سعيد الكفراوي
إقرأ للكاتب نفسه
مسافة «بين الصوت ودفقة اللبن»
2016-01-29 | سعيد الكفراوي
زماااان.....
يمكن كان عندي أيامها ست، سبع سنين، وكنت أشبه بجدي صغير لا يكف أبدا عن الحركة والمشاغبة، وكانت الدنيا أيامها على اتساع مثل يوم القيامة.
صعدت الجميزة على النهر، التي تمد أفرعها مثل أذرع ناحية الماء، والتي تتجمع عليها طيور الله السارحة آخر النهار فتغطيها بالبياض بإذن الرحمن الرحيم.
كنت أرتل ما حفظته من قصار السور، وصوتي يسري مع الماء بالايقاعات المعقودة، تحمل الكلمات المباركة التي شدت انتباه جدتي «هانم» لتخرج من قلب الدار وتتأملني جالسا على الفرع الممدود بوجهها الصبوح، المضيء بالفرح.
عن أمن الدولة وأمن الرئيس شخصياً
2015-10-02 | سعيد الكفراوي
تسعفني الذاكرة الخوانة ـ أحيانا ـ بالبعيد الموغل... أما القريب، فالعوض على صاحب العوض فلقد هضمته الأيام، وهرسته بأضراسها كما علف الحيوان!!
وأنا واحد من المؤمنين القدامى، بأن الذاكرة توأم الخيال، وأنها الملاذ الأخير لرجل يسكن على جبل عالٍ، يطل على مدينة قديمة، وإن هذا الكهل الذي يسكن الجبل كلما خطا بين الخلايق شعر بأن أيامه المعاشه ليست صالحة لأن تكون – بالضرورة ـ ملاذه الأخير، ولا هي في الواقع فضاؤه الصالح لاستنشاق هواء نظيف.
صدقوني، فالدنيا في سنواتها الأخيرة باخت، واتسمت أحوالها بقلة القيمة!!
رحم الله الشاعر «آرنو دانييل» وأسكنه فسيح جناته، الذي قال يوما:
«أنا آرنو الذي يكدس الريح
ويصطاد الأرانب بالثور
عبد الناصر وحبة اليوستفندي
2015-08-14 | سعيد الكفراوي
كل ما أستطيع الآن تذكره هو صوت الولد الذي يشاركني السكن في حجرة قليلة الأهمية، في بيت قديم من بيوت أغوات زمان من المماليك البرجية، أحسن الله مثواهم.
صرخ الرفيق وقال لي:
«عبد الناصر إيه اللي انت عاوز تشوفه؟! يا أخي اتنيل واقعد ليخبطوك خبطه تاخذ عمرك.
قاوحت أنا الآخر وزعقت زعقة جابت آخر الزقاق:
«لازم أشوفه. عبدا لناصر ما يجيش المنصورة وماشفوش»
احتجاز
2015-02-20 | سعيد الكفراوي
من ذلك الذي تساءل يوما بصوت مسموع:
- ماذا تظنون أنه أسوأ ما في المعتقل؟
رد الرفيق:
- الجبل
وقال آخر:
- التفتيش ليس أبشع من المهانة أثناء التفتيش إلا أن صوت أحدهم ارتفع قائلا:
- تعرفوا أيه أسوأ شيء في المعتقل هو طلوع الفجر.
طلوع الصبح يعني بشائر يوم جديد، ويوم جديد يعني تجدد الجحيم بالتعذيب والضرب والإهانة والاستبعاد.
الذي قال ذلك هو «سعد زهران» أشهر من اعتقل في بر مصر.
وأنا في ذلك الحين كنت أقطن مدينة قليلة الأهمية تهدر في جنباتها مصانع النسيج، ويقوم الرزق فيها على عرق عمال نصفهم فلاح، ونصفهم عامل.
هي المحلة الكبرى، صنيعة طلعت حرب باشا وأيامه.
كنا أول الشباب، ونقيم في جنباتها، جئنا من قرانا، وأنشأنا ناديا للأدب في قصر ثقافتها، كان من ضمن أعضائه المفكر الراحل نصر أبو زيد والناقد جابر عصفور والروائي محمد المنسي قنديل والشاعر محمد صالح، وغيرهم من شباب الستينيات في ذلك الوقت.
كنت أول من عرف الطريق إلى ندوة نجيب محفوظ على مقهى ريش، حيث لقاؤه مع جيل يكتب بشكل مختلف، ورؤيا جديدة يكتب بها الأدب.
أوائل السبعينيات كتبت قصة إسمها «المهرة» كانت عن فرس بهيّة، يحتكر ركوبها الأخ الكبير، قاسي القلب، عز الرجال، الآمر على كل أهل البلد فيطاع من غير أحم أو دستور، يمتطيها ويرمح بها في الغيطان مثل رهوان، بيده سوطه الذي يفرقع به في الفضاء أمامه كالنذير. وحين امتطاها الأخ الصغير بعد منعه من ركوبها، ودار بها في الغيطان، والأنحاء، مجسدا حلم القرية جلده الأخ الكبير بلا رحمة بالسوط حتى أدماه.
لا نعرف من الذي كتب تقريرا أمنيا لمباحث أمن الدولة وأخبرهم بنوايا المؤلف، وأن الأخ الكبير هو جمال عبد الناصر، والمهرة هي مصر، والشاب هو الرمز لشباب البلد الطالع مطالبا بحقه في الحرية، والمهرة أيضاً.
كانت سمعتنا ذلك الحين سيئة عند أجهزة الأمن، بالذات كنا نمثل خطورة في مدينة مهمة للوطن كله بنشاطها الصناعي الواسع.
في الليل رأيت أمام باب العمارة التي أقطنها سيارتَين عسكريتَين، وتجريدة صغيرة من جنود الأمن، وبعد دقائق دق الباب بعنف، ودخلوا...
مفتش مباحث المدينة، وضابطان، وعدد من المخبرين.
توجه ناحيتي الضابط وكلمني بصوت مرتفع:
- أتاريك مصيبة ونحن لا نعرف.
وقلبوا الشقة، أعاليها فوق أسافلها، وحملوا من الكتب أشكالا وألوانا، وفى اللحظة أدركت أنني رهين الاعتقال.
كانت الليلة من ليالي الشتاء، وأنا أتوسط الضابطَين، والبوكس الميري يقطع الطريق إلى العاصمة.
لا أعرف لماذا انفصلت تماماً عما أنا فيه، وتذكرت بيتَين من الشعر لا أعرف من الذي أنشدهما:
على مهل فليمر الزمن
كما تمر الساعات
إلا أن الزمن لم يمر. كان بطيئاً وثقيلاً، وينذر بالمخاطر، وأنا أرزح تحت ثقل اللحظة، وحين دفعوا بي إلى زنزانة بمعتقل القلعة الرهيب، أدركت أن الأمر غاية في الخطورة وليس كما أشعر به.
كان عبد الناصر قد رحل من أيام حيث وجه الله العادل، وأنا هنا داخل زنزانة مترين × ثلاثة تجثم في قلعة بناها صلاح الدين وأدخل عليها الإصلاحات محمد على باشا.
كان الاعتقال انفراديا. لا أحد يجيء، ولا أحد يذهب. تُلقى لك وجبة الطعام من فتحة في الجدار. وإياك وإحداث أي صوت.
ذكرت أسمي مرة بالخطأ، وبصوت سمعه من في الزنازين، فتجمع علي المخبرون وأوسعوني ضربا حتى آخر الألم.
وبالرغم من عبء الوحدة، والصمت المحاصر المريع، وتكة المفتاح في القفل، إلا انه كان يصعد إلينا في الليل، وعند صلاة الفجر، صوت الخارجين من مسجدي الرفاعي، والسلطان حسن يأتي مؤاخيا، وحاملا الرحمة.
كنت استند للجدار العاري، وبرد يناير يجمد الماء. أتذكر حقلنا القديم، وأسمع صوت أبي الفلاح وهو يهدر في براح الغيطان:
- الرحمة بين الناس عدل. والحياة أخرتها الموت ويواصل: السلطان الظالم تحت البراقع سم ناقع، واللي يحب نفسه تكرهه الناس.
واعتمد على فطرتك في فهم الأمور. شد حيلك الرحى ما تدور إلا بقلب من حديد. وللسجن فظاعاته بشهادة دوستويفسكي في كتابه منزل الأموات.
أشاعوا أن المكان تسكنه أشباح ممن قتلهم محمد علي في مذبحة القلعة من المماليك، وكانوا يشغلون شرائط تحمل الرعب للمعتقلين!!
بدأ التحقيق معي...
كان يأتي في الصباح لمكتب النيابة اثنان من المحققين، احدهما يحمل حقيبة من الجلد، والثاني يقبض على عصا غليظة ويضع على عينه نظارة سوداء. يسألني صاحب الحقيبة ان كنت جندت في جماعة الإخوان المسلمين مثل خالي القيادي النشط، ويؤكد أنهم يعرفون كل نشاط لي في قصر الثقافة.
ثم يأتي آخر الليل، في عز البرد اثنان، واحد يحمل حقيبة من الجلد، والثاني يقبض على عصا غليظة ويضع على عينه نظارة سوداء ويسألني حامل الحقيبة إن كنت منتميا للحزب الشيوعي المصري الذي سوف يفجر مصنع النسيج بالمدينة، وعندما أنفي ذلك تماما، كان يعالجني بحجته صارخا في وجهي:
- ألا تعرف لطفي الخولي وصديق لإبراهيم فتحي ويحي الطاهر وتعرف محمد سيد أحمد وفريدة النقاش ورفعت السعيد وتجلس في ندوة نجيب محفوظ على مقهى ريش وسط هذا الجمع الشيوعي. خلاص تبقى شيوعي، ومسجل خطر.
دارت ستة شهور مثل رحى الطاحون، وأنا تحت التحقيق والتهمة بالنهار إخواني، وبالليل شيوعي !!
تتواصل الأيام والليالي، وأنا أعيش أوهام السلطة في هذا المعتقل الرهيب بين التعذيب والإهانة والسجن الانفرادي، وسلطة نظام جرحه غائر بسبب هزيمته في يونيو/ حزيران 1967.
حين صرخ في وجهي المحقق يائسا:
- أنت ملة جنس أهلك إيه؟
أجبته بهدوء
- يا أفندم أنا كاتب قصة.
بعد أسبوع أطلقوا سراحي
حين كانت مقاطع من شمس الشتاء تسطع على ممرات القلعة، وتضيء مآذن الرفاعي والسلطان حسن.
خرجت يوم الجمعة، يوم ندوة عمنا كبير المقام نجيب محفوظ على مقهى ريش. حملت متاعي، وتوجهت ناحية المقهى. حين رآني أمل دنقل نهض وقال ضاحكا:
- أفرجوا عن الفلاح.
وأخذني في حضنه.
كان الأستاذ نجيب يعرف حكايتي، فأنا آخر معتقل اعتقله عبد الناصر، وأول معتقل أفرج عنه السادات. كنت علامة على عهدَين!!
انتحى بي الروائي الكبير جانبا، وضع يده على كتفي وقال:
- كفارة يا كفراوي. احكِ بالتفصيل ما جرى. لا تهمل شيئا.
قصصت عليه ما جرى. في لحظات كان صوتي يتهدج، وكنت آلمح وجهه ينطوي على الألم. أخبرته أن تكون محتجزا كرهينة في زنزانة ضيقة ستة أشهر وحدك، تسمع الصراخ وحين تصغي له تكتشف انه صراخك أنت، وأنه عندما تضربك عصا تشعر بأن دولة كلها تضربك. هذا شيء لا يرضى عنه الله.
أخبرته بحكاية الإخواني والشيوعي في الوقت نفسه. قال: الحمد لله على السلامة. ولا يهمك. إنْسَ الأمرَ وارمِ بتلك الأشهر للنسيان.
مضت شهور، وصدرت رواية «الكرنك» وفي ندوة الجمعة رَبَّتَ على ظهري وهمس لي:
- على فكرة يا كفراوي انت إسماعيل الشيخ في رواية «الكرنك». «انبسط» يا عم. وأطلق ضحكته المجلجلة.
(كاتب مصري)
جريدة اليوم
جاري التحميل