سناء علي
إقرأ للكاتب نفسه
في حلب: بردٌ وجوعٌ.. ودموع
2016-12-22 | سناء علي
شعلةُ لهبٍ صغيرة، يتحلّقُ حولها بعضُ الرجال والأطفال، وكذا يفعل بقيّة النازحين والوافدين من أحياء حلب الشرقية إلى مركز الإقامة المؤقت في منطقة جبرين، الواقعة شرق حلب، والتي تبعدُ عن مركز المدينة أقلّ من عشرة كيلومترات.
زوجةٌ وطفلان حملهم محمد نعناع (34 عاماً) معه إلى جبرين بعدما استطاع الهرب من حي ميسّر قبل عشرة أيام. يقول محمد لـ«السفير»: «عملتُ بائعاً على بسطةٍ في سنوات الحصار، وقبل الحرب كنتُ أعمل في مجمع تجاري في منطقة حلب الجديدة، الآن كما ترين أفترش وعائلتي العراء والساحات، نتكوّم بجانب بعضنا ليلاً، لكن البرد ينخر عظامنا، ليس باستطاعتي أن أطعِم أطفالي، لا أب ولا أم ولا إخوة لي ألتجئ إليهم».
ولنا في أمهاتنا السوريات أسوة.. فلتغفروا
2016-12-15 | سناء علي
في عيد الأم الماضي، جاءني ابني الأول حسان (26 عاماً) ملفوفاً بالعلم، وبعد أربعة أشهر استقبلت أخاه أحمد (24 عاماً) شهيداً أيضاً»، تتعثّر أم حسّان (من سكان مدينة طرطوس) بالكلمات، وهي تروي لنا شجاعة ولديها وفخرها بقرابينها للوطن على حدّ تعبيرها. صمت يُثقل هيبة المكان، تتحرّك الأمّ بضع خطوات إلى جانب صور أولادها، وتستذكر آخر الكلمات التي وصلتها منهم قبل الرحيل. تقبض بيدها على القلادة التي تدلّت فوق صدرها، وتقرأ عن صورة حسّان ما كُتب إلى جانبها «سامحيني أمي على الغياب، لكن الواجب أكبر». أما أحمد فكان دائماً يقول: «لا تحزنوا إن افترقنا لكن لا تنسونا ساعة النصر».
فاجعة أم حسّان، التي كستها وطقس بيتها بالسواد، لم تنفذ إلى قلبها. وصور أبنائها ببزاتهم العسكرية المُعلّقة على الجدران، لم تسمح لأي رغبة بالانتقام بالطغيان على فطرتها كأمّ. تستجمع السيدة خلود المرعي قواها وتمسح دمعة راحت تركض فوق الوجنتين المتغضّنتين «بسامح .. إي بسامح، الولد بيتعوّض يا بنتي، بس الوطن إذا راح ما بيتعوّض، إذا راح الولد فيه غيرو، لكن إذا راح الوطن بيروح كل شي».
إلى سابق عهدها تعود بلدة قدسيا بعد طول انتظار، تتفحّص جميلة (52 عاماً) فاكهة أحد الباعة الجوّالين برفقة ابنتها. تُبدي السيدة ارتياحاً واضحاً لتعدّد الخيارات أمامها،
على هامش الحرب: حين نتركهم يغادرون.. ونبقى
2016-10-20 | سناء علي
من شرفةِ منزلِه المُطلّة على الشارع، يُراقب أبو شادي طفلين بعمر الخمس سنوات وأقلّ، صبيٌّ يُمسِك بيد أخته الصغيرة ويحاولان عبور الشارع في حيّ الشيخ طه، المُواجه لحيِّ الشيخ مقصود في حلب، إلا أن قذيفة هاون سقطت بالقرب منهما أصابت صدر الطفلة بشظايا قاتلة. كاد قلبُ الرجل ينفطر حينما رأى الصبي ينكبُّ على جثمان أخته البارد ويحاول إيقاظها من دون جدوى، فكانت تلك الحادثة التي وقعت في أواخر العام 2015 هي اللحظة الحاسمة التي اتخذ فيها المهندس الجيولوجي (ف. مقدسي) قرار مغادرة حلب مع عائلته، بعدما أمضى في المدينة ما يزيد عن ثلاثة وثلاثين عاماً من عمره، عائداً إلى مسقط رأسه في إحدى قرى ريف طرطوس.
يقول أبو شادي (63 عاماً) لـ «السفير»، إنه «لم نشأ أن نترك منزلنا بالرغم من كل ما عشناه خلال الحرب، ليس سهلاً على الإنسان اقتلاعُه من المكان الذي أورقت ضلوعه فيه وأنجبت أرواحاً وسكنت في أدقّ تفاصيله، حاولنا جميعاً المكابرة، لكن مشهد الطفيلن سَلَب إرادتي، ولم أستطع احتمال فكرةِ ذلك الألم كلّه».
تقدّم المهندس المتقاعد وعائلته يومها بطلب للهجرة أو اللجوء إلى كندا، وبالفعل قُبلت الطلبات، لكن من سافر هما فقط الابنُ الوحيد مع أخته، وذلك في اليوم الأول من العام
أولادكم ليسوا لكم.. أولادكم أبناء الحرب
2016-10-19 | سناء علي
على مدخل بلدة قدسيا، ينتظر العم ياسين انتهاء عناصر الحاجز العسكري من تفتيش السيارة العمومية التي تقلّه مع بعض الجيران، قبل السماح لهم بالدخول. يطلق الرجل زفرةً طويلة، ويبادر مرافقيه بالقول: «هذا ما فعله الزعران بنا». العم ياسين ليس مقتنعاً بكل ما جرى، ويرفض إلى اليوم الخضوعَ للأمر الواقع.
حديثٌ قصير يدور بيني وبين الرجل السبعيني، يبدأه بامتعاض الأب الرافض لخطأ الأبناء: «زرت بلدانا كثيرة، أوروبا والخليج والمغرب.. بس متل هالبلاد ما في صدقيني، حتى بقسوتها أحلى من كل بلاد الدني، ليش هيك عملوا فيها وفينا؟»، يهزّ برأسه بلا حول ولا قوة.
أبو معتز من أبناء حي المهاجرين في دمشق، متزوج من امرأة مغربية وله منها ولدٌ وبنت، عاد إلى سوريا مع عائلته قبل عامين من بدء الأحداث، بعدما قضى قرابة الخمسة عشر عاماً في بلدان الاغتراب أمضاها في أبحاث الدراسة والعمل. اختار السكن في قدسيا، حيث كانت البلدة ملاذاً للراغبين بالابتعاد عن صخب العاصمة وضجيجها. قرر ولداه السفر لإتمام دراستهما في الخارج بناءً على رغبة والديهما بالابتعاد عن مجهول الحرب.
يبدو السؤال عن عدم السفر مع الأولاد بديهياً، إلا أن جواب الرجل كان حازماً، ويقطع الطريق على أي استفسار يفرضه منطق القبول بالابتعاد عن أبناء القلب تحت أي ظرف:
«شام أف أم» تنافس «الجزيرة»
2016-09-30 | سناء علي
ي دراسة معمقة حول «جمهور الإعلام السوري للعام 2016» أجرتها 8 مؤسسات أوروبية مستقلة ورسمية، مدعومة من الاتحاد الأوروبي ـ نشرت على موقع مؤسسة Free Press Unlimited نجد قناة «الجزيرة» القطرية على رأس لائحة القنوات العربية والعالمية في البحث الذي تناول مختلف شرائح الجمهور السوري في كل المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة، وفي المناطق المتنازع عليها، فيما جاءت إذاعة «شام أف أم» التي تبث كإذاعة فضائية (تيليراديو) في المرتبة الثانية.
المهنية تنافس المال
ليست مصادفة أن تتصدر الجزيرة القائمة عندما تتبنّى حكومات منظومة إعلامية وتوظفها للتأثير على الجمهور لخدمة مصالحها وتنفق المليارات لتحقيق أهدافها. أما أن تليها مباشرة إذاعة محلية محدودة الإمكانيات فهذا أمر يستحق الوقوف عنده.
اعتُبرت هذه النتيجة صادمة، فالإذاعة الخاصة التي تأسست في صيف العام 2007 معروفة في الأوساط الإعلامية بضعف مواردها المادية مقارنةً بالإمكانات المتوافرة لباقي الوسائل الإعلامية الرسمية والخاصة. إلّا أن الإذاعة تعرف في الوقت ذاته بمصداقيتها ومهنيتها العالية وسياستها التحريرية الواضحة التي تجعلها متابعة حتى من قبل جمهور
هكذا بدأت حكاية تغريبة الوعر.. وهكذا تنتهي
2016-09-23 | سناء علي
تعبنا والله تعبنا يا أمي.. الأولاد جاعوا والشتوية ع البواب وما ضلّ شي نحرقه لنطبخ عليه أو نطحنه لناكله». هكذا يأتي صوت الحاجّة أم محمد (62 عاماً) من سكان حي الوعر المحاصر في مدينة حمص مهيناً لعناد هذه الحرب بعدما شارفت حكاية الحصار على الانتهاء.
يسكن الحي حالياً ما يقارب الخمسين ألف نسمة، نصفُهم تقريباً من الوافدين، ويعامل موظفو الحي ونساؤه وطلابه معاملةً استثنائية، حيث يُسمح لهم بالدخول والخروج بشكل عادي، كما يُسمح لهم بإدخال كميات قليلة من الخضار، إلّا أنه يمكن الجزم بأن المزاج العام في الوعر اليوم قد تغيّر، وبدأت أصوات العالقين في الداخل تعلو، مطالبةً بإتمام هذه التسوية، لا سيما ان الوضع الإنساني في الداخل آخذٌ بالتدهور المستمر، ولا يقبل التأجيل إلى ما بعد دخول شتاءٍ جديد من دون تدفئة أو غاز أو وقود، وبعد خروج معظم المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة ونفاد كميات الأدوية التي يحتاجها المدنيون والمرضى والأطفال.
وأم محمد هي جدةٌ لـ11 طفلاً، نزحت مع أولادها الخمسة وأحفادها إلى الوعر من منطقة كرم الزيتون أوائل العام 2013 لتعلق داخل الحي بعد حصاره، وهي تترقب اليوم إتمام التسوية وخروج المسلحين من الوعر، مؤكدةً لـ «السفير» أن «الناس هنا مستضعفون ولا حول لهم ولا قوة، نريد لهذه المأساة أن تنتهي لكنّ سلاحهم كان اقوى من ضعفنا
سوريا: عودة الرحلات الليلية إلى طرق السفر
2016-09-07 | سناء علي
إنها الرابعة فجراً على الطريق الدولي بين دمشق واللاذقية. صمتٌ يخيّم على الحافلة، يقطعه بين الحين والآخر صوت تحية العسكر على نقاط التفتيش. بعض الركّاب نائمون والبعض الآخر يُراقب بشغف خيوط الضوء الأولى تتسرّب عبر النوافذ من الأفق الممتد على طول الطريق.
مرّ زمن لم يأنس فيه هذا الدرب بعابري الليل، لكن مع بداية صيف العام 2016، عادت رحلات السفر الليلية على الأوتوستراد الدولي للانطلاق بعد توقّف دام أكثر من خمس سنوات تقريباً.
قصة عشتار مع قذيفة الهاون: أكبر من ألم.. وسخرية
2016-08-17 | سناء علي
صفير يصمّ الآذان، ودماء تسيل من انفي، حرارة حارقة في قدميّ اللتين كانتا شبه مقطوعتين وأنا عاجزة عن الحركة، أول ردة فعل قمت بها بعد الذي رأيته هي الضحك، قلت في نفسي يا للسخرية !! تخرّجي بعد أربعة أيام لا يمكن أن تكون هذه هي النهاية.. بهذه الكلمات تبدأ عشتار الأحمد سرد قصتها التي انتهت منذ مدة وجيزة بعودتها إلى المشي بعد أن منعتها الإصابة بقذيفة هاون من ذلك لما يقارب العام. شهران في المستشفى وثمانية أشهر على الكرسي المتحرك، وصلت خلال تلك المدّة إلى عتبة الألم، لا أتوقع أن هناك أسوأ مما مررت وأحسست به».
سماع صافرة القذيفة قبل سقوطها وصوت الانفجار الذي تحدثه بعد السقوط هي أحداث اعتاد سكان دمشق سماعها والتعاطي معها كأمر شبه عادي وهذا ما حصل مع الفتاة ذات الثلاثة والعشرين ربيعاً عندما كانت تأخذ قسطاً من الراحة على شرفة منزلها الكائن في أحد أحياء دمشق القديمة.
تقول عشتار، خرّيجة كلية الفنون الجميلة وإحدى أعضاء فريق يلا عالبسكليت التطوعي «كان الحادي عشر من أيلول عام 2015 يوما عادياً جداً، اذكر أنني كنت منشغلة بالتحضير لمشروع التخرّج وحيدةً في المنزل بينما كان والدي في حمص وأمي في السوق.. كانت الكهرباء مقطوعة، سقطت القذيفة الأولى في الحي، صوتها القوي والقريب
حمص القديمة.. تفاصيل خراب لتاريخِ لم ينته
2016-07-02 | سناء علي
يُحدّق الصحافي الصيني الذي يزور حمص للمرة الأولى مطولاً بالدمار الذي يحاصر نظره من كل الجهات في حي جورة الشياح في حمص القديمة. ينقل عدسة كاميرته من بناء إلى آخر، يتفحص عن كثب تفاصيل الخراب الذي طال آلاف الشقق السكنية، ثم يسألني بوجه كسته صدمة واضحة: «مرعب .. كيف استطعتم تدمير كل هذا؟!».
لم يكن الجواب صعباً، إنها الحرب ببساطة، ولم يكن مستغرباً دهشة الصحافي الصيني أمام كل ذاك الدمار، لكن المستغرب كان ذهول صحافي سوري آخر رافقنا. فعلى الرغم من أن تلك الزيارة كانت السادسة له للمكان، إلّا أن رتابة الخراب وفتحات الأنفاق المتصلة في ما بينها بشبكة منظّمة، تشرح صعوبة المعارك التي دارت هنا، وكتل الاسمنت العالقة بعضها ببعض والباقية على حالها منذ أن توقفت الحرب في المكان منذ أكثر من ثلاث سنوات تجعل المعركة تبدو كأنها دارت أمس، وهذا ما يدعو للدهشة والذهول.
ووجدت نفسي أقارن ردة فعلي، أنا السورية التي تزور المكان للمرة الأولى بزميلي الغريب. لقد اختبرت طوال السنوات الخمس الماضية مشاعر مختلفة بسبب الحرب، لكنها المرة الأولى التي تعتريني مشاعر الحياء أمام ذلك المنظر الرهيب. نعم إنها الحرب، لكن ما الذي كان يستحقّ كل هذا؟
تصل نسبة الدمار إلى ما يقارب 30 إلى 50 في المئة من أحياء حمص القديمة، وبالرغم من أن الكثير من العائلات عادت إلى منازلها في أحياء معينة مثل الحميدية، لكن أحياء
المزيد
جريدة اليوم
جاري التحميل