكزها وأبنيتها، وهبطت بدورها صناعة السيارات وتقلّص عدد معاملها، وهي لا تزال حتى اليوم تعاني من أزمة مالية حادة. أما العمال فقد أخلوا المكان لرائحة الصدأ تتغلغل في جزيئاته فأضحت من المكونات الطبيعية للمنطقة، حتى أصبحت تعرف في ما بعد بـ«الحزام الصدئ» أو «الزقاق السرطاني». خلف ضجيج معامل السيارات في ديترويت، تتفاعل حركة بشرية من نوع آخر، تغرّد خارج سرب الصناعة وصليلها. فبعدما أدرجت المنطقة في خانة «المهجورة»، هبطت أسعار الإيجار بشكل دراميّ، فزحفت خلايا شبابية على شكل مجموعات إلى جنوب مدينة ديترويت لتنفخ فيها الحياة مجدداً، فتراها تتواطأ مع رائحة الصدأ التي تلفّ المكان، لتحوّلها إلى أوكسيجين للفن والإبداع. ستة لبنانيين يشكلون إحدى المجموعات التي تشغل حيزاً من «سنتر راسل الصناعي»، الذي أعيد تقسيمه من الداخل بألواح خشبية لكي يتلاءم مع الطبيعة الاجتماعية والفنية للنزلاء الجدد. محمد بزي، جو نعمة، رولا الناشف، مايكل منصور، عماد حسن، وجاكلين سلوم. جمعوا أحلامهم وطموحاتهم داخل جدران الأستديو الخاص بهم، لقّحوها بأفكار واقتراحات متبادلة لتخرج على شكل مشاريع فنية واجتماعية تخطت أحياناً الحدود الأميركية ليصل بعضها إلى... الداخل الفلسطيني! وتشكّل الفنون على أنواعها السمة المشتركة بين أعضاء المجموعة الستة، من الرسم إلى الإخراج السينمائي والمونتاج والتأليف الموسيقي والتقنيات الإعلامية والكولاج. يشرح محمد بزي عن البدايات من خلال «Detroit Unleaded»، عنوان الفيلم القصير (20 د.) لرولا الناشف الذي شكّل المحرّك الأول لاجتماع الأصدقاء الستة تحت سقف واحد بهدف فني هو تنقيح السيناريو الخاص بالفيلم. تبدي رولا فرحة عامرة ليس فقط لكون فيلمها الأول قد شكّل النواة التي جمعت أصدقاءها، بل لأن عصارة هذا التعاون حمل فيلمها القصير إلى 10 مهرجانات دولية و4 مهرجانات عربية فحصد العديد من الجوائز. وهي تعمل حالياً على تحويل «Detroit Unleaded» إلى فيلم روائي طويل. لكن فكرة الحصول على أستديو خاص بالمجموعة لم تتبلور إلا بعدما طلب المتحف العربي الأميركي من جو نعمة وضع تصميم متكامل لإحدى غرف المتحف التي تحمل عنوان «Stereotypes»، فكانت الحاجة إلى مساحة تستوعب معدات المشروع وأحلام المشاريع المقبلة. يشبّه محمد بزي الأستديو بالمقهى الفني والثقافي الذي وطّد العلاقة بين أطراف المجموعة وكرّسها عائلة فنية بامتياز. فمن هذا الأستديو، انطلق محمد الذي درس الرسم ويعمل حالياً في مجال التصميم الفني في إحدى المدارس، إلى المشاركة في المعارض الفنية المختلفة. كما تمت دعوته برفقة المجموعة للمشاركة في المعرض الفني الأول «أسفار ومسافات» الذي نظمته بلدية ديربورن، لتتحقق بذلك أولى الطموحات عبر جدارية حملت عنوان المعرض نفسه. لكن هذه الخطوة النوعية حملت في طياتها خيبات متتالية. فعلى الرغم من أن المعرض قد نظّم في مدينة ديربورن، «عقر دار الجالية» حسبما يقول محمد، إلا أنه لم يلق تجاوباً من قبلهم، فاقتصر الحضور على بعض المهتمين. ويعزو محمد الأسباب إلى الخلفية الثقافية التي تفتقدها الجالية هنا، واقتصار مشاركاتها على المناسبات الاجتماعية والدينية.. والوطنية حين تدعو الحاجة. وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى فيلم «Detroit Unleaded»، إذ لم يتحمس أحد من وجهاء الجالية وميسوري الحال فيها للمشاركة في تمويل الفيلم، على الرغم من أنه يتناول محور ثقافة الجالية في ديربورن: محطات الوقود. ولا ينسى محمد أن يذكر تجربة المجموعة مع جاكلين سلوم، التي انضمت إليهم لاحقاً، على الرغم من أنها تعيش في مدينة بروكلين. وقد استعانت سلوم مؤخراً بجو نعمة لتصميم الملصق الأولي للفيلم الوثائقي الذي أوشكت على الانتهاء من تحضيره «Sling Shot Hip Hop»، والذي يتناول ظاهرة الـ«هيب هوب» المنتشرة بين الشباب الفلسطيني. ويشكّل الأستديو بالنسبة إلى مايكل منصور انتماء بحدّ ذاته، انتماء للمدينة ولحرية التعبير. فهو حين نقل معداته وآلاته الموسيقية منذ سنتين ونصف من مدينة لانسينغ عاصمة ميشيغن إلى الأستديو، كان قد قرر أن يكون جزءاً من مدينة ديترويت، محوّلاً تلك الزاوية التي تخصّه في الطابق الثاني من المبنى الصناعي المهجور إلى وسيلة لتطوير أساليب تعبيره كمؤلف موسيقي ومهندس للصوت. ويؤكد مايكل على الثقة المتبادلة فنياً بين أعضاء المجموعة، ما يجعل التعاون معهم ضمانة للعمل ومتعة بحدّ ذاتها. وهذا ما لمسه خلال عمله في فيلم «الناشف» إلى جانب جو نعمة الذي أنجز عملية المونتاج. من ناحيته، يضيء عماد حسن على مساهمة المجموعة في حرب تموز الأخيرة. فالمشاركة «الصماء» في التظاهرات لم تكن كافية للتنفيس عن الكبت والحزن والإحباط الذي ألمّ بالمجموعة. فكرّسوا الأستديو ساحة لورشات عمل متواصلة انتجت لوحات فنية ناطقة بلسان المجـــموعة ورافضة «لهمجية الحرب الإسرائيلية». ... ولجو نعمة حكاية أخرى أخرجته كمتطوع في «youth solidarity network» في مجال التصميم الفني والإنترنت، من الحدود الأميركية لتحطّ به في القدس ومن ثم بيت لحم. والهدف: «مقاربة المشكلات الإنسانية والتعليمية والنفسية بين الأولاد والمراهقين الاميركيين في ديترويت من ناحية والعرب الفلسطينيين من ناحية أخرى». وحاول نعمة من خلال عمله التطوعي هناك تحفيز مخيلة الأولاد الفلسطينيين التي جمّدها الاحتلال الاسرائيلي، والخروج بهم إلى عوالم أخرى افتراضية من خلال تعليمهم أسس التعبير الفني عبر الكومبيوتر والانترنت. لكن ما لم يتوقعه نعمة هو درجة الوعي السياسي الذي يتميز به الأولاد هناك وإلمامهم بشؤون بلادهم والدول العربية المحيطة بهم، بدرجة تفوقوا فيها على أمثالهم من اللبنانيين. أما المفاجأة الكبرى بحسب نعمة فقد تجسّدت في الأناقة المنفرة للمشهد الإسرائيلي الذي يظهر لمن يعبر جسر الملك حسين في الأردن باتجاه القدس المحتلة. أناقة يجري في بناها التحتية دم فلسطسني ساخن. 15 دقيقة أخرى تفصل بين القدس وبيت لحم. هناك تتقزم الإنسانية، فالصور التلفزيونية لا تنقل العجز المفرط ولا هول منظر الجدار الفاصل وبشاعته. في فلسطين، حكايات ومآس، عاد بها جو إلى داخل «الحزام الصدئ» ليعيد تشكيلها بألوان الحياة.
|