سليمان تقي الدين
إقرأ للكاتب نفسه
رصيدي الآن جسد لجواد أزرق جموح
2015-03-20 | سليمان تقي الدين
عصفور من الجبل دخل نافذة هذا الدير فتطلّع إليه المصلّون بمحبة، فجلس على بقايا غصن شجرة وأحسّ بالألفة وكان عليه أن يلقي التحية عليكم قبل أن يطير.
هذا الفتى هو ابن أسرة عميقة الجذور تقلّبت في المرجعتين الدينية (الروحية) والقضاء مئات السنين ثم كانت رائدة في الثقافة المدنية خاصة الأدبية، فأعطت لبنان مكتبة قلّ نظيرها في بيئة عائلة واحدة، وخاضت السياسة من باب القضايا الوطنية. لكنك إذا زرت بعقلين وغيرها من القلاع اللبنانية اليوم فستجد تحوّلات التاريخ. إن القلاع اللبنانية لم تعد شامخة كما من قبل، وستشعر برعشة ورهبة غريبة أمام بقاياها في ذاكرتك ويحضرك بيت من الشعر لسعيد عقل: «كالحصنِ دُكّ وظلَّت هيبةُ الحُصُن».
كان على الفتى أن يخوض غمار الحياة الإنسانية عندما دهمت لبنان أزمتان: حرب أهلية وانفجار المسألة الشرقية مجدداً من حوله بعودة قضية فلسطين إلى الحضور الصاخب.
في المسألة الطائفية رأيتُ التناوب التاريخي على السلطة كلما تغيرت الظروف الداخلية والخارجية. والأهم أن الطائفية السياسية ليست إلا السطح السياسي لما تختزنه الجماعات من شعور بالهوية لم يجد العالم له حلاً؛ والدليل هذا الزلزال الجاري حولنا.
الفخ الإسرائيلي
2015-01-27 | سليمان تقي الدين
نصبت إسرائيل لأعدائها فخاً كبيراً من خلال العدوان على الجولان واغتيال مجموعة من «حزب الله» بينها ضابط إيراني رفيع المستوى.
إيران الآن ليست في وارد التورط بجبهة عسكرية تؤثر على مفاوضاتها النووية وعلاقتها بالغرب. ستردّ بصورة استخباراتية أمنية كما بواسطة «حزب الله». «حزب الله» سيردّ حتماً لاعتبارات عدة لكن ضمن حسابات معقدة إن من لبنان وإن من الجولان. سوريا «استمرت في موقف تعداد عمليات العدوان» وليست في وارد فتح مواجهة لا مقوّمات لها، كما ليست في وارد تفويض جبهتها الجنوبية لأي طرف لا تستطيع السيطرة على مشروعه. إسرائيل نفسها لا تريد حرباً بل تريد ضمان حدود جبهتها الشمالية بأشكال مختلفة، وتريد بالتالي الحضور داخل «المسألة السورية» إذا كان هناك من ترتيبات لذلك.
لا نعرف كيف سيردّ «حزب الله»، ولا نعرف ما تخبئ إسرائيل من ردّ أيضاً. لدى إسرائيل طموح أو ربما فرصة لأن تخلط الأوراق في علاقة إيران بالغرب، ولديها الآن قدرة على اجتياح جزء من جنوب سوريا تقترب بذلك من دمشق وتلتف على «حزب الله» مما تعتبره الخاصرة الرخوة. ليس بالضرورة أن يكون ذلك بواسطة جيشها النظامي بل ربما بواسطة الجماعات المسلحة التي صار لها وزن وانتشار في الجولان وعلى حدود لبنان
كل بئر نفط مشروع حرب أهلية
2015-01-24 | سليمان تقي الدين
انحسر الضجيج السياسي وكذلك الحراك في ما خص البؤر المتفجرة في العراق وسوريا و «داعش». معارك موضعية على خطوط التماس نفسها لأخذ موقع من هنا وشارع من هناك. لا حديث عن تقدم عسكري لأي من الأطراف ولا حديث عما يجري داخل منطقة نفوذ «داعش» من تنظيم خاص وتركيز لشؤون الإدارة.
التفاوض الإيراني الأميركي النووي يجري بهدوء، وأقل قدر من التصريحات، لكن بتفاؤل لافت، بينما الروس الذين يتولون مبادرة بخصوص سوريا هم أنفسهم لا يرفعون سقف التوقعات عن حدود استكشاف النيات وتبادل الأفكار وضم المزيد من القوى السياسية ولو كانت غير فاعلة عسكرياً لتوسيع الإطار السياسي الذي اختنق في سوريا بين عسكر النظام وعسكر القوى الإرهابية والتكفيرية.
وإذا كانت البحرين نموذجاً صارخاً على القيود التي يفرضها الوضع الإقليمي على الوضع الداخلي فهي رغم المعاناة الطويلة للمعارضة الأكثرية لم تتورط بعد في عنف أهلي ستكون نتائجه الداخلية وتداعياته في الإقليم كبيرة جداً. ربما لهذا السبب تبدو الحالة اليمنية شكلاً من أشكال التعبير عن «المعارضات» الخليجية كلها، وخاصة تلك التي تطالب بالمساواة في الحقوق بمعزل عن المذاهب والطوائف. مع العلم أن هذا النوع من التمذهب اليمني حديث العهد وهو انشقاق داخل الكتلة المذهبية الكبرى
توسيع الجبهة أم خلط أوراق؟
2015-01-20 | سليمان تقي الدين
لم تنجح كل المحاولات على امتداد تاريخ لبنان في إعطائه هوامش استقلال فعلية عن قضية المنطقة وما يُعرَف بالصراع العربي الإسرائيلي أو «أزمة الشرق الأوسط». آخر تلك المحاولات الجدية في العام ألفين مع تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، وانسحاب القوات السورية في العام 2005 نتيجة قرار دولي بتغيير موقع لبنان وليس حماية لبنان أو توفير ضمانات له. عملياً لم يكن القرار 1559 منفصلاً عن نتائج الاحتلال الأميركي للعراق والرغبة الأميركية في التغيير، أقله «سلوك النظام» في سوريا. ولم تنجح حرب تموز 2006 في التمهيد لصياغة نظام إقليمي من دون هذا الارتباط السوري ـ الفلسطيني ـ اللبناني.
مع انفجار الأزمة السورية مطلع العام 2011 كانت هناك سيناريوهات أو احتمالات عدة لتطورها ونتائجها، وليس صحيحاً أن ما آلت إليه هو القانون الموضوعي. فالصراعات دائماً تنتج أموراً مختلفة عن توقعات الفاعلين فيها. وفي جانب العلاقات اللبنانية السورية لم تكن خيارات الفرقاء حتمية من حيث أشكال تدخلهم، لكن ربما كان من السذاجة أيضاً افتراض الحياد وعدم التدخل ومن خلال قوى لديها شبكة العلاقات الواسعة والمتشعبة مادياً وسياسياً وبعد عشر سنوات تقريباً من الصراع الداخلي اللبناني حول العلاقة بسوريا
لبنان يستحق البقاء
2015-01-17 | سليمان تقي الدين
إذا كان الحوار بين بعض الأطراف الأساسيين يعكس مستوى التفكير الرائج في الوسائل الإعلامية عن شؤون المنطقة، فإن النتائج لن تكون مرضية. هناك لغة من التأكيدات لا زالت سائدة عن وضع اجتمعت فيه كل تناقضات العالم، ومنطقة نفضت عنها كل التسميات والتوصيفات والانطباعات لتدخل في خليط عجيب من المشكلات والنزاعات. فالإقرار بالواقع وفهمه فهماً ملموساً بدون إسقاطات رغبوية عليه هو شرط للتعامل الفعال والصحيح معه. فلكم سمعنا من التحليلات التي تنتمي لوجهتي الصراع وفيها هزيمة المشروع الأميركي وانتصار المشروع الإيراني، وعن عالم بدأ يتشكل وفق قواعد جديدة تعددية متوازنة، وتبخيس للخسائر في هذه الجهة وتعظيمها في تلك. ولهذه اللافتات نقيضها، إلى أن دخلنا اليوم في واقع يصعب على اللاعبين الكبار الإحاطة به وبتعقيداته. لسنا في أوضاع تسمح لنا بتبسيط الأمور والتعامل معها «بالشلف» والتعميم وأحياناً كثيرة بخفة المكابرين.
ما زلنا في عالم يمارس الغرب فيه هجومه لفرض أوسع هيمنة وتعميمها، ولديه من الإمكانات ما ليس لدى سواه في المدى المنظور. هو يغيّر ويبدّل في وسائله وأساليبه لكنه لم يرفع راية الشراكة والإدارة العادلة بين القوى والمصالح.
وهناك منطقة أصبحت تسمى «الشرق الأوسط» لضعف الدور العربي فيها، تعاني منذ عقود مشكلات في ما بين أطرافها أبعد بكثير مما هو مع الخارج، وتذهب في الحفاظ على منظومتها التقليدية لترسم حدود هويتها ولتحافظ على سلطان حكامها، وتدرك أنها مجرد وكيلة للمصالح الدولية الكبرى التي تمسك بأمنها وبمقدراتها. ضعفت شرعية حكامها كما ضاقت احتمالات شعوبها على قبول هذا النموذج من الحكم في زمن العولمة، كما خرجت منها تيارات سياسية نمت في ظلامية الاستبداد وحملت أحقاداً غليلة عن كل أشكال الفوارق والاختلافات، واستعانت بكل جهة أو قوة تساعدها على الوصول إلى الحكم أو التمكين لها من أشكال السلطة.
فشلت الحداثة في أن تغيّر بنية المجتمعات العربية، كما فشلت الأنظمة في دمجها على أساس التصور الإيديولوجي وليس الاجتماعي الحقيقي. فحين دبّت الفوضى اثر انهيار هيبة السلطة انفرزت المجتمعات على ما هو دوائر أقرب إلى التماسك التقليدي منه إلى أي تصور تغييري مدني وطني. فللعشائر والطوائف والإثنيات والقوميات وجود وحضور فعال، ولمعظمها تاريخ من التنازع والتنابذ يرقى إلى زمن بعيد.
وجاءت المداخلات الخارجية وحجم الدعم المقدم لتحقيق أهداف الخارج والعنف الذي انتشر وتجذر، والفوضى التي عمّت والمخاوف والهواجس الوجودية وغيرها من العناصر لتجعل السنوات الأربع زلزلة متواصلة لكل هياكل هذا البناء العربي. وليس أدل على استمرار هذا التخلّع من الظاهرة التي غيّرت وجه المنطقة فعلاً وعمّقت تعميقاً ملحوظاً الصراع الطائفي التكفيري، وأنشأت معطيات لا تقوى دول المنطقة على تغييرها ولا يريد العالم أن يضحى بها من دون ثمن مقابل من خصومها.
لذلك حين نفكر بلبنان نعرف أن ما كان قبل أربع سنوات ليس كما بعده من تغيير في الاستراتيجيات والأولويات ومن طبيعة القوى التي كانت محكومة بأن تتصرف كما تصرفت تجاه الأزمة السورية، إما بطبيعة ارتباطاتها وإما بطبيعة مكوّناتها الطائفية، وصار علينا أن نطرح أولويات مختلفة لحماية لبنان بالحد الأدنى من الحريق السوري المستمر لزمن غير قليل، استجابة لكل هذه التناقضات المحيطة فيه واللاعبين من خارج. لقد أصبح تصور المنطقة وقد استعادت شخصيتها السابقة ضرباً من الخيال في دولها وكياناتها وأنظمتها. ولم يعد لبنان دولة صغيرة وضعيفة يتكل على دولة شقيقة جارة وقوية. فما هو موجود في لبنان حالياً ما زال يشكل مادة لبناء مشروع وطني لبناني قبل أن تتسع عدوى الإرهاب وفاعليته وتكبر خصوماته ويكثر غير العابئين به، لا حباً به بل نكاية بالآخر. إن منطق الشراكة المنظمة التي كان لبنان سباقاً إلى بناء نظامه عليها ولو انتكس بسوء إدارة القيّمين على الشأن العام هو رصيد يُبنى عليه خارج هذه الأنانيات السياسية.
لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى نموذج وضرورة من حيث هو بلد التنوع والتعدد والتعايش برغم الكثير من الشوائب والثغرات التي جاءته بمعظمها من محيطه، بدءاً بالنموذج الإسرائيلي النقيض وانتهاءً بحركات الإسلام السياسي وإفرازاته التكفيرية الإلغائية. إن الوجه السلبي للسياسة اللبنانية الذي تفاقم في العقود الأخيرة ليس بعيداً عن محاولة استتباع البلد للخارج وتمكين قوى ذات إمكانات هائلة لإفساد نظام العلاقات الاجتماعية. وبرغم هذا المستوى الخطير من سلوكيات الطبقة الحاكمة على هذا الصعيد فما زال الأمل بإنقاذ القيمة التفاضلية للبنان كبلد يتداول السلطة ويكرّس تعدد مواقعها ولديه آليات سياسية سلمية لحل مشكلاتها. هذا هو الذي يرجوه اللبنانيون الآن قبل أن يصبح جزءاً من دائرة العنف التي تلغي قيمته التاريخية وتحكم على مواطنيه بالبحث عن بديل.
تعدّد مهمات
2015-01-13 | سليمان تقي الدين
إذا كان الإرهاب على ما وصفته شخصيات «الصف الأول» بوحشيته ومخاطره، بعد جريمة جبل محسن، فلماذا لا تكون مبادرة لوضع خطة وطنية لمجابهة هذا الخطر القائم إذا كان مستورداً أو من منشأ لبناني؟ نحن نتوجه إلى السادة أصحاب القرار والفاعلية الذين ملأوا الشاشات إدانة واستنكاراً.
هم أصحاب السلطة الدينية والسياسية والاقتصادية والثقافية وهم مسؤولون عن كل الظواهر الاجتماعية التي ما زالت في بداياتها قياساً على ما هو حاصل حولنا. لا نحتاج أن نتوقع نتائج الإرهاب فهي ماثلة أمامنا على امتداد العالم. طبعاً ليس الإسلام هو الإرهاب، ولكن الإرهاب هو في الإسلام ظاهرة عالمية لنا أن نفسره ولا نبرره. بشكل أو بآخر هو غياب نموذج إنساني على مستوى المجتمعات وعلى مستويات الدول.
أما العلاقة بين المسلمين والغرب ففيها الكثير من الصفحات الصدامية والدموية، إلا أن الحاضر وحده يكفي ليخرجها من دائرة الحوار الإيجابي إلى دائرة الصدام السلبي من قضايا العرب في فلسطين والعراق واليمن وليبيا وسوريا ولبنان وغيرها.
يحتاج الغرب إلى تظاهرة بحجم وطبيعة تظاهرة باريس استنكاراً لعمل إرهابي كامل المواصفات والعدوانية. وكذلك يحتاج الأمر إلى مؤتمر دولي دعت إليه الولايات المتحدة،
متى نطلق المواجهة العامة؟
2015-01-10 | سليمان تقي الدين
تتصاعد تدريجياً لهجة الخطاب الإيراني ضد أميركا والغرب نتيجة الخداع الديبلوماسي وعدم توقيع الاتفاق النووي. هناك شبه إجماع عالمي على أن الأمور التقنية لم تكن عائقاً أمام هذا الاتفاق. هناك ابتزاز أميركي لإيران، وهناك مراعاة لمصالح حلفاء الغرب، وهناك عدم الثقة طبعاً واستمرار إيران بهجومها السياسي في قضايا المنطقة ومشكلاتها. ولا يريد الغرب بالتأكيد الانفراج لإيران بحيث تزيد من نشر نفوذها السياسي والعسكري. فترة الستة الأشهر لتمديد المفاوضات عملياً هي لترتيب ملفات أخرى من اليمن إلى البحرين ومن العراق إلى سوريا.
لكن اللافت ان الحرب على «الإرهاب» تراجع ضجيجها برغم وقوع أحداث في فرنسا وغيرها والاستنفار الأمني المؤكد في الغرب. أما «داعش» فيعلن باستمرار عن انضمام العديد من المجموعات «الجهادية السلفية» في أكثر من بلد عربي وليس هناك من متابعة جدية على مستوى هذه التحديات.
لم يعد مهماً الآن من أطلق «داعش» بل المهم كيف يُستخدم وما هي الطموحات التي بدأ يكشف عنها وتمتد تجاه دول أخرى. هذه البرودة الغربية ليست ارتباكاً كما نظن بل هي منهجية لجعل المنطقة تفرغ كل مشكلاتها وقضاياها وتوازناتها لتصل إلى الإنهاك الشامل. دول الخليج النفطية تدفع ثمن المواجهة الاقتصادية كما تدفع إيران وروسيا. ومصر الآن لا تتنفس الصعداء للتعامل مع أمنها القومي على مستوى أبعد من الإرهاب، فضلاً عن مشكلاتها الاقتصادية. والعراق أصبح ثلاث دوائر مختلفة للهموم، واليمن أسس ليس فقط للفوضى بل كذلك لخلق جبهة جديدة للمملكة العربية السعودية. أما فلسطين التي تعود بزخم إلى الرأي العام الدولي فتزيد العقوبات والحصار على شعبها لتجويف إمكانية صمودها وانشغال العرب عنها بمشكلاتهم الخاصة. استبشرنا خيراً بردة الفعل العربية من مواقع مختلفة وشاملة على «الإرهاب» وتوقعنا أو أملنا أن يتحول إلى «صحوة حقيقية» باعتباره يخص مجتمعاتنا قبل الآخرين، وباعتبار التجارب السابقة ومنها «القاعدة» كيف يمكن ان تأخذ مسالك خارج السياق الذي تمت رعايتها فيه. لكن مركز الثقل في النشاط الفكري صدر ويصدر عن جهات ليست لها شرعية الآخرين وفاعليتهم لمواجهة هذا الزلزال الذي يضرب المناخ الإسلامي العام ببيئته الأكثرية، هناك تحوير كبير للأزمة حين تصبح «القاعدة» في حرب مع الحوثيين، أو إيران وأذرعها هي الطرف القتالي دون سواها. أو ان تكون «أقليات» أخرى هي التي تتصدر المشهد العسكري أو السياسي.
إذا اعترفنا بأن الأزمة في الإسلام السياسي بتشعباته وتراكماته التاريخية وإعادة إنتاجه في مجتمعات مغلقة، فإن مسؤولية الغرب تبقى غير مباشرة عن استخدام هذه التناقضات بينما المسؤولية الفعلية والرئيسية على العرب والمسلمين المعنيين باجتماعهم السياسي. ولقد بات مؤكداً أن هذه الظاهرة لا تعالج فقط على المستوى الأمني والعسكري بل من خلال إعادة بناء الوعي العربي والإسلامي بالمشكلات التي يعاني منها ووسائل حلها. في المدى المنظور العرب والمسلمون والغرب ما زالوا يتعاملون مع «الإرهاب» كشذوذ أفرزته ظروف مختلفة. أما حاجة الغرب فهي إلى حد بعيد محدودة في التدابير الأمنية المتشددة وفي تبرير تدخله وسياساته المعادية للعرب والمسلمين. أما المسلمون فالمسألة بالنسبة لهم بحجم إعادة تكوين عيشهم وحياتهم وأمنهم واستقرارهم وتقدمهم الاجتماعي. ولأن المسألة بهذا الحجم ولم تزلزل الوعي العربي بالقدر اللازم، فإنها ستظل جزءاً من النزاعات العربية والإسلامية ويظل التعامل التكتيكي مسيطراً بينما يتغلغل الإرهاب والإسلام السياسي الذي يستظل به إلى زمن طويل. وإذا كان يصعب في هذه الظروف توقع عمل عربي مشترك، فلا أقل من أن تنهض القوى المعنية بهذه المواجهة بحلول لبلدان ما زالت تتوافر فيها القوى المدنية وتنشئ جبهات واسعة لمكافحة هذه الثقافة الظلامية.
لا الماضي أزحناه ولا المستقبل نبنيه
2015-01-06 | سليمان تقي الدين
لم تأخذ سنة 2014 ملفاتها السوداء معها، بل هي وضعتها في خانة الديون، حتى تلك الدول التي يغطي النفط معظم احتياجاتها بعد أن قررت إدخاله في المنازلة السياسية الكبرى. «الإسلام والنفط»، كما يقول أهل الجزيرة العربية، هما «الهبة التي يمتلكونها» تَحَوَّلا إلى العبء الأكبر اليوم.
كلاهما، الإسلام والنفط، صارا من عناصر هذه الفوضى العربية الاستثنائية في تدميرها لمنجزات العرب، والمنجز البشري قبل الحضارة المادية. أما دعاة «الرسالة الخالدة» فهم شركاء في حفلة التدمير الذاتي حيث سقطت الرسالة واحتفظوا بالسلطة دون سواها من عناصر قوتهم.
أشرف الحريق العربي على ولوج عتبة سنته الخامسة ولا أحد يستطيع الادعاء أنه يحاصر هذا الحريق. المشكلات هي نفسها والفاعلون هم أنفسهم في الداخل والخارج. تبقى بلاد الرافدين والشام تكرر أخبارها اليومية في القتل والتدمير.
بارقة الأمل التي حاولت إطلاقَها «الأفكارُ الروسية» لما يُسمى «الحل السياسي» في سوريا دونها الكثير من العقبات وفي المقدمة القوى المعنية بوقف العنف. أما الهَبَّةُ المفترضة في وجه الإرهاب و «داعش» بشكل خاص فلا أثر لها بعد في الميدان لا من حيث الهجوم المعاكس ولا من حيث «المؤتمرات» الفكرية التي يجب أن تحسم في
أين هي الحرب الباردة؟
2014-12-16 | سليمان تقي الدين
يعيش العالم العربي على المستوى الجيوسياسي إحدى نتائج نهاية «الحرب الباردة» وليس تجدّدها. منذ أواسط الثمانينيات من القرن الماضي كان النفوذ السوفياتي قد انحسر إلى أبعد حد في المنطقة ولا سيما في الدول ذات التوجه القومي. اجتاح الغرب المنطقة العربية ومحيطها وهو يلفّها الآن بالنفوذ السياسي والاقتصادي والقواعد العسكرية. باستثناء سوريا لم ترث روسيا نفوذاً ملموساً ولا حتى علاقات مميزة على مستوى تصدير السلاح وهو السلعة شبه الوحيدة التي يمكن أن تقدّمها. ما سمّي «الحرب الباردة» أو الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي بعد الحرب العالمية الثانية كان يستند إلى معطيات عدة يصعُب توفرها اليوم. من جهة كانت روسيا قد خرجت من الحرب منتصرة على النازية في أوروبا وقد احتلت أوروبا الشرقية مباشرة أو بواسطة حركات المقاومة اليسارية، وأنشأت حلفاً عسكرياً ضخماً بعيداً عن المدى الجغرافي الأميركي، كما رعت حركات تحرر وطني في العالم الثالث أدّت إلى إنهاء الاستعمار الأوروبي القديم. ومن جهة ثانية امتلكت أيديولوجية تحرّرية جذبت ملايين البشر ونشأت من حولها أقوى الحركات السياسية واستطاعت أن تقدم المساعدات المادية وأَوَد هذه الثورات ولا سيما السلاح، كما قدمت نموذجاً للتنمية والبناء الاقتصادي المستقل ساعد على الصمود ولو فشل أخيراً في ميدان المنافسة. خرجت أميركا من الحرب الثانية كمنتصر أول وكقوة عسكرية واقتصادية أولى وحملت راية الدفاع عن «العالم الحر». ثم انتصرت في «الحرب الباردة» بإعلان انهيار المعسكر الاشتراكي ليس فقط كقوة مادية بل كنموذج للتنافس بين نظامين اجتماعيين.
المزيد
جريدة اليوم
جاري التحميل