سنان أنطون
إقرأ للكاتب نفسه
رسالة وشهادة ومنام
2016-12-29 | سنان أنطون
رسالة إلى جدّي
أيّها السلف الصالح،
تحيّة طيبة وبعد،
لا أدري إن كانت هذه الرسالة ستجد طريقها إليك، فلا أدري أين استقرّت عظامك، هذا إن بقي منك شيء. لا بأس. أخاطبك في سرّي منذ سنين وأجادلك بلُغتي التي تختلف بالتأكيد عن اللغة التي كنتم تتفاهمون بها. لكنهم يقولون هذه الأيّام بضرورة أن نواجه أعداءنا وأحبابنا، على حد سواء، و أن نفضفض. أتفكّر في تبعات ما اقترفتَه وكيف تغيّر كلّ شيء بعدها. ولهذا قرّرت أن أخط هذه الرسالة إليك. أريد أن أخفّف من وزري. لدي الكثير من الأسئلة والاستفسارات، لكن لا بد أن أبدأ بالعتاب. والعتاب، عندنا، على قدر المحبّة.
بين حين وآخر ينشرون خبراً هنا وهناك عن اكتشاف جديد أو نظرية تفسّر القرار المصيري الذي اتّخذته أنت وبعض رفاقك ذات قرنٍ، فيلحّ عليّ السؤال: ما الذي دهاك يومَها ولماذا
عن تراث الحجر والبشر
2016-12-13 | سنان أنطون
في مناسبة اجتماعية قبل حوالي السنتين، سألني أحد الحضور، وكان أستاذاً جامعيّاً يدرّس العلوم السياسيّة في إحدى جامعات منطقة نيويورك: من أين أنت؟ أجبته «من العراق». فقال: «آه. ما يحدث هناك مؤسف فعلاً». (كانت «داعش» قد احتلّت الموصل وبدأت بتدمير الكثير من المعالم والأماكن الأثريّة فيها وفي نينوى). أضاف: «أتعرف؟ الخسارة ليست في البشر. فهناك الكثير منهم وهؤلاء يمكن تعويضهم. ما يحزنني هو الآثار النادرة التي لا يمكن تعويضها أبداً».
لعلّه أخفق في التعبير؟ أو أنها حالة شاذّة من انعدام الحساسيّة؟ كلا، ليست هذه حالة استثنائيّة أو معزولة، بل إنّ ما قاله تنويع على خطاب مترسّخ وسائد. يلحظ المرء منطق هذا الخطاب في الأسلوب الذي تُصاغ به التقارير والأخبار في وسائل الإعلام الغربيّة وكذلك معظم الردود على أفعال تدمير التراث الثقافي، خصوصاً في الفترة الأخيرة. فالشعور بفداحة الخسارة التي لا تعوّض، وبالحزن العميق، إزاء فقدان الأشياء وتضرّر الأماكن، التي تُعتبر جزءاً من تراث «عالميّ» و «مُشْتَرك»، لا يمتد دائماً، أو بالمقدار نفسه، ليشمل البشر الذين يعيشون (أو يموتون) بالقرب من تلك الأشياء والأماكن. ونحن نجد في الغالبية الساحقة من ردود الفعل (في شمال العالم) إزاء التدمير الذي يحلّ بالتراث في العراق وسوريا تنويعاً على مقولة الأستاذ الجامعي أعلاه. فيغيب البشر كليّاً، أو يصبحون تفصيلاً هامشيّاً عابراً، مقابل الأحجار والمباني التي اكتسبت قيمة حضاريّة وثقافيّة
عن حلب بلا أجنحة
2016-12-06 | سنان أنطون
في العام 1938 زار الشاعر الإنكليزي و. ه. أودن (1907-1973) متحف الفنون الجميلة في بروكسل واطّلع على عدد من لوحات الرسّام الشهير بيتر بروغل الأكبر (1525-1569)، وخاصّة «منظر طبيعي مع سقوط إيكاروس» التي تعود إلى العام 1558. وكتب واحدة من أجمل قصائده (وكانت الحرب العالميّة الثانيّة تلوح في الأفق) بعنوان «متحف الفنون الجميلة» ونشرها العام 1940. وهنا ترجمتي لها:
«بخصوص الألم، لم يخطئوا أبداً/ الأساتذةُ القدامى فهموا مكانهُ جيّداً/بين البشر: كيفَ يحدثُ/بينما يأكلُ شخصٌ آخر، أو يفتح نافذة، أو يواصلُ المشيَ برتابة/كيف أنّه بينما ينتظرُ الكبارُ الولادةَ الأعجوبةَ بتبجيل وشغف/لا بد أن يكونَ هناك أطفالٌ ما أرادوا لها أن تحدث/يتزلّجون على بحيرةٍ بالقربِ من حافّة الغابة/لم ينسوا أبداً/أنّ الاستشهاد المروِّعَ هو الآخر لا بُدَّ أن يأخُذَ مجراه/على أيّ حال/وفي زاوية، في بُقْعةٍ مُهْمَلَةٍ/حيث تستمرُ الكلابُ في حياتِها الكلبيّة/ويحكُّ حصانُ المُعذِّبِ مؤخّرتَهُ البريئةَ بشجرةٍ. . . في «إيكاروس» بروغل، مثلاً: كيف ينصرفُ كل شيء/بتمهّل، بعيداً عن الكارثة؛ لربما كان الحارِثُ قد سمع/صوتَ الارتطامِ بالماءِ والصرخةَ المخذولةَ/ولكن، بالنسبة له، لم يكن ذلك فشلاً مهمّاً؛
كاسترو: ما وراء الأيقونة
2016-11-29 | سنان أنطون
منذ عقود طويلة ترسّخ فيديل كاسترو كأيقونة في أذهان الملايين. فهو رمز الثورة الكوبيّة وما مثّلته من صمود أمام الإمپرياليّة الأميركيّة ومحاولات متكرّرة لإسقاط الثورة الفتيّة؛ من حصار اقتصادي كلّف الاقتصاد الكوبي 1,126 ترليون دولار، إلى محاولات انقلاب وغزوات واغتيالات كان نصيبها الفشل. وهو من أهم رموز حقبة التضامن الثوري العالمي. فقد كان لكوبا، بقيادته، دور حاسم في دعم نضال عدد من الشعوب بالخبرات التقنيّة وبالموارد البشريّة من أطبّاء ومهندسين ومعلّمين، ومساعدتها في التحرّر من نير الاستعمار (البرتغالي في أنغولا وغينيا بيساو). وساهمت كوبا في دحر نظام التفرقة العنصريّة في جنوب إفريقيا الذي كان قد غزا أنغولا العام 1967، بمعونة الولايات المتحدة، وتسجيل أول انتصار عسكري ضدّه. كتب مانديلا يومها من سجنه «إنّها أوّل مرة يأتي بلدٌ آخر من قارّة أخرى لا ليأخذ شيئاً منّا، ولكن ليساعد الأفارقة على نيل حريّتهم». ولذلك كانت كوبا أوّل بلد قرّر مانديلّا أن يزوره العام 1991 بعد إطلاق سراحه.
لم يتوقّف الدعم والتضامن الذي تقدّمه كوبا للعالم النامي يوماً، بالذات في المجال الطبيّ. فهناك اليوم 39 ألف كوبي من الحقل الطبّي يعملون في 66 بلداً (15 ألفاً منهم أطبّاء). ويفوق مجموع الأطبّاء الكوبيّين الذين يعملون في بلدان العالم مجموع الأطباء الذين تبعثهم مجموعة الدول الثماني الصناعيّة المتقدّمة مجتمعة. وهذا يعود إلى الفكرة
عن تطبيع الفاشيّة
2016-11-22 | سنان أنطون
«يمكن أن تُمارَسَ اللعبةُ الفاشيّةُ
بصيغ عديدة ولا يتغيّر اسم اللعبة».
(أومبيرتو إيكو، 1995)
«فلنعطه فرصة» هي اللازمة التي تمّ ترديدها عبر وسائل الإعلام السائدة في الولايات المتحدّة في الأيّام الأولى التي أعقبت الإعلان عن نتائج الانتخابات الأميركية بفوز ترامپ. وقد ردّدها عدد غير قليل من الذين كانوا قد حذّروا أصلاً من انتخاب ترامب ووقفوا ضده. ترافقت اللازمة مع تكرار الإعجاب المفرط بعملية الانتقال السلمي للسلطة في مناخ ديموقراطي، والتأكيد على أهميّة المحافظة على «اللُحمة الوطنيّة» ورأب الصدع والانقسامات. كل هذا مع تطمينات ساذجة من قبل الكثيرين إلى أنّ المقولات العنصريّة والتهديدات والوعود المخيفة التي قطعها ترامپ أثناء الحملة الانتخابية ستخفّ، وأنّ أهميتها ستقلّ، إن لم تضمحل. وذلك لأن منصب الرئاسة يفرض ويتطلّب نبرة مختلفة ومقالاً يليق بالمقام المهيب
ترامب والديموقرافاشيّة
2016-11-15 | سنان أنطون
تساءلت في هذه الفسحة قبل فترة عن احتمال فوز ترامب ودخول أميركا عصر الفاشيّة. فاز ترامب والمناخ مهيّأ لصعود الفاشيّة. وستقتضي هيمنتها تغييرات مؤسسية لن تكون يسيرة وستواجهها مقاومة عنيفة. لكن ذريعة الحفاظ على الأمن القومي والسوابق والآليات التي وفّرتها الحرب على الإرهاب في زمن بوش يمكن أن تُستغل بسهولة لتغييرات خطيرة لم تكن في الحسبان. تنبئ قائمة الأسماء التي رشحت لاستلام أهم المناصب في إدارة ترامب إلى الآن بواحدة من أكثر الحكومات يمينية وعنصرية في ماضي البلاد القريب. كما أن سيطرة «الجمهوريين» على الكونغرس ستسمح لترامب باختيار اثنين من قضاة المحكمة العليا في البلاد لشغل المقعد الذي أُخلي بوفاة سكاليّا ومقعد آخر بعد تقاعد متوقّع لأحد الأعضاء. وستترك قرارات محكمة عليا مكدّسة بغلاة المحافظين آثاراً سلبية طويلة المدى اجتماعياً وسياسياً.
دشّن الكثيرون عهد ترامب باعتداءات وممارسات عنصريّة وبكتابة شعارات ورسم صلبان معقوفة وتوجيه رسائل احتقار وتهديد ضد الأقليّات من السود والمسلمين واللاتين. وقد سُجِّل عدد منها في جامعات النخبة ومعظم طلابها من عوائل غنية. بالمقابل، خرج الآلاف في عدد من المدن الأميركية في شرق البلاد وغربها متظاهرين لخمسة أيام متتالية ضد ترامب معبّرين عن رفضهم لسياساته وما يمثّله
دموع الليبراليّين في وداع الإمبراطور
2016-11-08 | سنان أنطون
حين شارفت فترة رئاسة بيل كلينتون الثانية على الانتهاء، أواخر العام 2000، تصاعد منسوب المديح له في صفوف الليبراليين في الولايات المتحدة، وحتى خارجها. وعبّر الكثيرون منهم عن شيء من الحزن لانتهاء ولايته. فالرجل كان، بالنسبة لهم، محارباً وإنسانيّاً «حاول» إصلاح الأمور (سيُقال هذا عن أوباما) لكنه تعرّض لحملات شرسة ومؤامرات من «الجمهوريين». وخرج منها كلّها سالماً باستثناء جراح رمزيّة بسيطة (اتّهامه من قبل الكونغرس بشهادة الزور وبتعطيل العدالة في ما يتعلّق بعلاقته الجنسيّة مع المتدرّبة في البيت الأبيض، مونيكا لونسكي). ونسي أو تناسى أولئك الليبراليون (وهم يُحسَدون على نعمة النسيان المتكرّر هذه) سجله الكارثيّ على الصعيديْن الخارجي والداخلي. وغضّوا النظر عن نكثه بوعوده الانتخابية وعمّا أوقعته سياساته بشرائح اجتماعية كانت قد ساعدت بشكل حاسم في إيصاله إلى البيت الأبيض (السود والطبقة المتوسطة). وغضّ الليبراليّون النظر كذلك عن خنوعه لضغوط «الجمهوريين» بعد سيطرتهم على الكونغرس وتمريره مشاريعهم على أنّها «إصلاحات».
لم تكن حقبة كلينتون في محصّلتها النهائيّة نقطة تحوّل إلى اليسار بعد حكم «جمهوري» استمر لاثنتي عشرة سنة (ريغان وبوش الأب) كما تأمّل البعض. بل كانت استمراراً
الموصل وخرائط ما بعد التحرير
2016-10-25 | سنان أنطون
يبدو أن شعار «داعش» الشهير «باقية وتتمدد» بحاجة الآن إلى تعديل ليطابق واقع الحال. فبعد هزائم متتالية في الأنبار وصلاح الدين، تأتي معركة تحرير الموصل التي تدور رحاها الآن. وهي المعركة التي تأخرّت كثيراً، لكن تضافر عوامل وقوى وأجندات إقليمية ودوليّة يصب الآن باتجاه تحرير المدينة والمناطق المحيطة بها من قبضة «داعش» وتحجيم هذه الأخيرة، ولكن دون القضاء عليها كلياً بالضرورة، ولا النجاح في الحد من قدرتها على توجيه ضربات هنا وهناك. وتاريخ وأسلوب «الحرب على الإرهاب» يخبراننا أن هذه المنظمات لا تختفي كليّاً («القاعدة» مثالاً) لأن هذه الحرب إنما تعيد إنتاج العوامل التي تشجّع على ظهور الإرهاب، بل وحصول «طفرات» وراثيّة فيه.
تروي أخبار تقهقر «داعش»، وتحرير القرى والمدن العراقية ورفع العلم العراقي فوق بناياتها، عطش العراقيين الشديد إلى انتصارات عسكرية تعيد شيئاً من ثقتهم المفقودة بدولة تستطيع مؤسساتها، والجيش في مقدمتها، القيام بمهماتها وواجباتها. وتمد أخبارُ التحرير الوطنيين بالأمل وتدعم تشبّثهم بحلم عراق غير مفتّت جغرافيّاً أو مؤقلم طائفيّاً. ولكن بعيداً عن التجييش الإعلامي و «صوت المعركة» الصاخب على وسائل التواصل الاجتماعي، هناك أسئلة وملاحظات لا بد من طرحها. فهناك تضحيات غالية يقدمها الرجال الذين يحاربون «داعش». وهناك الآلاف من المدنيين الذين سيتراوح مصيرهم بين الموت والبقاء أو النزوح. فكيف سيتم تجيير النصر والتحرير، سياسياً؟ وباسم ولمصلحة أي
مسلمون مع ترامب
2016-10-18 | سنان أنطون
قد يستغرب المرء وجود ناخبين مسلمين في الولايات المتحدة ما زالوا في معسكر المرشّح «الجمهوري» دونالد ترامب وينوون التصويت له في الانتخابات الرئاسيّة في الولايات المتحدّة في الثامن من الشهر القادم. فالرجل الذي يوظّف العنصريّة متعددة الرؤوس والأهداف في خطابه السياسي وحملته الانتخابيّة، أفصح عن موقفه من المسلمين بوضوح وشيطنهم وهاجمهم مبكّراً (بعدما كان قد فعل ذلك مع المهاجرين من ذوي الأصول المكسيكيّة). فكسب مقداراً لا يستهان به من الشعبيّة حين دعا إلى منع المهاجرين المسلمين من دخول البلاد حتى إشعار آخر (وإن كان قد حوّر هذا في ما بعد وقال إنّه محض «اقتراح» وإنه يطالب على الأقل بـ «تدقيق صارم» لكل المهاجرين المسلمين من دون أن يوضّح ما يعنيه هذا). أضف إلى ذلك حديثه المتكرّر عن الإسلام والمسلمين كـ «مشكلة» وتصريحه بأن «الإسلام يكرهنا». يصبح الدين هنا مُشخْصَناً كفرد تُعزى إليه صفات بشرية (الكراهية). وإذا تقبّل المرء فكرة أن هذا الدين يكره «نا» فليس من الصعب أن يقتنع بأن كل من يرتبطون بهذا الدين بالولادة يكرهوننا، إلا إذا ثبت العكس. ولكم أن تتخيلوا صعوبة إثبات أشياء كهذه أصلاً.
ومع ذلك، وبعد كل هذا التبجّح بالعنصريّة وبرهاب الإسلام والإصرار عليهما من قبل ترامب، فهناك مسلمون ما زالوا يناصرونه ويعملون في صفوف حملته الانتخابيّة. وكان عدد
المزيد
جريدة اليوم
جاري التحميل