هنادي سلمان
 
إقرأ للكاتب نفسه
الحياة كما لم أعرفها
2017-01-04 | هنادي سلمان
ليس من صور راسخة في ذاكرتي لا علاقة لها بصحيفة «السفير» الورقيّة إلّا اثنتين.
الأولى كانت لمواكب تشييع اجتاحت شوارع بيروت بصمت يوم وفاة «ابن البسطجي» الذي رفع رؤوس العرب ومضى، جمال عبد الناصر.
والثانية كانت لأبي في منامته في الشارع يجري وخلفه أمّي بحثاً عنّا في ما عرفت لاحقا أنّه كان بداية الحرب الأهليّة اللبنانيّة. كنّا وقتها في «نزهة» في حرج بيروت الذي بات مذّاك ممنوعاً على أبنائها.
أمّا كلّ ما تلا فكان نتيجةً وسبباً، للمغامرة التي خاضها ابن الدركي وامتدّت أقلّ من نصف قرن، كوسيلة اختارها للتعبير، والتغيير، والمساهمة في نهوض الأمّة. نعم. ليس أقلّ من ذلك. في النهايات، يحقّ لك أنّ تقول الأشياء كما تراها، بلا تواضع أو مواربة.
صحيفة «السفير» الورقيّة كانت وسيلة طلال سلمان ورفاقه لتغيير العالم. على قدر ما يستطيعون، ويعرفون
«قروية من غير سوء»
2016-01-26 | هنادي سلمان
لقد انتهى زماننا يا زينب.
عرفتِ ذلك بقلبك، وعقلك، ولمّا اشتدّ الضيم، اخترتِ موعد الرحيل.
في وجهك وجوهنا كلّنا. وفي سمرة بشرتك ونقائها صورنا المشتهاة: بهيّة بلا ادّعاء. كوجوه الأمّهات المتخيّلة، كوجوه الفتيات قبل أن يفقدنَ الطفولة. كالضحكة تخرج من القلب صافية رنّانة صادقة.
بسيطة أنت كما نحب للحياة أن تكون، كما يتعين على الحياة أن تكون.
أعترف بأنني نسيت أن أقول لك ما كنت أحسّ به دوماً: أنت الجزء النقيّ في كلّ منا. «قروية من غير سوء».
ربّما لم أقلها يوماً لأنها كانت بديهيّة وكأنني أقولها في كلّ مرة أنظر في عينيك الصافيتين. ربّما لم أقلها، يا رفيقتي، يا رفيقتي، يا رفيقتي، لأنني لم أكن أعرف أن دربنا لن تطول. كنت أظنّ أن من هم مثلك، وأنت لستِ كأحد، لا يغادرون
هذيان وفصام بين تظاهرتين: «يسقط يسقط الشعب الأرعن»
2015-09-08 | هنادي سلمان
^ السبت في التاسع والعشرين من آب العام 2015
جاءت معذِّبَّتي في غيهب الغسق
كَأنَّهَا الكَوْكَبُ الدُرِّيُّ فِي الأُفُقِ
فَقُلْتُ نَوَّرْتِنِي يَا خَيْرَ زَائِرَةٍ
أمَا خَشِيتِ مِنَ الحُرَّاسِ فِي الطُّرُقِ
فَجَاوَبَتْنِي ودَمْعُ العَيْنِ يَسْبِقُهَا
مَنْ يَرْكَبِ البَحْرَ لا يَخْشَى مِنَ الغَرَقِ
(لسان الدين بن الخطيب... الغرناطي
أي أنّه ولد ونشأ في غرناطة الأندلس)
يدعو الشاب الثلاثيني، المتحمّس، صادقاً، بوجهه الذي يشبه وجوهنا كلّها، إلى رفع القبضات عالياً والهتاف بصوت واحد «الشعب.. يريد.. إسقاط.. النظام..».
كما لو كان قد أصابها الشلل، تسعى كَفِّي للتكوّر فتعجزُ، أمّا ذراعِي فتتجمّدُ. وكمن أُوصِد بكاتمٍ، يسعى صوتي للهتاف، فيصمت.
وحدها دموع العينين تنزل من دون طلب.
نستحقّ الحياة، غصباً عن أنوفكم ..الطويلة، وذممكم.. الواسعة
2015-08-24 | هنادي سلمان
قبل أسبوع، اتصلت سيّدة فاضلة، مواطنة، بأحد البرامج الإذاعية وطلبت توجيه نداء إلى ساسة البلد، فقالت «أطلب من «المسؤولين» أن يساوونا بالزبالة. يعتبرونا زبالة ويتخانقوا علينا متل ما عم يتخانقوا ع الزبالة». هذا هو الدرك الذي وصل إليه أبناء هذه الأرض.
حتّى المطالبة باستقالة الحكومة والنّواب لم تعد مجدية. صار رحيلكم، الآن، من هنا، كارثة. جرّدتم البلاد من البدائل كلّها، وتربّعتم مطبقين على صدورنا وسبل عيشنا إلى ما شاء الله. أمّا أعتاكم وأكثركم استدامة، فيزاحمنا حتّى على أي حراكّ سلمي، نسعى للقول من خلاله بأنّنا هنا، وإن كنتم لا تأبهون.
حتّى منظمو التظاهرات، وإذا استمرّوا في رفع سقف مطالبهم بلا أفق فعليّ، فهم يساهمون في إفشال حملتهم وخذلان الناس تماما كما يفعل الساسّة. عندما يعلن رئيس حكومة لبنان أنّه يتعامل مع «نفايات سياسيّة»، ولا يجد م
انتصري لنا يا زينب (إلى صديقتي زينب ياغي)
2015-08-14 | هنادي سلمان
بصعوبة، تظهر أسنانك البيضاء في الابتسامة التّي تصرّين على إشهارها طوال الوقت، فيما حزن عينيك يشي بكمّ الوجع الذي يجتاح جسمك، ويحيله هزيلا، نحيفاً، ضعيفاً.
أمّا القهقهة، التّي تميّزك، فلا يقهرها ألمٌ أو غثيان. تخرج صافية، تعيد إلى عينيك ومضهما، ولو لثوانٍ.
لا تدعي المرض يهزمك. «شدّي عليك الجرح» ...وانتصري.
انتصري لنا. يا ابنة زوطر، يا ابنة القرية التي لم تجرّدها المدينة من براءتها وعفويتها.
يا القروية التي ما زالت تنظر إلى كلّ ما يدور من حولها وتحاسب وكأنها تعيش في فيينا.
«كيف يمزجون مياه المجاري بمياه الشرب؟ كيف يقطعون الكهرباء بمعدلات جنونيّة؟ كيف يقود رجل الأمن دراجته النّارّية من دون اعتمار الخوذة؟ كيف يسمحون بركن السيارات ثلاثة صفوف متوازّية؟»
مسلسلات رمضان 2015: شكراً
2015-07-20 | هنادي سلمان
كان شهراً أشبه بالمهرجان، أتاح للكتّاب والمخرجين والممثلين وسائر المبدعين من موسيقيين ومغنين ومسؤولي إضاءة وديكور وصوت وتصوير وأزياء وماكياج، وغيرها الكثير من المهام التي تدور خلف آلات التصوير، أن يثبتوا كفاءاتهم، ويقدّموا ما لديهم من إبداع وأفكار وإتقان، وإن تفاوتت المستويات بين عمل وآخر.
كأنّه الشهر اليتيم في السنة الذي يقدّم الفرص لتحقيق ما باتت تمتلكه الدراما العربيّة من معرفة، وأفكار، وآراء، وتمرّس في الأداء.
هو قرار المنتجين وحدهم؟ عرب من كلّ الأقطار، يبهرون المشاهدين بأكثر من سبعين عملاً، تقدّم كلّها خلال ثلاثين يوماً فقط، وبعدها، عود إلى التركي، والهندي، والكوري، والمكسيكي...
إلّا أنّ ما قدّم خلال رمضان العام 2015 لا يشبه ما قدّم قبله، وعلى أكثر من مستوى.
كانت حال النهوض والنضوج في صناعة الدراما العربيّة قد تلقّت ضربة كبرى مع انفجار الحرب في سوريا. كانت الدراما السورّية، قبل الحرب، قد تحوّلت إلى ما يشبه رافعة للدراما العربيّة، ليس فقط من خلال ما تقدّمه، بلّ أيضاً من خلال رفعها لمستوى ما يقدّم في الدول الأخرى، إذ كانت تدفع صناعة الدراما العربيّة للنهوض إلى مستوى المنافسة.
عادل إمام؟ من هذا؟
2015-07-03 | هنادي سلمان
ربما كان من الأجدر أن يعود عادل إمام إلى منزله بعد «مدرسة المشاغبين»، أو بعدها بقليل، بعد عرض «شاهد ما شافش حاجة». عندها، كان قد بلغ الذروة وانتهى.
بعدها، لم يعد من قيمة لما قدّمه من افتعال، وتكرار، وتعابير في الوجه وعلى اللسان تستعيد رجلاً كان يوماً نجماً. كان.
بقي يناطح، ويستعيد، ويكرّر، ويفتعل، ويدّعي مناصرة قضايا الشعب في أعمال لم تكن ترمي إلا إلى تسفيهها، حتّى كُرّس ملكاً للكوميديا في برّ مصر، وما تجاوزها. كلّ ذلك تمّ في زمن القحط.
عربٌ وخليجيون يصلون بطائرات خاصة لمجرّد مشاهدة مسرحياته بكلّ ما تحتوي من ملل وافتعال الارتجال... والتكرار والابتذال. كأن العقل العربي غبيّ واقعاً، وإن لم يكن كذلك، فليس على عادل إمام إلا الإمعان في استغبائه.
استغبِ.. استغبِ حتّى يصدّقوا
يُحكى أنّ..
2015-02-28 | هنادي سلمان
تحكي لي خالتي، الجنوبيّة، كيف كانت تقصد صفد وعكّا لشراء مستلزمات البيت. كانت تمتطي صهوة جواد وتتّجه إلى فلسطين، وتعود في اليوم ذاته. هناك، في الجنوب، كانت العملة المتداولة هي الليرة الفلسطينيّة.
يروي لي صديقي بكري، البقاعي، أنه حين تمكّن أبوه من تحصيل مبلغ كبير من المال بفضل تجارته، سارع إلى شراء أرض، كعادة القرويين، لأنها الضمانة الوحيدة الباقية. إشترى أرضاً في غوطة دمشق.
حتّى وقت قريب، كانت أم محمود وأبناؤها يجتازون "نهر لبنان الكبير" مشياً على الأقدام لزيارة أقاربهم في الجهة الأخرى، وربّما قضاء فصل الصيف أحياناً، قبل العودة بالطريقة ذاتها إلى حيث صدف وجود منزلها.
يُحكى أنّه ذات عام، نزح عدد كبير من الفلسطينيين إلى لبنان. لجأوا إليه، هرباً ممن أشعلوا أرضهم دماراً وناراً، في انتظار عودتهم "الوشيكة". 
الحُرّة
2014-11-27 | هنادي سلمان
الحُرّة في حياتها وفي موتها.
ابنة القرية اللبنانيّة الصغيرة التي غادرتها فتاةً باسم جانيت فغالي، تعود إليها عملاقة عاشت عربيّة، حُرّة، في زمن العمالقة.
حملت براءة عينيها، ورقّة صوتها وقوّته، وإيمانها بخالقها، وبحقها بأن تكون كما تشاء أن تكون، ومشت الدرب من أوّلها حتّى القمّة.
حُرّة، شقّت طريقها التي لا تشبه طريق سواها: لم تساوم، لم تؤذِ، لم تتسلّق. أخطأت وأصابت، ومضت بثبات إلى حيث أرادت الوصول: قلوب الناس.
حرّة. تنشد في الكنائس وتغني لرمضان.
حرّة، تنتصر بصدقها على الأفكار المسبقة، والغدر، والعداء المطلق لكل «مختلف».
حُرّة وامرأة، ومحترمة جداً.
حرّة من «العيب» و«الحرام» في غير موقعهما.
غنّت لقريتها ومنها ولها، وتابعت المسيرة حتى شدت، مع زملائها للـ«الوطن الأكبر»، ومنه وله.
أحبّت الرجال وأحبوها. ولكن، لمّا سُئلت من منهم ترك أثراً أكبر في نفسها، أسمت سعيد فريحة لأنه «أعطاني ولم يأخذ منّي شيئاً».
أحبت النساء وأحببنها وتمثلّن بها، وما زلن، على امتداد أجيالٍ.
أحبّت الحياة حتّى الرمق الأخير. أحبت العائلة، لابنتها غنّت ما صار الجميع ينشدونه لأبنائهم. للوطن، للحرية، لكل من تُحبّ وما تحبّ، رفعت صوتها.
الحب، حب كثير. للناس، للأزياء، للموسيقى، للمغنى، للاختلاف، لإرساء الجديد من دون خدش الأصيل. حب كثير حتّى لمن كرهوها، وآذوها. لكنها كانت دوماً تختار أن تُحبّ.
فرحٌ، فرحٌ كثير في حياة طويلة لفّتها المآسي، إلّا انها كانت دوماً تختار أن تفرح.
توصي بالفرح دوماً. حتّى في نعيها: «... بفرح كبير .. انتقلت إلى جوار ربّها».
بالأمس ارتاحت. هي التي مشت من الجبل القريب من الساحل في بلد اسمه لبنان، وبيُسر، أوجدت لنفسها مكانة في زمن الكِبار. ومعها أوجدت مكانة لبلدها وناسه.
من الزجل في بدادون، إلى عمالقة الغناء في بيروت، وصولا إلى عمالقة الطرب في عاصمة العرب، لمّا كان لهم بعد عاصمة.
من مجرّد فتاة «خفيفة الظلّ»، مونولوجِست، إلى عملاقة بجوار السنباطي، وعبد الوهاب، وعبد الحليم، وبيرم وصلاح جاهين، وزكرّيا، وفيلمون وهبة والأخوين رحباني وزكي ناصيف...
من بدادون، إلى بيروت، فالقاهرة وصولا إلى مسرح الأولمبيا في باريس وقاعة ألبرت هول في لندن إلى مسرح كارنيغي في نيويورك ودار الأوبرا في سيدني....
فجر الأربعاء في السادس والعشرين من الشهر الحادي عشر من العام 2014، قرّرت الحرّة المولودة في العام 1927 أنّها:
«قايمه ضب تيابي ورايحه عند حبابي
مسافره ع جناح الطير تذكروني .. بغيابي]»
وهناك، في السماء التي تفتحت لاستقبالها، أحبابٌ ينتظرون ليستعيدوا العيش معها، يرددون مع الغائب الحاضر زكي ناصيف:
«أهلا بهالطله .. أهلا
أهلا بهالعين الكحلا
ضحكتلك وردات الدار ..
وقالتلك أهلا وسهلا»

] كلمات : شفيق المغربي
المزيد
جريدة اليوم
جاري التحميل