زكي بيضون
إقرأ للكاتب نفسه
«حين أصبح عالمنا مسيحياً» لبول فاين: التاريخ كمصادفة
2016-02-15 | زكي بيضون
في كتابه «حين أصبح عالمنا مسيحياً»، يدافع المؤرخ الفرنسي البارز بول فاين عن طرح قليل الشعبية بين المؤرخين، وهو الدور الجذري الذي تلعبه المصادفات والنزوات الشخصية في مسار التاريخ. هو يسلط الضوء تحديداً على الدور الهائل الذي لعبته في حدث ولادة العالم المسيحي من رحم الإمبراطورية الرومانية.
بنظره، لم تكن هذه الولادة ممكنة لولا حدث غير متوقع تمثل باعتناق الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول للمسيحية وعمله الحثيث من أجل نشر المسيحية في أرجاء الإمبراطورية، وهذا الخيار لا يمكن فهمه، من وجهة نظر غير المؤمن، إلا بوصفه نزوة شخصية، فهو كان مخالفاً لمصالح الإمبراطور السياسية ولمصالح السلطة التي يمثلها. كان عدد المسيحيين يتراوح وقتها بين 5 % و10% من سكان الإمبراطورية وكانوا موضع ارتياب وخشية من قبل السلطات كما من قبل الغالبية الوثنية.
لم تكن الوثنية ديناً أو عقيدة بقدر ما كانت مجموعة غير منتظمة من المعتقدات والخرافات الشعبية، والخلاف بينها وبين المسيحية لم يكن بين ديانتين بقدر ما كان بين مفهومين متباينين جذرياً للحيز الديني ولعلاقته بالحيز العام. كان القانون الروماني الوثني يكفل حرية الضمير والعبادة ومع كل أراض جديدة تُضَم إلى الإمبراطورية كان يتم
أود دو كيروس تميط اللثام عن أكذوبة الفن المعاصر
2016-02-11 | زكي بيضون
هل الفن المفهومي هو الفن المعاصر وما الذي يجعل منه كذلك، هل هي أسباب فنية أو مالية
في كتابها الأخير «غش الفن المعاصر»، تواصل الرسامة والغرافيتية والناقدة الفنية الفرنسية أود دو كيروس (De Kerros) حملتها على الفن المعاصر. من الواجب التوضيح أن مصطلح «الفن المعاصر» لا يحيل هنا إلى الحقبة الفنية المعاصرة بقدر ما يحيل إلى مدرسة فنية معاصرة ومهيمنة تتسمى بهذا الإسم وتسعى من خلاله لاحتكار صفة المعاصرة. كما تشرح لنا دو كيروس، ظهر الفن المعاصر في خضم الحرب الباردة تحت تسمية التيار الأفهومي الذي ينطلق من مقاربة مارسيل دو شان، وفرض نفسه على الصعيد المؤسساتي والمالي سنة 1960 في نيويورك لأسباب عدة أهمها قابليته الكبيرة للاستخدام السياسي. بنظر دو كيروس، إن كان التيار الأفهومي على قطيعة كاملة مع الفن الحداثي بمختلف تياراته، فذلك لأنه يخرج من دائرة الفن أساساً. ذلك أن الفن هو لغة جمالية ومستقلة عن اللغة الشفهية، ويفترض به أن يقول شيئاً مغايراً وبطريقة مغايرة عمّا تقوله الكلمات، في حين أن التيار الأفهومي ينطلق من الكلمات التي تشكل مضمونه الفعلي، وما يبقى ليس سوى ملحقات شكلية. لكن ابتداءً من 1975، ولأسباب سياسية، ستُطلق على التيار الأفهومي تسمية الفن المعاصر التي تنفي صفة المعاصرة عن التيارات الأخرى. في العالم أجمع، كانت أضرار صعود الفن المعاصر
التعددية الغربية أمام لعنة ابن خلدون
2016-01-29 | زكي بيضون
العصبية هي أساس النظرية الخلدونية في الاجتماع ولكن العصبيات الشرقية عملت بخلاف المنطق الخلدوني. فالعقلية الكونفوشيوسية استطاعت أن تهضم كل العصبيات بينما سادت الغرب عنصرية الرجل الأبيض، وبعد ذلك سادت العصبية القومية واليوم ترتفع أصوات غربية تعيد شياطين العصبيات مخترقة بذلك النموذج الديموقراطي التعددي

تكشف لنا القراءة المتعمقة لإبن خلدون بأنه يرجع كل هويات الجماعة، على غرار الأمم والطوائف وجماهير فرق الفوتبول وغيرها، إلى عصبية أو رابط الدم الأصلي بين أفراد القبيلة. بنظره، كل هذه الهويات ليست سوى أشكال معمَّمة لعصبية الدم وأقنعة معقلنة لها، بحيث لا تكون الجماعة المفكَّرة أو المتخيلة سوى تهويم يجد جذوره في الجماعة الأصلية التي يجمعها الدم والرحم.
ليست العصبية الإبن خلدونية مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هي بالأحرى المبدأ الدينامي الأول للإجتماع البشري، هي أشبه بقوة أو طاقة جذب تدفع أبناء كل بطن من بطو
"شلال يتدفق في نفسه" كتبته وأنا نائم
2015-11-27 | زكي بيضون
هذا الكتاب لا يقول سوى نفسه، انه من أربع أقاصيص غرائبية تنشق فيها الأقاصيص الثلاث الأخيرة عن الاقصوصة الأولى ويبدو الكتاب وكأنه رأس هرم الكتاب الأكبر الذي كتبه وهو نائم.
يصدر لي قريباً في معرض بيروت العربي للكتاب كتاب أقاصيص غرائبية جديد يحمل عنوان "شلال يتدفق في نفسه". طالما صعب علي أن أتكلم عن عملي. هذا لا يعني انني لا أحكم على ما أكتبه. على العكس، أنا أراجع قصصي وقصائدي وأعدلها مراراً وتكراراً، وأستمر بشدّ البراغي إلى أن يتراءى لي بأن النص لم يعد يحتمل ضغطاً إضافياً. لكنني لا أجد ما أقوله عن النص الناجز بعد انتهائه. الواقع أنني، ومن وجهة نظري الجوانية، أشعر بأن نصي لا يقول سوى نفسه، وكل قول إضافي يبدو لي تلفيقاً وخيانة لهذه الحقيقة الشخصية. كما أنني، وبسبب تخصصي في الفلسفة بالذات، أميز أكثر من غيري بين القول الفلسفي والقول الأدبي وأحرص على أن لا أقول في نصوصي الأدبية إلا ما لا يسعني قوله في صيغة أخرى أكثر وضوحاً. يقول الفيلسوف فتغنشتاين بأن اللغة هي تقنية أوّلاً، وككل تقنية، يتعذر شرح أسسها الأولى إلا بالممارسة. أعتقد أن ذلك ينطبق على الأدب ويشرح إلى حد ما معضلتي مع كتاباتي: من من
السلف العربي الصالح و"القومياتية"
2015-11-09 | زكي بيضون
إذا كان المتابعون العرب يتفقون على العلاقة السببية بين إخفاق الحركات القومية العلمانية وازدهار الإسلام السياسي في العالم العربي، فهم غالباً ما يتجاهلون القرابة الإيديولوجية العميقة بين المنظومتين. على عكس القومياتية التركية التي أجرت قطيعة مع التاريخ الإسلامي والعثماني واخترعت عرقاً تركياً، قامت "القومياتية" العربية منذ البداية على تعريب تاريخ الإسلام وإعادة كتابته بصفته تاريخاً قومياً عربياً (راجع هنري لورنس، "شرقيات 3"). في كتابه الشهير "الشخصية المحمدية أو حل اللّغز المقدس"، يأخذ معروف الرصافي هذه المقاربة إلى أقصاها. هو يجعل من نبي الإسلام أتاتورك العرب و يستكمل بذلك العودة إلى السلف العربي الصالح بعد تنقية تاريخ الإسلام من المكونات اليهودية والفارسية الدخيلة التي لم تنوجد عملياً كهويات قومية إلا في العصر الحديث. المفارقة هي أن الأحاديث ومقاطع السيرة النبوية التي يستند إليها الرصافي هي ذاتها تقريباً تلك التي تستشهد بها اليوم السلفية الجهادية، وهو تفصيل لم يستوقف كثيراً النقاد العرب الذين تناولوا الكتاب إثر صدوره عن دار الجمل سنة 2001. في أحد الفصول الأكثر كوميدية،  يكتشف الرصافي بأن عم
النشرة
2015-01-15 | زكي بيضون
استيقظ عند المساء. البارحة حصلت مجزرة شارلي إيبدو. لم أستطع النوم وأنا أتابع التطورات وأحسب التبعات. ما إن أستيقظ حتى تعود الطاحونة للدوران في رأسي. فجأة أشعر بالجوع، ينتابني جوعٌ عفوي ومهدئ يعيدني إلى جسمي، يمكن حتى القول اه جوع لذيذ. وأنا أنزل الدرج، أستنتج أن كل جيراني مسمرون أمام التلفاز. وأنا أمشي بالشارع المقفر، أظل أسمع صوت نشرة أخبار (BFMTV) يعلو من الطوابق الأولى والأرضية، من دون أن يشوش عليه أي صوت آخر، يمكنني حتى متابعة النشرة وأنا أمشي. الناس أخلت الشارع للشرطة والإرهابيين وباريس كلها صارت نشرة. ألاحظ أن المطعم اللبناني أسدل الستارة قليلاً ليحجب هوية مطعمه. قد يكون، على غرار معظم اللبنانيين في باريس، مناصراً لليمين ومعادياً للهجرة ويفعل كل ما بوسعه للتمايز عن المهاجرين المغاربة الأقل حظاً منه. لكنه ساعة الحقيقة، أسدل الستارة. أتوجه إلى المقهي/المطعم الطلابي. هناك ألتقي بمعرفة قديمة. يبدو مخضوضاً بسبب الأحداث. أبذل جهداً استثنائياً لأضعه موضع ثقة وأنتزع الكلمات من فمه. يخبرني عن الجو في الضاحية حيث يعمل مع فرنسيين متحدرين من أصول مغربية، عن زميل له قال «هذا محزن، لكن حين نبالغ بانتقاد الناس، علينا أن نتوقع رد فعلٍ كهذا»، وعن آخر وصف حضور البوليس في الضاحية بالاستفزاز. يخبرني أن استياءه من طغيان الخوف من رد الفعل على نفوس زملائه، من دون أن يبدوا معنيين كفاية بفداحة الفعل نفسه. أجيبه بأنني أشاركه استياءه وقلقه حيال عقلية كهذه. الشاب يساري، وطاحونة الأفكار والمشاعر المتناقضة تدور أيضاً في رأسه، وإن من موقع مختلف. أخرج وأعود إلى التنزه، اشاهد سيارة شرطة تقترب فأمد يدي إلى جيبي لأتأكد من أنني لم أنس بطاقة إقامتي. السيارة تمر بجانبي من دون أن تعيرني انتباهاً. أبتعد عن المباني السكنية وأقترب من ضفاف السين. أجلس على مقعد رطب بعض الشيء، أغمض عيني وأصغي إلى خرير المياه الذي يبدو نقياً كما لو كان يصدر عن نهرٍ جبلي. من حسن الحظ أنني لا أملك تلفازاً، وإلا كنت سأكون في عين العاصفة على غرار جيراني المسمرين أمام الشاشة. أظل أسمع صدى النشرة من بعيد وأفكر أنني في النشرة.
زكي بيضون
«نادي ريو» فيلم لون شيرفيغ : الوجه البشع للنخب الغربية
2015-01-10 | زكي بيضون
تعرض الصالات الفرنسية حالياً فيلم «نادي ريو» للمخرجة الدانماركية لون شيرفيغ الذي يسلط المجهر على ظاهرة النوادي المغلقة (الأخويات) المنتشرة بشدة في الجامعات والمدارس النخبوية الأوروبية والأميركية. على عكس ما توحي به دراماتيكية الأحداث، الفيلم لا يروي قصة خيالية أو مستبعدة، بل يعالج واقعاً ينافس الخيال وتشهد عليه سوابق عديدة. هذه النوادي والمجتمعات المغلقة موجودة فعلاً وعمرها من عمر الأرستقراطيات الغربية والبورجوازيات التي ورثتها. الفيلم يبدأ مع قدوم تلميذَين جديدَين إلى جامعة أوكسفورد، مايلز وأليستير. كونهما من أبناء عائلات فاحشة الثراء ومن متخرجي مدارس مرموقة، تتم دعوتهما للانضمام إلى نادي ريو النخبوي القائم منذ ثلاثة قرون والذي لا يضم أبداً أكثر من عشرة أعضاء مفترض أن يمثلوا أبناء العائلات الأكثر ثراءً ونفوذاً في الجامعة. لكن للفوز بعضوية النادي، الدعوة وحدها لا تكفي، بل على المرشحين أن يجتازوا الاختبارات المذلة المعتادة في هذا النوع من النوادي التي قد تصل إلى شرب البول وأكل البراز. اللافت أن هذا النوع من الممارسات التلقينية، مع الأعضاء الجدد، نجده كذلك لدى العصابات، وفي الحالتَين وظيفته الاجتماعية السيكولوجية تكمن في دفع القادم الجديد، من خلال الإذلال الطوعي للذات، إلى التخلي عن كل استقلالية أو نزوع فردي ووهب نفسه للجماعة والذوبان فيها. منذ اللحظة الأولى، يبدو الفرق واضحاً بين طباع مايلز وأليستير. مايلز لطيف المعشر، يلتقي بفتاة من أصول متواضعة ويغرم بها، بينما أليستير متعجرف، متنمر وعنيف. الثاني هو الأسوأ في المجموعة، بينما الأول هو الأقل سوءاً. أليستير يجد مكانه بسهولة في ديناميكية المجموعة العنيفة ويضخ فيها عنفاً إضافياً، بينما مايلز يحاول عبثاً مقاومة هذه الديناميكية التي تنتهي بأن تجرفه. باستثناء مايلز، كل أعضاء النادي هم شبان مدللون وفاسدون إلى أقسى حد، يعتقدون أن كل شيء مباح لهم بفضل أموال ونفوذ عائلاتهم، ويحتقرون ويعاملون بجلافة واستعلاء كلَّ من لا ينتمي إلى طبقتهم. يحجز الأعضاء طاولة خاصة في مطعم ريفي بعيد عن اوكسفورد لانتخاب رئيسهم الجديد. يطلبون عشاءً ملكيا، يشربون الكحول بإسراف، ويرفقونها بكل أنواع المخدرات، «يُهَشِّلون» الزبائنَ بسبب الجلبة التي يحدثونها، يتعاملون بشكلٍ مهينٍ مع النادلة وصاحب المطعم، وحين يطلب منهم هذا الأخير الرحيل يسكتونه بالشيكات. يطلبون عاهرة تعجز عن تحمل فظاظتهم فتغادر. يأخذ أليستير تلفون مايلز في غفلة عنه ويبعث برسالة إلى صديقة هذا الأخير طالباً منها المجيء. حين تحضر صديقة مايلز، معتقدةً أنه دعاها، يتفنن أفراد المجموعة بإذلالها، ويجد مايلز نفسه ممزقاً بين ولائه للمجموعة النخبوية وصديقته ذي الأصول المتواضعة، ولا يحسم قراره بالدفاع عنها إلا بعد فوات الأوان. لاحقاً، يتسلون بتحطيم المطعم، وحين يعترض صاحب المكان، يُبْرِحونه ضرباً ويحطم أليستير رأسه بعصا بايسبول. يطلب مايلز الإسعاف وينجو الرجل من الموت بأعجوبة، لكن مع إعاقات وعاهات لمدى الحياة. لاحقاً، على الرغم من كل ما ارتكبوه، يفلت الجناة من المحاسبة بسبب أموال ونفوذ عائلاتهم وكفاءة محاميهم . تشدد المخرجة على أن الفيلم ينقل الواقع بأمانة، وأن أحداثه تمكن مقارنتها مع مئات الاعتداءات المماثلة التي ارتكبتها النخب «الأكاديمية» وأفلت أصحابها من أية محاسبة. يظهر واضحاً، في الفيلم، أن الظاهرة تتجاوز طيش الشباب؛ لهذه النوادي والأخويات وظيفة اجتماعية تلقينية تهدف إلى ترسيخ الوعي الطبقي لدى أبناء النخب الرأسمالية، وإلى تلقينهم قيم التمايز والولاء والتكاتف الطبقي التي ترتكز عليها امتيازات وسلطة تلك النخب. باختصار، إن كنا في أسفل السلم الاجتماعي نجد الخارجين عن القانون، ففي أعلى السلم نجد من هم فوق القانون.
الصهيونية المزعومة لفيلم ريدلي سكوت
2015-01-08 | زكي بيضون
ليس قرار منع فيلم «الخروج: آلهة وملوك» لريدلي سكوت في بلد مسلم محافظ مثل مصر أمراً مفاجئاً بحد ذاته، لكن المفارقة العجيبة تكمن في التخريجة القومية الحداثية التي لجأ إليها وزير الثقافة جابر عصفور لتبرير المنع. بحسب معاليه، «هذا الفيلم صهيوني بامتياز فهو يعرض التاريخ من وجهة النظر الصهيونية ويتضمن تزييفاً للوقائع التاريخية لهذا تقرر منع عرضه في مصر».
يزعم معاليه أن القرار اتخذ بناءً على توصية أستاذين جامعيين مختصين في التاريخ. لنتوقف أولاً عند مفارقة تحكيم المؤرخين وعلماء الآثار في فيلم يتناول ملحمة توراتية مستعادة في القرآن مع فوارق ضئيلة، وذلك حينما يتعلق الأمر ببلد وثقافة يتصديان بعنف لأي معاينة تأريخية للموروث والمروي الديني (الأمثلة عديدة من طه الحسين إلى نصر حامد أبو زيد).
في ما يخص موضوع الفيلم بالتحديد، مؤرخو التاريخ اليهودي المكرَّسون غربياً وعالمياً، من أمثال اسرائيل فنكلشتاين، يجزمون بأن قصة استعباد اليهود في مصر وخروجهم منها هي خرافة توراتية ليس لها أي سند تاريخي. هل معاليه مستعد للسماح بعرض فيلم يصادق على هذه الحقيقة التاريخية (على الأقل بنظر أهل
فيلم «العودة إلى البيت» وجوه ثلاثة متداخلة في التاريخ الصيني
2015-01-06 | زكي بيضون
تعرض الصالات الفرنسية حالياً فيلم «العودة إلى البيت» للمخرج الصيني تسانغ ييمو، المقتبس عن رواية يان غلينغ «المجرم لو يانشي». الفيلم يروي قصة عائلة مزقتها الثورة الثقافية. الزوج معتقل سياسي يفر من مخيمات العمل ويعود إلى بيته بحثاً عن زوجته وابنته اللتين لم يرهما منذ سبعة عشر عاماً قضاها في الأسر. الإبنة راقصة باليه موهوبة وطموحة تسعى للحصول على الدور الأول في عرض تنظمه مدرستها، لكنها تحرم منه بسبب «خيانة» والدها الذي لم تعرفه. ككل جيلها، الإبنة تربت على مبدأ الولاء المطلق والأعمى لسلطات الثورة، ولذا تشي بأبيها معتقدةً أنهم سيسمحون لها بالحصول على الدور الذي تبغيه بعد التأكد من ولائها.
بعد ثلاث سنوات تنتهي الثورة الثقافية ويُحرر المعتقلون السياسيون. عندها يعود الوالد ليجد ابنته تخلت عن الرقص لتعمل وتقيم في مصنع بائس بعد أن طردتها أمها، وامرأته أصيبت بفقدان جزئي للذاكرة وماعادت قادرة على التعرف عليه. مرضها نفسي أولاً، هي تذكر الماضي وتتعرف على ابنتها وعلى الصور التي التقطت لزوجها قبل اعتقاله، لكن لديها ذاكرة سمكة فيما يتعلق بالحاضر. هي تعجز عن التعرف على زوجها بعد أن تقدم في السن، وكلما حاول أن يقربها بحميمية تعتقد أنه الضابط الذي اغتصبها بعد أن لجأت إليه لإعفاء زوجها من عقوبة الإعدام. الزوج يتواصل مع امرأته من خلال رسائل يقرأها لها مدعياً أن زوجها (أي هو نفسه) ائتمنه على إيصالها لها.
المزيد
جريدة اليوم
جاري التحميل