باسكال صوما
 
إقرأ للكاتب نفسه
أن نودّع
2017-01-04 | باسكال صوما
أن نودّع. يعني أن نشقّ باباً منفرداً في عالمٍ كبير ونطلّ منه إلى حفرة أخرى. يعني أن نخرج من جيب الوقت لبعض الوقت، وأن نقطّب أمانينا. يعني أن تتوقّف حافلة لتأخذ آخر الراحلين، ولا تتوقف بعدها. يعني أن ننام على وسادة وقد فقدنا وردة لتوّنا، ونحن قبل الآن ما كنّا نسقي الورد، وما كنّا ننظر إلى أيدينا الفارغة إلا من الورد.
انتهى العام تقريباً. انتهت «السفير» تقريباً. انتهى الكثير من الوقت والأنفاس والشجر والفصول والغيم المهاجر والحب والعلاقات والناس. هكذا تتساقط النهايات فوق رأسي في يومٍ واحدٍ، وهكذا تزدحم ذاكرتي بكلّ ذاك الألم، وأنا كنت أصلّي لأفقد الذاكرة. فاقدو الذاكرة أكبر المحظوظين ربما.
حين رحل الذي أحبّه، شعرت وأنا أقود سيارتي في طريق العودة أن الزمن فعلاً استدار وأدار لي ظهره. بعد ذلك تقدّم الوقت وعاد إليّ الملل وعادت الوحدة إلى غرفتي. ما نفع غرفتي لولا الوحدة؟
اليوم ترحل «السفير». وهذا ربما النص الأخير لي. لا أحد يملك القدرة على وداع جريدة. لا أحد. ما يُطلب مني في هذا الصباح مهمّة مستحيلة حقاً. لقد ودّعت ناساً كثراً. لكنّها المرة الأولى التي أودّع فيها جريدة
صانع الطرابيش الأخير
2016-12-30 | باسكال صوما
ينظر محمد الشعار إلى طرابيشه ثمّ إلى الطريق المزدحم بالناس والسيارات والمصارف والمشاغل والتطوّر والتكنولوجيا. يحزن بصمت، ويحافظ على شيء من التفاؤل في ملامحه.
على رصيف شارع الحمراء، يفرد محمد الطرابيش الملوّنة على طاولة. يحسّ المارّ بأنه أمام عالمين مختلفين متباعدين، عالم التمدّن وعالم التراث، كأنّ جزءاً كبيراً من الناس انفصلوا عن الماضي كلّياً، أصبحوا بلا ذاكرة.
من أجل ذلك، قرر محمد أن يقفل محلّ الطرابيش الكائن في طرابلس ويبحث عن مهنة أخرى. 12 عاماً من عمر محمد الثلاثينيّ مرّت وهو يصنع الطرابيش، منقّلاً يديه بين «مكبس النحاس» و«النار» و«قوالب الطربوش» والقش والقماش، حتى يصنع طرابيش أصلية، بات سوقها محدوداً ببعض السياح والمشايخ، أو عند موت أحدهم حيث هناك عادة في بعض المناطق أن يرافق الطربوش كل من يغادر هذه الحياة.. وهكذا.
ربما من الصعب أن يُلامَ أحد على الوقت الذي يمضي ويغيّر الظروف والرغبات عند الناس، لكن هناك جهات كثيرة عملت من أجل طمس طرابلس كمدينة للحياة وتحويلها إلى
«سلفي» والبرلمان خلفي
2016-12-29 | باسكال صوما
أزيلت السلاسل المعدنية عن باب شارع المعارض المؤدي إلى ساحة النجمة حيث مجلس النواب. فُتح المعتقل. لا. لم يُفتح. بدل السلاسل، رفعت حواجز حديدية أكثر صلابةً وأقلّ ارتفاعاً، من أجل شيءٍ ما، خطرٍ ما، لا أحد استطاع اكتشافه منذ حقبة السلاسل المعدنية في زمن الحراك المدني حتى يومنا هذا.
في شارع المعارض نفسه، وقبل أن تصل إلى الساعة الكبيرة حيث البرلمان العظيم، صورة واضحة عمّا فعل التعطيل بالبلاد. واجهات المحال المقفلة، لم تُغسَل منذ سنوات، أما تلك التي لم تقفل بعد، فتموت من الملل والانتظار.
الشارع مهجور، والدخول إليه يحتاج إلى «دوشة». كراسٍ وطاولات تعود لمطاعم مقفلة، موضوعة بلا عمل في الشارع، كدليل قاطع على أنّ لا أحد يسأل، لا أحد يأبه. لا سياح ولا رواد محليون.
حين تقترب من الساحة، يباغتك رجل الأمن بسؤال «إلى أين؟». تقول في سرّك «إلى جهنم الحمراء». أما له، فالجواب سريع: «إلى هنا، إلى المحلّ المقابل». يجيبك بأنّه ممنوع عليك أن تقطعي الشارع إلى الجهة الأخرى، عليك أن «تبرمي البرمة». نعم، ثمة قانون أو قرار ربما يجرّم من يعبر هذا الشارع. قطع الشارع جريمة أيها الإنسان العاديّ،
طرابلس.. بالحمرا
2016-12-29 | باسكال صوما
أمس، زارت طرابلس الحمراء. لبست زيها التراثيّ وأحضرت معها مأكولاتها وحلوياتها وزينتها. طرابلس التي لا تعرف عنها المناطق الأخرى سوى أخبار الاشتباكات والعنف والحرمان، أفرحت قلب بيروت. بيروت مدينة الزحمة والوجوه المبطّنة والعلاقات المعلّبة، وقفت أمس أمام نفسها في المرآة، وتبادلت الحبّ مع طرابلس، في نشاطٍ نظمته جمعية «يوتوبيا» أمام وزارة السياحة.
هذا النشاط يشبه الشباب الطرابلسي الذي قطع مسافةً طويلة حتى يصل إلى بيروت. العاصمة التي لا تعرفهم بما يكفي. على الرصيف، شبابٌ يلبسون أزياءً فولكلورية، شبّانٌ يقدّمون الصابون الطرابلسي، صبايا يحضّرن الحلويات الطرابلسية اللذيذة ويضيّفون المارة، شابٌ يبيع الطرابيش، فرقة دبكة ترقص في وسط شارع الحمراء غير آبهةٍ لأيّ شيء. إنه موعدٌ مع الفرح، هذا كلّ شيء.
بملامحهم البسيطة، ولهجتهم الجميلة وقلبهم المؤمن بطرابلس كمدينة للحبّ والتراث، رفعوا أمام وزارة السياحة شعارات تطالب بإدخال مدينتهم إلى الخارطة السياحية
إخبار عن «جسر التحرّش»
2016-12-16 | باسكال صوما
هذه الكلمات أدناه بمثابة إخبار إلى قوى الأمن الداخلي ووزارة الداخلية والبلديات وكل مَن له صلة من قريب أو من بعيد من الجهات المعنيّة.
أخبار «جسر التحرّش» أو جسر المشاة قرب «السيتي مول» لا تنتهي، أكاد أجزم أنّ كل الفتيات اللواتي يعبرْنه، يتعرّضن لأشكالٍ متنوّعة من التحرّش. في الواقع، لقد تحوّل هذا الجسر إلى «مصيدة» ووكر للمتحرّشين الذين ينتظرون الفتيات ويلاحقونهنّ، ويتحرّشون بهنّ إما عبر الكلام المقزز، أو عبر محاولات لمسهنّ أو التعرّض لهنّ بطريقة أو بأخرى.
تخبر سينتيا أنّها غيّرت مكان عملها منذ مدّة بسبب الجسر الذي لا حسيب ولا رقيب عليه. تقول سينتيا: «خلال سنتين من عملي في تلك المنطقة تعرّضت لأكثر من عشرين عملية تحرّش، ولم يكن لديّ أي حلّ سوى الاستمرار بعبور الجسر يومياً ذهاباً وإياباً، فسائقو سيارات السرفيس يرفضون توصيلنا إلى الجهة الأخرى من الأوتوستراد، إلا مقابل مبلغ كبير. في المرّة الأخيرة، لحقني رجلٌ عجوز وأمسك بي عند الساعة التاسعة ليلاً، وأفلتت من يديه بأعجوبة. وبقيت مدّة أسبوع حبيسة الفراش وأزمة عصبية بسبب
المطر ليس ثلجاً
2016-12-15 | باسكال صوما
حين يأتي الثلج إلى قريتنا، أحسّ بالخيانة العظمى. كأنّ الطقس يقاصصني بأن يرسل الثلج في غيابي. كل الطرق تقطع فجأةً ويزداد العمل فوق رأسي، ولا قوة في العالم تردّني إلى قريتي في لحظتي المفضّلة التي تفرّ قبل أن ألتقطها. أحسّ بأنني محاصرة باعتدال بيروت، مطوّقة بمطرها الذي لا يتحوّل ثلجاً. البحر والثلج ضدّان تقول أمي. لا يمكن أن تحبّ الاثنين معاً، كما الحبّ والقضية. معظم الذي اختاروا القضية، سقط الحبّ من جيوبهم، والذين تمسّكوا بالحبّ، خسرتهم القضية.
بيروت والقرية، البحر والثلج، الحب والقضية. أنا ضحيّة هذه الأضداد، أيتها السماء.
المذياع يؤكّد مرةً جديدة أن لا طريق سالكة إلى قريتي، وأمي تقول إنّ الثلج بدأ، وإنها تحضّر شوربة بالخضار للغداء، وإنّ الأولاد عادوا من المدرسة باكراً، وأبي رجع إلى البيت بسرعة ولبس البيجاما الكحلية التي أهديته إياها، وجلس يتدفّأ. أردّ بكلمتين: «ستثلج إذاً». ثمّ أتدارك حزني أضيف: «أمي اعتنوا بأنفسكم، أراكم عندما يتحسّن الطقس».
الزكام، السعال، الحرارة المرتفعة، سيارتي الألمانية التي تنزلق على الثلج، نشرات الطقس، المذيع اللعين الذي يكرّر الجمل التحذيرية، صور الثلج على فايسبوك، صورتي وأنا
عالم «الفصاعين»
2016-12-14 | باسكال صوما
ـ يا آنسة سمكة علّمينا كيف ما نغرق.
ارفعوا راسكم.
ـ فوق البحر أو تحته؟
فوق البحر وتحته وفوق الأرض وتحتها وفوق السما وتحتها.
إنه حوار صغير بين «فصعون» و «فصعونة» والسمكة.
«فصاعين» مجد كردية، هي الكائنات التي يخلقها مجد على الورق ويجعلها شبيهةً بنا إلى الحد الذي يجعل الناظر إلى تلك الرسوم يتوقّف طويلاً، ثمّ يقول لقلبه بصوتٍ خجول: «أنت فصعون».
لمن لا يعرف فصاعين مجد، هي مخلوقات أو أحاسيس، ير
أشياء غير مهمة
2016-12-09 | باسكال صوما
كل هذه الأشياء غير المهمة تعيش معي في غرفة واحدة، أحياناً في سرير واحد.
بطاقة دعوة لزواج منتهية الصلاحية بطلها حبيب سابق، كدت أنسى أنني وهو نعيش على كوكب واحد، لولا الدعوة المحفوظة بسلامٍ أبله في درجٍ أضع فيه أساوري. ربما أحتفظ بهذا الدليل على الخيانة ليومٍ آخر. ربما أنتظر أن ترتد تعاسته إلي ذات مرة، فأشهر السلاح في وجهها، أقول «لكنه خانني». ربما لا. ربما يكون الأمر سخرية مبطنة من الحب ومن كل شيء، فأشهر السلاح ذاته في وجه العالم كله وأقول «تباً» أو أضحك طويلاً ومعي سلاحي، مربوط بعقدة «بابيون» باللون الزهري. أو ربما أريد أن أرى البطاقة في كل مرة حتى أتأكد من أن تلك المرأة لا تجيد اختيار بطاقة، وأن البطاقة تقليدية جداً، وهو قد خاب في اختيار امرأة من بعدي.
زجاجات عطور فارغة أو بقيت منها نقطة في الأسفل ويصعب إخراجها. أظنّها تخمّرت إلى الأبد في القعر. تجلس الزجاجات على طول «الدريسوار»، تشهد الليل والنهار وأحسها تتغاوى أمامي، كأنها تقول «سنتكاثر» ثم تضيف «تنقصين». وحين أستدير إليها تدير كلها وجوهها دفعة واحدة نحو علبة سجائر قديمة نسيتها صديقتي عندي قبل أن تسافر. أنا لم ألمس تلك العلبة أبداً، لكن زجاجات العطور الفارغة تذكّرني بها. كأن للعطر الفارغ علاقة سرية مع السجائر المتروكة قبل الرحيل
جبيل.. سوق الكتب
2016-12-08 | باسكال صوما
تحتفي جبيل، مدينة الحرف والحبّ والتاريخ، على طريقتها بالكتاب هذا العام. تفتح المدينة الجميلة أبوابها للكتب ومحبيها ابتداءً من اليوم في سوقٍ لشراء الكتب وبيعها وتبديلها، وتنظم النشاط مبادرة «Bookyard». قرب الواجهة الرومانية حيث السوق الجبيليّ العتيق، سيكون مكانٌ للكتب، بأسعار زهيدة، تتلاءم مع مختلف الفئات الاجتماعية، حتى لا يتحوّل الكتاب إلى سلعة برجوازية، ليست بمتناول الناس الذين مثلنا، نكدح ونتعب ونحبّ الحياة والكتب.
ويتضمّن السوق الذي يستمرّ حتى 19 كانون الأول الحالي، كتباً مستعملة وأخرى جديدة، إضافةً إلى كتب قديمة ذات قيمة كبيرة، حيث تشارك مكتبات عدة في هذا النشاط، إضافةً إلى كتّاب سيعرضون كتبهم ويوقّعونها، منهم الأديب جبور دويهي الذي سيوقّع روايته الجديدة «طبع في بيروت» في 16 الحالي.
المكان مفتوحٌ على الحبّ، لا شيء معلّب ولا قوانين صارمة، الكلّ مدعوّ للمشاركة في النشاطات الكثيرة التي تُقام طيلة هذه الأيام، ومن هذه النشاطات مشاغل للكتابة، ومشاغل أخرى تهتمّ بالورق والأعمال اليدوية الورقية التي تحمل ثقافات بلدان متنوّعة. كل ذلك وحلقات الموسيقى ترافق الكتب المرتاحة الهانئة في هذه البقعة التاريخية
المزيد
جريدة اليوم
جاري التحميل