شريف الرفاعي
إقرأ للكاتب نفسه
في وداع السفير
2017-01-04 | شريف الرفاعي
ليست هزيمة هذه، إنها الأمة في أفولها.
تتوقف السفير وتسدل الستار على فصولٍ لم تنتهِ من قصتنا الممزوجة بالملح. ونتوقف معها عن اللهاث وراء مستقبلٍ لم يَعُدْ يَعِدْ.
 تعطش الشام، تغور فيجتها في الأرض ويتدفق بردى مهدوراً كدماء أهله، لا يروي ويزداد العطش. مياه الليطاني آسنة، لوثها الإهمال والفساد. النيل تعبٌ من منبعه، يضمحل على وتيرة اضمحلال سيادة دولة العرب الكبرى. الفرات يجاريه فتقام السدود غير عابئة بأهل الأرض، تحجب مياهه وتساوم الأحياء على عطشهم. قبلهم جف نهر الأردن وتملحت الأرض... وقبل الكل انهار سد مأرب، هل من يذكر بلاد مأرب؟
محاصرون في عيشنا، في مياهنا وفي بلادنا. نحترف اللوعة، ونجف مع اليباب الذي يكتسح الحواضر. يقتل بعضنا بعضه الآخر، ويرقص نصفنا جزلاً على موت نصفه
نهاية «الرئيس العادي» هولاند
2016-12-05 | شريف الرفاعي
في العام 2002، أعلن مرشح «الحزب الاشتراكي» لرئاسة الجمهورية الفرنسية ورئيس الوزراء آنذاك عن انسحابه من الحياة السياسية إثر هزيمته في الدورة الأولى للانتخابات وحلوله ثالثاً بعد مرشح اليمين المتطرف جان ماري لوبن. بعدها بفترةٍ وجيزة، أصدرت زوجته سيلفيان أغليسنسكي كتاباً عن تفاصيل تلك الفترة، قالت فيه إنها أرادت أن ترسم ملامح شخصية سياسية وأخلاقية «بعيداً عن الأنماط الكاريكاتورية السائدة»، وأن تؤكد على «استقامة الرجل وحسّه العالي بالمسؤولية واحترام وعوده». ثم أضافت: «إنها بلا شك هزيمة شخصية، لكنها أيضاً هزيمة لليسار الممزق والساذج».
بعد قرابة عقدٍ ونصف من الزمن، ينسحب الرئيس الاشتراكي فرانسوا هولاند من السباق الرئاسي المحموم قبل أن يترشح أصلاً، تاركاً اليسار الفرنسي أشد تمزقاً مقارنة بالعام 2002. والحقيقة أن أزمة اليسار الفرنسي أشد عمقاً مما يبدو، فالشخصيات التي تتصدر الواجهة لا تملك أي رصيدٍ شعبي وازن، ليس لدى المجتمع الفرنسي عامةً فحسب، إنما لدى اليسار ذاته. لا أحد يظن أن شخصيات مثل ايمانويل فالس، رئيس الوزراء الحالي، أو ماكرون، الوزير المنشق عن هولاند والذي لا يعترف بانتمائه إلى اليسار أصلاً، قادرة على إحداث مفاجأة في وجه نجم اليمين الصاعد فرانسوا فيون
الرفيق الثائر.. الرفيق الحاكم
2016-11-28 | شريف الرفاعي
ثمة «فيدلان» اثنان في شخص كاسترو: الأول هو الثائر الذي ألهب مخيلة جيل كامل وتحول إلى رمز من رموز اليسار المقاوم للولايات المتحدة والرأسمالية، والثاني هو الحاكم المستبد الذي أطال البقاء في السلطة والذي عطّل عقول معجبيه طالما كان الأول محتلاً للخيال.
أحببت الأول ولا ازال. وستبقى خطبته في الأمم المتحدة التي قرأ فيها رسالة صديقه غيفارا الذي قرر أن يبقى وفيا لذاته وللثورة هاجراً السياسة وسراديبها، وثيقة تشهد على التناقض الكبير بين السلطة والثورة، وتعلن عن البون الشاسع الذي يفصل أحلام الثائر وواقع السياسي. وكان خيار كليهما واضحاً: أن يبقى التشي شاباً يحتل مكانه في الذاكرة، وأن يشيخ الثاني في الحكم مستبدلاً بزة الثوري برداء الحاكم. والواقع أن كاسترو لم يتوقف عن أن يكون مزيجاً غريباً من الاثنين، فلا هو ينطبق عليه تعريف الثائر ولا الحاكم.
ليس من العدل تقديس فيديل كاسترو. ليس من العدل أيضا شيطنته وتحميله وزر عالم يساري كامل لم يعرف كيف يجدد نفسه. وقد تكون غلطة اليسار الجوهرية هي عدم
السنونو والسيد الوزير
2016-09-26 | شريف الرفاعي
ولا تنسوا أن تأخذوا بعين الاعتبار موسم هجرة السنونو». قالها فرانكو في الاجتماع الذي جمعنا لمناقشة خطوات تنفيذ المشروع المعماري الذي نعمل على تنفيذه في إحدى الضواحي الباريسية. للوهلة الأولى، ظننت أنه يمازحنا، لكنه أضاف بجدية لا تخلو من مكر: «هناك مجموعة من طيور السنونو استقرت بالقرب من إفريز سطح المبنى، ولا يمكن نقلها من مكانها لأنها ستهرب. وإذا تغيرت أماكن أعشاشها، فلن تتمكن من العودة إليها بعد موسم الهجرة. حينها ستلاحقنا جمعيات حماية البيئة والحيوانات. وإذا استطاعت الحصول على أمر بإيقاف الأعمال في الورشة، سيكلفنا ذلك أكثر بكثير من نفقات الحفاظ عليها».
قلتُ ممازحاً: ولكن كيف لي أن أعرف بدقة مواعيد هجرة السنونو وعودتها لأدرجها في الجدول الزمني لتنفيذ الأعمال؟
نظر فرانكو من تحت نظارتيه السميكتين في عيوني مباشرة، وأجاب بتواطؤٍ وطيبة: «لا أعتقد أنه بإمكاني تعليمك أي شيء عن الهجرة ومتاعبها... هجرة السنونو طبعاً».
لا أدري لمَ خطرت على بالي مباشرة صورة السيد الوزير وهو يتكلم بثقة عن السوريين والفلسطينيين، وعن رغبته باستثنائهم من قانون مُحتمل تمنحُ المرأة اللبنانية بموجبه حق إعطاء الجنسية اللبنانية لأولادها. قلت لنفسي: لا بد من وجود علاقة مبهمة بين الموضوعين، وإن كنت غير قادر على تحديدها بوضوح
أذكريني.. لن أنساك!
2016-09-19 | شريف الرفاعي
على طريق الربوة نزولاً باتجاه الشام، كتب مجهول على صخرة عالية تطل على مجرى بردى، «أذكريني»، وأجابت مجهولة على صخرة مقابلة: «لن أنساك».
لا أحد يعرف على وجه الدقة الرواية الحقيقية التي جعلت من الصخرتَين أحد معالم دمشق. لكن السوريين اعتادوا تأليف الحكايات أو رواية ما شاع منها، فيقولون مثلاً إن صاحب «أذكريني» كتب العبارة قبيل انتحاره، بعد رفض أهل محبوبته زواجهما، فردت الحبيبة أنها لن تنساه ثم لحقت به إلى دار الآخرة. هذه الرواية ليست الوحيدة، فهي تارة هَجَر البلد ورَحَل، وطوراً عاد إلى منزله وطواه النسيان. ومن السوريين من يغامر بكشف اسم العاشق والعشيقة. علماً أن أسمَيهما وملامحهما تتغير بحسب رغبة الراوي. هكذا كان بإمكان كل سوري أن يروج لتفسيره الخاص، وأن يضيف للحكاية لمساته.
السوريون شعب الحكاية، يحولون أمور حياتهم إلى حكايات يتداولونها لتقطيع الوقت، بينما يصطفون في طوابير الانتظار الطويلة أو ريثما ينتهون من نفث دخان نرجيلاتهم بعيداً في الهواء. السياسة حكاية، والخبر الفج يتحول سريعاً إلى حكاية. الغلاء حكاية والقهر حكايات، والحكايات قابلة للتطوير وللإضافات. لا تُروى الحكاية مرتين بالطريقة نفسها، هناك دائماً تفاصيل جديدة، تعديلات إضافية يضيفها الراوي بحذاقة
للصخور أسماء وذاكرة
2016-06-13 | شريف الرفاعي
عندما بدأ نجم أمين معلوف بالظهور في التسعينيات من القرن الماضي، أخذ بعض معارفي بالتساؤل عمن قرأ مؤلفاته، وكانوا يشيدون بالكاتب بحرارة واعجاب. وبما أنني لم أكن استسيغهم ولا أنسجم حقاً مع عالمهم فقد قررت حينها دون أي سبب مقنع، مقاطعة كتب الكاتب «الفرانكو ليبانيه».
مرت سنوات أصدر خلالها معلوف ليون الأفريقي وسمرقند، وقبلها الحروب الصليبية كما رآها العرب، وبمقدار ما ازدادت شهرته وكلام معارفي عنه، بمقدار ما ازداد تصميمي على مقاطعته.
ثم حصل أنني عدت إلى منزلي ذات يوم، وكان والدي قد اصطحب معه كتاب صخرة طانيوس ووضعه على الطاولة. وبسبب الملل أو الفضول أو لأسبابٍ أخرى أجهلها، تناولت الكتاب، فتحته، ثم حصل أيضاً أنني قرأت الجملة الأولى: «في القرية التي ولدت فيها، للصخور أسماء...».
لا أعرف ما الذي جرى بعد ذلك، ولماذ سحرتني تلك الجملة التي أعدت قراءتها عدة مرات قبل أن أنتقل الى السطر الثاني. أتذكر أن شيئاً ما توقف فجأة، شيء يشبه
عن تدمر بوجهَيْها
2015-06-06 | شريف الرفاعي
يملك تدمر، السجن، خصوصية في الذاكرة السورية، وهي خصوصية تمس بالدرجة الأولى مَن دخل إليه وعانى فيه، وبدرجة أقل حدّة بقية السوريين. يكفي أن تقول «تدمر» كي تعمل مخيلة السوري بطاقتها القصوى لتخيل هذا المبنى وما كان يتم فيه من انتهاكات، وكانت اللفظة كافية ليشعر المرء برعشة تدفعه ألا يضع نفسه في وضع يكون فيه هو نفسه السجين. الأكيد أن الذاكرة السورية يملأها الخوف من الاعتقال، لكنها بالمقابل، ابتعدت غريزياً عن التماهي مع السجين. إغفال ذاكرة المعتقل وتغييبها بالنسيان أو التجاهل، هو أسهل الحلول لدرء الخوف من السجون أو لنكران الحيز الذي تحتله في المخيلة الجمعية، «اوعك هَي فيها حبس» ينبّه السوريُّ السوريَّ الآخر لتجنيبه التورط في ما لا تحمد عقباه.
.. وتبقى فلسطين البوصلة
2014-07-14 | شريف الرفاعي
تبقى فلسطين البوصلة والقاسم المشترك الوحيد لهذه الأمة المتمزقة.

الأيام تثبت لنا يوماً بعد يوم كم هي حدودنا هشة، وكم يعوز مجتمعاتنا التماسك. لا الدين يمكنه أن يوحدنا، ولا اللغة، ولا التاريخ ولا الجغرافيا. تلك كانت أكبر وأجمل كذباتنا. ليس لدينا إجماع على أي شيء. نحن في حالة جوار عدائي مفروض بقوة الواقع. ليس من عربي حر على أرضه ولا في أرض الأشقاء. شرط حدودنا أن تبقى مغلقة في وجوه بعضنا البعض. شرط بقاء السوري في الخليج صمته وابتعاده عن الشأن العام، وشرط بقاء الفلسطيني في لبنان قبوله منة اللجوء والحفاظ على حدود المخيم لا يتركها ولا تتركه، وبات العراقي بحاجة الى بطاقة إقامة وفيزا لدخول أربيل. لعنةٌ أن تكون مصرياً في الخليج، ومغربياً في الجزائر وسورياً في كل مكان...

كل قضايانا قابلة للتأويل فلا نحن متفقون على هلال رمضان ولا على التعريفات البسيطة. منا من يناصر المستبد، ومنا من يفضل عليه العمامة وجهل القبيلة. منا من يرحب بالخليفة الجديد ومنا من يشيد الجدران للعزلة المقبلة.
يا حادي العيس...
2014-06-21 | شريف الرفاعي
يتحسس العربي رأسـه. يفاجـئه أنه لا يزال متـربعا فوق كتفيه، «مُددت حياتي يوماً آخر بقرار الهي « يقول لنفسه من دون قنـاعة. لطالما حمل حلمه في داخله، خفيفا طريا هشا. ثم أتت الثورات، فخيل اليه أنه آن للحلم أن يخرج الى الفضاء الفسيح. تردد برهة، ثم كسر خوفه وقفصه ونظر الى السماء الزرقاء، ارتفع الحلم رويداً، حائراً، متبعثراً، متعثراً. كانت سنوات الخوف لا تزال في أجنحته، تنتقص من جموحه وتربك طيرانه. لكنه التحليق، خفقات الأجنحة والقلوب، سعادة الفضاء وطعم الحرية.
تلك كانت البدايات، بدايـات جـديدة لبدايـات أقـدم لـم تصـل إلـى نهـاياتـها، كأنـه قـدر محـتوم أن نستعـيد البدايـات كلما تعذرت النهايات السعيدة. كم مـن الثورات أُجـهضت، وكم من الأحلام سُرقت في ليل التاريخ الطـويل. وفي كل مرة، يأتي من يستنجد بسـيزيف حاملا صخرته، تعبا، متسلقاً الجـبل العالي حتى مـا قبل القـمة بقليل، حتى ما قبل السقوط ، التقهقر والخذلان.
يتحسس العربي رأسه. رحمك اللـه يا غـسان! كان ذلك في الزمان البعيد، يومـها هـبط السـادات في القـدس الشريـف، متـوهجاً، باسـما. أنـت بكيت، كثيرون بكوا، فلم نكن في زمن الضرورات التي تبيح المحظورات بعد. ستكتب بعدها معتصراً الوجع: « قد يكون السادات مختبئاً في كل واحدٍ منا».
أنبيك انك أصبت نصف الحقيقة فالسادات لم يعد مضطراً للتخفي، ولم يعد العدو عدواً، لدينا ما يكفي من أعداء جلدتنا. حروبنا منا ولنا، ولا تزال
المزيد
جريدة اليوم
جاري التحميل