هكذا نجا لبنان من «كمين اللاجئين» في برلين
 
لبنان بلا رئيس للجمهورية لليوم الثاني والخمسين بعد المئة على التوالي.
«انتفاضة» موضعية لأهالي المخطوفين العسكريين، أفضت الى قطع أوتوستراد القلمون، ثم طريق الصيفي في بيروت، قبل أن يتدخل مجدداً «الإطفائي» الوزير وائل ابو فاعور لاقناع الأهالي بإعادة فتح الطريق، وهذا ما حصل، لكن مع إصرارهم على احتفاظهم بحق التصعيد.
وعلى بُعد أيام قليلة من المؤتمر الذي تستضيفه برلين، حول وضع «اللاجئين السوريين» في مقر وزارة الخارجية الألمانية، برئاسة وزير الخارجية فرانك فالتر شتاينماير وبحضور الرئيس تمام سلام على رأس وفد وزاري لبناني، تكشّفت محاولات للضغط على لبنان من أجل دفعه الى التوقيع على اتفاقية جنيف المتعلقة باللاجئين، أو تقييده بمضامينها، والتي من شأنها أن تجعله «بلد لجوء»، مع ما يعنيه ذلك من إلزامه بإبقاء النازحين السوريين فيه لسنوات طويلة وتخصيصهم بخدمات وامتيازات، تفوق قدرته على التحمل لأسباب ديموغرافية وأمنية واقتصادية واجتماعية.
وقد عمل الرئيس سلام ووزير الخارجية جبران باسيل ووزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس على إفشال هذا المسعى، وتعطيل مسودة الوثيقة التي كان يراد إلزام لبنان الرسمي بها، بكل ما تتضمنه من طلبات تشمل تحديد كيفية معاملة النازحين، ومنحهم حق اللجوء، وتأمين الحماية اللازمة لهم، والعمل لتحقيق اندماجهم وانصهارهم في المجتمع اللبناني.
وعلمت «السفير» أن السيناريو الذي كان يُعد للبنان في مؤتمر برلين يلحظ إصدار وثيقة ملزمة دولياً، على أن تصدر لاحقاً ببيان رئاسي عن مجلس الأمن الدولي. وفي المعلومات، ان الأتراك هم الذين وقفوا خلف تضمين مسودة الوثيقة بنداً يتعلق بالطلب من لبنان التوقيع على اتفاقية اللاجئين الصادرة العام 1951.
وقالت مصادر واسعة الاطلاع لـ«السفير» إن جهة داخلية ساهمت في الايحاء لمنظمي المؤتمر بأن الوثيقة المقترحة قابلة لأن تمر، لافتة الانتباه الى انه لم يكن ممكنا ان يجرؤ البعض في الخارج على نسج خيوطها بهذه الطريقة، من دون حصول «تواطؤ» في مكان ما في الداخل اللبناني.
وقد رفضت وزارة الخارجية كلياً هذه المسودة، تحت طائلة مقاطعة وزارة الخارجية لمؤتمر برلين. وتردد أن مشاركة الوفد اللبناني بمجمله كادت تصبح مهددة، لو لم تتجاوب الدولة المنظِّمة، أي المانيا، مع الطرح اللبناني المضاد والذي لا يزال يحتاج الى تسويق لدى قرابة 30 دولة تشارك في المؤتمر، على قاعدة أن لبنان يذهب لتلقي العون في مواجهة أزمة النازحين وليس لتلقي إملاءات.
ووفق المعلومات، استهل لبنان المشروع البديل بـ«التأكيد على ان لبنان لم ولن يوقّع على اتفاقية اللاجئين، ولا يعنيه كل ما يمكن ان يرد في الوثيقة المطروحة من أمور لا يوافق عليها في ما خصَّ موضوع النازحين».
وفي إطار معالجة الهواجس اللبنانية، أوفدت الحكومة الألمانية على وجه السرعة، أمس، نائب مدير دائرة لبنان وسوريا في وزارة الخارجية الألمانية كليمنس هاخ حيث أجرى مباحثات مكوكية مع خلية ديبلوماسية في وزارة الخارجية بالتنسيق مع رئاسة الحكومة، بعد ملاحظات عدّة وضعها لبنان على مسودّة البيان الختامي، وانتهت الى تفاهم معه على مراعاة الخصوصية اللبنانية في المؤتمر.
ومن المقرر ان يتم طرح هذا الموضوع في جلسة مجلس الوزراء عند الحادية عشرة قبل ظهر اليوم في السرايا الحكومية، حيث ستناقش «السياسة الرسمية» للحكومة حيال ملف النازحين والتي تمت صياغة مبادئها في ورقة ونصف الورقة. ويفترض ان يجري إقرار هذه السياسة خلال الجلسة لتصبح مرجعية لبنان في التعامل مع هذا الملف.

باسيل: نقف على حافة الانفجار

في هذه الأثناء، حذّر باسيل بعد اجتماع عقدته لجنة الشؤون الخارجية النيابية أمس، من محاولات تحويل لبنان الى بلد لجوء عبر «إملاءات دولية ليوقّع على اتفاقية جنيف المتعلقة باللاجئين»، لافتاً الانتباه الى ان «لبنان لم يوقّع على هذه الاتفاقية سنة 1951، وكل ما يقوم به يفعله نتيجة تحسسه الانساني والاخوي مع النازحين السوريين، لكن لا يجوز أن تُفرض عليه إملاءات دولية في هذا الشأن». ونبّه الى ان النزوح السوري، يهدد الوطن والكيان، ونحن اصبحنا على حافة الانفجار، ليس الامني فقط، بل الاقتصادي والاجتماعي.
درباس: لن نتكيف
وقال درباس لـ«السفير» إن لبنان يرفض ان يكون جزءاً من «اتفاقية اللجوء» لأنها ترتّب عليه تبعات وأعباء، تفوق قدرته على التحمل، ومن شأنها ان تترك آثارا داخلية خطيرة، منبها الى انه يراد من ضمّنا الى هذه الاتفاقية، أن نتكيف مع واقع النزوح ونتقبله وان نلقّن النازحين المهن وندمجهم في المحيط اللبناني، في مقابل بعض الدعم والمساعدات.
وأكد ان الصيغة المعروضة مرفوضة، وقرارنا ألا نتكيف وألا تصبح أزمة النزوح أمرا واقعا طويل المدى، وهذه نقطة إجماع بين كل اللبنانيين. وأضاف: لبنان هو بلد جوار لسوريا، احتضن النازحين من منطلق انساني وأخوي، وإذا كان قد تصدّى لمصيبة حصلت، برغم انه لا دخل له فيها، فهذا لا يعني ان يدفع ثمنها.
لبنان.. و«داعش»
الى ذلك، أبلغ مصدر ديبلوماسي غربي «السفير» أن هناك هدفين أساسيين يريد الألمان والمجتمع الدولي تحقيقهما من مؤتمر برلين، أولهما «تشجيع دول الجوار السّوري ومنها لبنان على الانخراط (السياسي والعسكري) في الحلّ في سوريا عبر الانضواء ضمن الائتلاف الدولي ضدّ «داعش» وليس الاكتفاء بالتباكي على أوضاع اللاجئين».
ويتمحور الهدف الثاني، وفق المصدر نفسه، حول «التباحث في مسألة إعادة توطين النازحين السوريين في بلدان أخرى، بمعنى أنّ ألمانيا ستشجع الدول الحاضرة على اتباع ما اتبعته من إعادة توطين لعدد من النّازحين السّوريين» (ص3).
غسان العيّاش
العـالم قلـِق.. ولبـنان مُطمئـِن
اللبنانيون مطمئنون إلى أن اقتصادهم لن يتضرّر من أية أزمة مالية تضرب الأسواق العالمية من جديد. بل، بعكس ذلك، وقياساً بما جرى قبل ست سنوات، يمكن أن تشكل الأزمة المفترضة فرصة ثمينة يستفيد لبنان من تداعياتها.
فالهزة العنيفة التي ضربت بورصات العالم الأسبوع الماضي أقلقت السلطات في البلدان التي تأثرت، أو يمكن أن تتأثر بها، وأثارت الهلع لدى كل الأطراف المعنية بالأسواق المالية. لكن لبنان السياسي والمالي بقي بمنأى عن الاهتمام بما جرى، من دون مبرّر منطقي لهذه الطمأنينة الكاملة.
شكلت الهزة إنذاراً جدّياً للبلدان المتقدّمة والناشئة، مفاده أن العالم لم يبرأ بعد من آثار الأزمة المالية التي عصفت به قبل ست سنوات، وأن خطر الانزلاق إلى انهيار جديد شامل ما زال ماثلاً في الأفق العالمي.
في البداية، تسللت الأزمة إلى الأسواق خلسة ومن دون ضجيج. فمنذ منتصف أيلول كانت المؤشرات في البورصات العالمية تتراجع كل يوم بشكل محدود، ولكن مستمرّ. منتصف الشهر الجاري، يوم الأربعاء الأسود، سجّل هبوط كبير ومفاجئ في بورصات اليونان (7%) وميلانو وباريس وفرانكفورت ولندن ونيويورك. حدث هذا الانهيار بعدما تراجع سعر برميل النفط بنسبة 20% منذ منتصف حزيران الماضي، ليهبط إلى ما دون 85 دولاراً، لأوّل مرّة منذ أربع سنوات.
اشتدّ قلق المتعاملين في الأسواق من خسائر كبيرة في الأسعار، لاسيما في منطقة اليورو، وبدأت تتكشف أمامهم حقائق مخيفة عن أداء الاقتصاد العالمي. وكان بديهياً أن يتهافتوا على بيع محافظهم من الأسهم واللجوء إلى السندات ذات العائد الثابت، مما خفّض مردود هذه السندات بفعل الطلب الكثيف عليها. على سبيل المثال، انخفض مردود السندات الحكومية الألمانية إلى أدنى مستوى له منذ نصف قرن.
صحيح أن الأسواق التقطت أنفاسها بسرعة، فتماسكت بعدما أضاعت كل المكاسب التي حققتها منذ بداية العام، ولكن الخضة فتحت الأعين على الأداء الضعيف للاقتصاد العالمي، وبصورة خاصّة على النتائج المتدنية للاقتصاد الأوروبي. إن ربط انهيار البورصات بواقع الاقتصاد العالمي هو الذي خلق في نفوس المتعاملين خوفاً من إمكان تجدّد الأزمة المالية الشاملة، التي ما زال العالم يعاني من آثارها.
أفادت تحليلات المؤسّسات الدولية أن النتائج الأخيرة لاقتصاديات العالم جاءت دون التوقعات، وإن كانت النتائج المخيّبة للآمال تتفاوت في سلبيتها بين بلد وآخر. فالنموّ الاقتصادي نهاية العام الجاري لن يكون أفضل من النموّ المحقق في العام الذي سبق، ولن يتعدّى في الدول المتقدّمة مستوى 1,8%. واستخلصت هذه المؤسّسات، في ضوء الظروف المالية والجيوسياسية المتدهورة، أنه لا مجال لتوقعات مطمئنة في المدى المنظور.
نقلت جريدة «لوموند» الفرنسية عن بول ميلز، ممثل صندوق النقد الدولي في المملكة المتحدة، أن انخفاض أسعار المواد الأوّلية والنفط في الفترة الأخيرة يثير القلق من تراجع النشاط الاقتصادي في أوروبا والصين. وكتب زميله أوليفييه بلانشار، رئيس قسم الدراسات في الصندوق، أن التراجع في مسار الاقتصاديات العالمية يترك آثاراً سلبية على الثقة والطلب ومعدّلات النموّ.
وفيما القلق يقضّ مضاجع السلطات المسؤولة في الدول المتقدّمة والناشئة، خوفاً من تجدّد الأزمة المالية العالمية، فإن لبنان الرسمي ينام على حرير، كأن هذه التطوّرات مجرد «تفاهات» لا تعنيه.
يمكن تفسير هذا «النأي بالنفس» عن هموم الاقتصاد العالمي بأن الدولة اللبنانية عاجزة عن حلّ مشاكل أبسط كثيراً من التأثير المحتمل للأزمات الدولية على الاقتصاد اللبناني. هي مستقيلة من التخطيط لأمور أقلّ شأناً من هذا الموضوع الكبير، ولا تبذل جهداً لإصدار الموازنة العامّة، التي تشكل تخطيطاً بديهياً وقصير الأمد للسياسات العامّة في البلاد.
ربّما كان السبب الآخر لهذا الاسترخاء هو الاعتقاد بأن الأزمة المالية العالمية السابقة جاءت بنتائج بالغة الإيجابية على لبنان، وقد نقطف ثمار الأزمة الجديدة على غرار ما حصل سنة 2008 وما بعدها. فهروب رؤوس أموال اللبنانيين، وبعض العرب، ذلك الوقت، من البلدان التي ضربها الإعصار أدّى إلى فائض تاريخي في ميزان المدفوعات اللبناني وأوصل النموّ إلى حدود 8%.
ولكن لبنان غير جاهز الآن لقطف ثمار أية أزمة مماثلة، بسبب عدم الاستقرار السياسي والأمني، ولكونه واقعاً في منطقة تحترق بصراعات دامية وانقسامات مذهبية، الأمر الذي لم يكن قائماً قبل ست سنوات.
بل إن أية أزمة من هذا النوع قد تؤدّي هذه المرّة إلى نتائج سلبية إذا أثرت على حجم تحويلات اللبنانيين غير المقيمين، التي باتت مورداً رئيسياً للاقتصاد اللبناني، أو إذا أدّت إلى ارتفاع الفوائد العالمية على سندات الدين الحكومية نتيجة حاجة الحكومات لمزيد من الاقتراض.
جاري التحميل