صقر أبو فخر
إقرأ للكاتب نفسه
إني أتذكر
2016-12-31 | صقر أبو فخر
عرفت «السفير» حتى قبل أن يصدر العدد الأول منها، على غرار ذلك العربي الذي كان يقول لأبنائه: شاهدتكم، قبل أن تولدوا. فإذا سألوه: كيف؟ يقول: في سُحَن أخوالكم. آنذاك، سمعنا، وكنا طلاباً منغمرين بالسياسة والثقافة، أن جريدة جديدة سيصدرها قريباً طلال سلمان ونفر من رفاقه الناصريين والماركسيين. وكنا نقرأ في تلك الفترة جريدة «النهار»، خصوصاً عمود ميشال أبو جودة، ثم ننفتل إلى النجوم التي كان سمير نصري يمنحها لأفلام الأسبوع، وكذلك جريدة «المحرر» ولا سيما صفحة الحوادث فيها، وأحياناً «الأنوار» الناصرية الهوى. وحين تنامى إلينا أن ناجي العلي وشفيق الحوت ومصطفى الحسيني وبلال الحسن وياسين الحافظ والياس مرقص ربما سيكونون في عداد أسرة «السفير»، علمنا قبل أن نراها ان هذه الجريدة هي جريدتنا.
ومنذ صدور العدد الأول في 26/3/1974 لم تغادر هذه الجريدة أصابعنا وأبصارنا البتة، ورحنا نتردد على مكاتبها في بناية مكي (نزلة السارولا) لنتعرف إلى كثيرين ممن صاروا، لاحقاً، صفوة الصحافيين العرب وألمعهم وأكثرهم حضوراً، من مصطفى الحسيني إلى جوزف سماحة الذي عرفته أولاً في جريدة «الوطن» التابعة للحركة الوطنية اللبنانية، ومن
استعادة لفكرة «المستنير العادل»
2016-08-15 | صقر أبو فخر
في حقل التاريخ ودراسات الماضي، تكثر المقارنات والموازنات لاكتشاف جوانب من التناظر أو التنافر في الوقائع والأشخاص. ويحلو لكثيرين أن يعقدوا نوعاً من المشابهة الصورية بين الماضي والحاضر. ومع أن تلك المقارنات هي، في نهاية المطاف، مجرد تمرينات ذهنية عابرة، إلا أنها تحفِّز التفكير أحياناً، وربما تساعد في فهم الدوافع السياسية والشخصية، المرئية وغير المرئية، في أحيان أخرى. ومن الجانب الشكلي البحت، فإن الحريق العربي المندلع اليوم يشبه تلك الحروب التي فتكت بأوروبا قبل 500 سنة. أما في المضمون، فشتان ما بين النتائج التي انتهت إليها الحروب الأوروبية، والنتائج التي من المحتمل أن تتمخض عنها الحروب الأهلية العربية. وعلى سبيل المقارنة، فقد كلّفت حرب الفلاحين ألمانيا نحو مئة ألف قتيل في عام واحد (1524 ـ 1525). وتكبدت أوروبا جراء الحروب الدينية، بما في ذلك حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648)، 10 في المئة من سكان إنكلترا، و15 في المئة من سكان فرنسا، و30 في المئة من سكان ألمانيا، و50 في المئة من سكان بوهيميا في تشيكيا. وكان من بين نتائج التهجير أن صلة المهجّرين بكنائسهم وَهَنَتْ، وتخلخلت سلطة الكنيسة عليهم، وظهرت علاقات تضامنية جديدة بين الكاثوليك والبروتستانت لم تكن معهودة قبل ذلك. وكان هذا الأمر المقدمة الأولى لانبثاق فكرة التسامح الديني التي راحت تنتشر، لا بقوة المُثُل الدينية غير المتسامحة في الأساس، بل بقوة المُثُل التي تنبتها الدولة الجديدة
بائع السحلب أردوغان
2016-07-27 | صقر أبو فخر
من المحال أن نعثر على جماعات سياسية تستلذ بالفشل مثل «الإخوان المسلمين» ومشتقاتهم. والتجربة «الإخوانية» في مصر وسوريا والأردن، على سبيل المثال، أفضل برهان على هذه الخلاصة. أما رجب طيب اردوغان الذي رفع مراراً في أثناء خُطبِه التي لا تنتهي شعار «رابعة»، فقد بات مثل بائع السحلب حقاً، فهو لا يستطيع أن يخفي آثار ما تفعل يداه أو يزيل رائحة منتجاته عن بدنه وثيابه، مهما حاول أن يذيق الأتراك، والعرب أيضاً، حلويات دسمة.
والخلاصة البهية والجلية التي يمكن الركون إليها إلى حد بعيد هي أن اردوغان لم ينجح في إفشال الانقلاب العسكري ضد حكمه وحكومته في 15/7/2016، لأن الانقلاب نفسه كان فاشلاً منذ البداية، وكان واهناً جداً خلافاً لكلمة «الرعد» (يلدرم) التي اتخذها الانقلابيون إسماً سرياً لحركتهم.
وها نحن اليوم نشهد انقلاباً عسكرياً فاشلاً أعقبه، بسرعة، انقلاب مدني ينفذه سياسي فاشل ضد العسكر بالتدريج.
بنات آوى وأعراسها
خمسون ألفاً سُرِّحوا من وظائفهم وما زال العدّاد يطوي أرقاماً بعد أرقام: عسكريون، قضاة، معلمو مدارس، أكاديميون، إعلاميون، ضباط شرطة، موظفون. وثمة أكثر من ثلاثة
بسام أبو شريف وعشاء القرباط
2016-06-20 | صقر أبو فخر
القرباط جماعة من المترحلين تعتاش على مهن هامشية كصنع الأسنان النحاسية لأطفال الفلاحين، والحدوات الحديدية لحميرهم. وتنحو هذه الجماعة أحياناً منحى اللهو والمرح، فتجني أسباب عيشها من إتقانها فن الاستعطاء والتسول والرقص. وعشاء القرباط متعدد الأصناف لأنه جُمع من منازل كثيرة، لكنه فقير في قيمته ومذاقه. وقد خصصت محطة «الميادين» الفضائية خمس حلقات لتوثيق محطات من مسيرة المقاومة الفلسطينية، وحاورت المذيعة لينا زهر الدين، لهذه الغاية، بسام أبو شريف ثم نشرت هذه الحوارات في كتاب وَسَمتْه بعنوان «حقيبة التاريخ» (بيروت: دار الفارابي، 2016). وللأسف جاءت الأجوبة مثل عشاء القرباط تماماً، كثيرة التفصيلات قليلة القيمة، وتعجّ بأغلاط لا يجوز أن تمر من دون تصويب.
ومنذ السؤال الأول مهدت الزميلة لينا زهر الدين لضيفها بالقول: «إن هزيمة الجيوش العربية أمام إسرائيل سنة 1967 كانت حافزاً وسبباً أساساً في انطلاق القوى الفلسطينية في كفاح مسلح ضد إسرائيل (ص. 13). ثم تستطرد: «عقد اجتماع في دمشق في تموز 1967، ونحن نعرف أنه أسس لبداية انطلاقة الكفاح المسلح» (ص. 15). وهذا كلام يُجافي التاريخ، فـ «النكبة»، وليست هزيمة 1967، كانت السبب الأساس في الكفاح المسلح الذي انطلق قبل ثلاثين شهراً من الاجتماع المذكور في دمشق. والمعروف أن
«قضية فلسطين في أرشيف الجامعة العربية» أمين عقل: التأريخ بالوثيقة
2016-06-07 | صقر أبو فخر
ابتداء من هذه السنة وحتى نهاية سنة 2018، سيكون على المغرمين بتوافق التواريخ واقترانها أن يتذكروا بعض الوقائع المشهورة مثل: الذكرى المئوية لمراسلات حسين ـ مكماهون، واتفاقية «سايكس ـ بيكو» (1916)، والذكرى السبعينية لقرار تقسيم فلسطين (1947)، والذكرى السبعين أيضاً لنكبة فلسطين (1948). ولن تكون الإحاطة بهذا الزمن ممكنة من دون العودة إلى وثائق تلك المرحلة ومجرياتها السياسية. ويعرف الباحثون في تاريخ العرب المعاصر، معرفة جيدة، كتاباً وثائقياً بجزءين نشرته جامعة الدول العربية بعنوان «الوثائق الرئيسية في قضية فلسطين».
وهذا الكتاب الذي صدر الجزء الأول منه سنة 1957، وصدر الجزء الثاني سنة 1974، يغطي خمسة وثلاثين عاماً من أخطر مراحل التاريخ الفلسطيني والعربي (1915 ـ 1950). وكانت هذه الفترة شهدت اندلاع الحرب العالمية الأولى، وهزيمة الدولة العثمانية، ووقوع المشرق العربي بين براثن الاستعمارين البريطاني والفرنسي اللذين فتكا بالمنطقة العربية ومزقاها إلى «دول» وطوائف وإثنيات. وها هي العناصر المتفسخة التي أورثنا إياها تاريخنا تنفجر اليوم وتحوِّل بلادنا إلى فضاء من الحروب والدمار والدم. لم يعرف الباحثون مَن هو ذلك الباحث الذي اختار تلك الوثائق وحررها قبل أن تنشرها إدارة فلسطين في جامعة الدول العربية. غير أن قليلين كانوا يعرفون أن المحامي أمين عقل هو مَن تصدى
ليرحل الشعب!
2016-04-07 | صقر أبو فخر
كان مشهد الحشود البشرية التي خرجت في مدينة طرابلس شمال لبنان لاستقبال سعد المصري، وهو أحد قادة محاور القتال الأهلي في المدينة، مُفزعاً حقاً. مئات من البشر تجمّعوا للاحتفال بخروج سجين أمضى سنتين في الحبس بتهم أقلها إطلاق النار على الجيش اللبناني. وهؤلاء لم يوفروا رصاصة إلا أطلقوها في الفضاء ابتهاجاً، وأقاموا احتفالاً بالمفرقعات والطبول وأبواق السيارات المنفّرة. واللافت أن سعد الحريري، شريك سعد المصري في الاسم الأول، لم يحظَ بهذه الجماهير حين زار تلك المدينة مؤخراً، الأمر الذي يشير إلى تحولات خَطِرة في المجتمع الأهلي اللبناني الذي يختزن غضباً متزايداً، وتعصباً لا يخفى على أحد، وكراهية لا تخجل من الإفصاح عن نفسها. وعلى هذا المنوال، لو خرج الشيخ أحمد الأسير من السجن لاستقبلته جماهير مدينة صيدا بمثل ما استُقبل به سعد المصري وأكثر. فأحمد الأسير رجل دين، وسعد المصري غرّ من أغرار ميليشيات الأحياء المهمّشة. وبرهاني أن مئات من النساء المبرقعات احتشدن في صيدا للمطالبة بإطلاق أزواجهن المتهمين بجرائم إرهابية كالشيخ الأسير نفسه... فيا للمفارقة. هل سمع أحد أن «الجماهير» تطالب بإطلاق المجرمين إلا في لبنان؟ المأنوس أن الناس تتظاهر لإيقاع القصاص بالمجرمين، لا لتخلية سبيلهم
الحداثة والجامعة الأميركية وبيروت
2016-01-30 | صقر أبو فخر
من الصعب العثور على مكان في العالم العربي تدامجت فيه الجامعة بمحيطها البشري كما تدامجت الجامعة الأميركية بمنطقة رأس بيروت. ربما كانت جامعة «أوكسفورد» على هذا الغرار أو «هارفارد سكوير»، لكن لم تغزل أي جامعة عربية على مغزل الجامعة الأميركية على الإطلاق. وكانت منطقة «الحمرا» تسمى «جرن الدب»، فيما كانت الجامعة تدعى «الكلية الإنجيلية السورية». ومنذ بدايتها لم تكن هذه الكلية علمانية بل تبشيرية، وكانت البعثة الأميركية الإنجيلية ترغب في بناء الجامعة في حمص حيث توجد أعداد كبيرة من المسيحيين، لا سيما في منطقة وادي النصارى. لكن لأسباب عدة، فشلت هذه البداية، فانتقل القائمون عليها إلى منطقة رأس بيروت، وشيدوا الجامعة في سنة 1866 في منطقة لا يقطنها إلا صيادو السمك وبعض زارعي الخضروات، علاوة على بنات آوى في الجحور الرملية وبين قصب «الغزّار».
نعم، لم تكن هذه الجامعة علمانية، فهي تبشيرية وإنجيلية، لكن التأكيد على الحرية وعلى استقلالية التفكير العلمي، وعلى الديموقراطية جعل هذه الجامعة ميداناً للعلمانية في ما بعد. وفي رحابها انتعشت جميع الحركات السياسية العلمانية كـ «الحزب السوري القومي الاجتماعي» و «حزب البعث العربي الاشتراكي» و «حركة القوميين العرب» التي ظهرت في أجواء نادي «العروة الوثقى» الذي أيقظه الدمشقي قسطنطين زريق. والمشهور ما حدث في سنة 1882، أي بعد تأسيس هذه الجامعة بستة عشر عاماً، حين
مذكرات محمود الأطرش: شيوعية بلا شيوعيين
2015-11-18 | صقر أبو فخر
محمود الأطرش المغربي مناضل شيوعي فلسطيني من أصول جزائرية، وهو يتشارك في اسمه مع أحد المؤسسين الأوائل لحركة «فتح» وأول رئيس وزراء في ليبيا بعد إطاحة الملك السنوسي. ولقب المغربي كنية عامة أطلقت على كثيرين من أهل ليبيا والجزائر وتونس والمغرب الأقصى الذين هاجروا إلى بلاد الشام، إما لمجاورة مقدساتها أو للإقامة فيها هرباً من الاضطهاد الفرنسي، كما جرى للأمير عبد القادر الجزائري وصحبه. وحي المهاجرين، في دمشق اكتسب اسمه من مهاجري الأندلس والمغرب الذين برز منهم تاج الدين الحسني (رئيس جمهورية) وعبد الرحمن خليفاوي (رئيس وزراء). وعلى غرار حي المهاجرين اشتهرت حارة المغاربة في القدس التي دمرها الجيش الإسرائيلي غداة احتلال القدس في سنة 1967. ومن أبرز مغاربة فلسطين الشهيد فتحي الشقاقي (ليبي) والشهيدة دلال المغربي والروائي يحيى يخلف (جزائري). وقد أصدرت «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» مذكرات محمود الأطرش ووسمتها بعنوان «طريق الكفاح في فلسطين والمشرق العربي» (بيروت: 2015). وتتضمن هذه المذكرات سيرة محمود الأطرش منذ ولادته في حارة المغاربة في سنة 1904 حتى سنة 1939، حين عاد إلى الجزائر وبدأت مرحلة جديدة في حياته. فالمذكرات إذاً غير كاملة وتقتصر على نضال الشيوعيين الأوائل في فلسطين وسوريا ولبنان حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية. أما الق
الإرهاب التكفيري وغياب الأنموذج التفسيري
2015-09-30 | صقر أبو فخر
معظم الأفكار والآراء التي تصدّت لتفسير ظاهرة الإرهاب لدى الجماعات التفكيرية الإسلامية، وانتشارها المفاجئ، وتوسّع نطاق سيطرتها في سوريا والعراق، فشلت إلى حد بعيد في الإحاطة بهذه الظاهرة وأسبابها. فبعض الآراء حصر هذه الظاهرة في أنها مؤامرة استخبارية. وغامر البعض الآخر في الاستنتاج ليقول إن الدين الإسلامي نفسه إلغائي في الأساس، وإقصائي حين يتحوّل إلى سلطة سياسية أو إلى قوة سياسية عضوية وفاعلة. وأعادت آراء أخرى منشأ هذه الظاهرة إلى أسباب اجتماعية أو سياسية كالاستبداد والفقر والبطالة والتهميش. والواضح أن أي أنموذج تفسيري علمي وشامل لظاهرة إرهاب الجماعات الإسلامية التي تلمع خناجرها وأنصال سيوفها في سماء العالم العربي اليوم لم يظهر بعد في رؤوس المفكرين والباحثين. فتفسير الإرهاب بأنه مؤامرة استخبارية مضحك حتى الاستلقاء على القفا، مع أن «الإخوان المسلمين» تمرسوا في اللعب بين الاستخبارات منذ أن احتلوا مكانتهم السياسية بوصفهم تياراً يمكنه الوقوف ضد القومية العربية وضد الشيوعية في آن. وإعادة هذه الظاهرة إلى الإسلام نفسه، كسبب وحيد، لا يتفق مع التاريخ والوقائع الصحيحة والتفكير السليم. كذلك تفسير هذا الإرهاب كظا
المزيد
جريدة اليوم
جاري التحميل