جريدة اليوم / صحافة العدو
يوسي فيرتر
2014-01-13 | ليبرمان أمل الأميركيين
احتل العناوين خطاب وزير الخارجية وزعيم "إسرائيل بيتنا"، أفيغدور ليبرمان في مؤتمر السفراء السنوي في القدس هذا الأسبوع بسبب ما احتواه: عناق حار ومحب لوزير الخارجية جون كيري، مديح لجهوده المتواصلة للتقريب بين الطرفين، وإعلان عن استعداد لرسم حدود إسرائيل في الاتفاق النهائي "قرب الطريق رقم 6"، ونقل قرى المثلث ووادي عارة للدولة الفلسطينية.
ما الذي لم يحتو عليه؟ رفض تعبير "خطوط 67"، معارضة إخلاء المستوطنات، إصرار على عدم تقسيم القدس أو تواجد إسرائيل في غور الأردن. ولا عجب أن الرئيس شمعون بيريز وصف ليبرمان في تلك المناسبة بأنه "الراشد المسؤول". ليست مبادرة تبادل السكان هي ما أزعج بيريز. فهو يرى فيها خطة فارغة. ويبدو أنه سمع كلاما آخر من ليبرمان، في حديثهما الخاص، دفعه للثناء عليه أمام السفراء.
وعلى الهامش، تلذذ الرئيس أيضا بإغضاب رئيس الحكومة، في إطار الحرب الباردة الدائرة بينهما. لأنه إذا كان ليبرمان هو الراشد المسؤول الجديد وبيريز، كما هو معروف، الراشد المسؤول المثالي، فأين يقع بنيامين نتنياهو؟ في جلسة الليكود في اليوم التالي أعلن نتنياهو، من جهة، أن لا حل يمنع تحول إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية سوى تقسيم البلاد، ومن الجهة الأخرى، أعلن معارضته لإخلاء المستوطنات خارج الكتل الكبيرة، لأنها "هامة للشعب اليهودي"
حلمي موسى
2014-01-06 | الصين توسع استثماراتها في إسرائيل
أخذت العلاقات الإسرائيلية الصينية في العقدين الأخير منحى جديدا بعد إبرام منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقيات أوسلو مع إسرائيل. وشكلت هذه الاتفاقيات بداية التعامل العلني الواسع بين الدولتين إثر إنشاء العلاقات الديبلوماسية بينهما. وبديهي أن هذا التعامل عنى في الجوهر انتقال الصين من موقع الحليف الأكيد للقضايا العربية إلى موقع المحايد المؤهل أيضا للانتقال إلى موقع الحليف لإسرائيل. والواقع أن هذه الصورة يمكن أن تظهر أيضا في العلاقات الإسرائيلية الهندية حيث باتت تنسج تحالفات ذات طبيعة أمنية وعسكرية واقتصادية استراتيجية.
وفي البداية، لا بد من الإشارة إلى أن العالم عموماً لم يعد يشعر بأن التعامل مع إسرائيل أو حتى محاباتها على حساب العمر يمكن أن تكون له عواقب. فأنظمة المقاطعة العربية التي كانت قائمة ومعمولاً بها على مدى عقود سقطت تقريبا بعد إنجاز معاهدة كامب ديفيد مع مصر أولا ثم بعد اتفاقيات أوسلو ووادي عربة. وغدا من الصعب الحديث عن مقاطعة دولية لإسرائيل فيما يسارع العرب أنفسهم لإنشاء العلاقات معها ويفتحون في بلدانهم ممثليات ديبلوماسية وتجارية لها. والواقع أن المقاطعة اليوم صارت تنبع من اعتبارات أخرى سواء أكانت أخلاقية أم أيديولوجية وسياسية في الغرب، تحديدا بعدما رأى مقدار عنجهية الاحتلال الإسرائيلي في التعامل مع
يوسي فيرتر
2013-12-30 | سنة الأفعال المقبلة
يدخل العام 2014 الآتي إلينا بنيامين نتنياهو إلى عامه التاسع كرئيس لحكومة إسرائيل. رسميا هذا سيحدث بعد حوالي مئة يوم في آذار. حينها سينهي بشكل تراكمي ثماني سنوات: بين 1996 و1999، ومنذ 2009. وقبل أقل من عام انتخب نتنياهو لولاية ثانية متصلة. وهو إنجاز نادر في السياسة الإسرائيلية في العقود الأخيرة. وقد بات رئيس الحكومة الأقدم الثاني في تاريخ الدولة، بعد دافيد بن غوريون، ولديه خطة ليغدو رقم واحد. وبالنظر للبدائل، فإنه يمتلك فرصة جيدة لتجسيد طموحه.
ويوم الأربعاء الفائت، في مؤتمر الليكود الضعيف الذي عقد في حدائق المعارض في تل أبيب ألقى نتنياهو خطابا مطولا. من الجائز أن أجواء السنة الميلادية الجديدة دفعته للانزلاق نحو حنين شخصي - قومي - تاريخي. وروى للحاضرين عن لقاء جمعه بوزير الخارجية الصيني قبل ساعات من ذلك: "في نهاية اللقاء تبقت لنا بضع دقائق... أخذته إلى المكتب، أريته ختما موجودا هناك، من عهد الهيكل الثاني، من زمن الملك حزقياهو. من قبل 2700 سنة، تقريبا 3000 سنة... أريته ختم ذلك المسئول عند الملك حزقياهو، ختم عثر عليه قرب حائط المبكى... وقلت له: انظر، على الختم اسم. مكتوب بالعبرية، والاسم معروف لكم – نتنياهو! وأنا قلت له، هذا من 3000 سنة تقريبا، لكنك تعرف أن اسمي الشخصي يعود تقريبا إلى 4000 سنة".
شالوم يروشالمي
2013-12-30 | البطن الرخو
لن تعنى اتفاقية الإطار الذي سيعرضه الاميركيون على اسرائيل والفلسطينيين في الشهر القريب المقبل بالمواضيع الجوهرية المركزية للنزاع: القدس، المستوطنات، حق العودة أو الحدود النهائية. اتفاقية الإطار ستضع الأسس لمواصلة البحث بين الطرفين كي لا تتفكك كل الصفقة منذ الآن. وثمة خطر حقيقي بانفجار المحادثات هكذا ايضا. الأهداف والمواضيع الجوهرية ستتحدد بخطوط عريضة، غامضة، ولكن ستكثر البنود التي تعنى بالجداول الزمنية: متى يتحدثون عن القدس، متى يعمقون البحث في المستوطنات، وبعد كمّ من الوقت ستقوم الدولة الفلسطينية وما شابه.
في اتفاقية الإطار المتبلور سيعنى ايضا بالترتيبات الأمنية في الدولة الفلسطينية. في تشرين الاول الماضي كشفنا أن كل المفاوضات السياسية تصب نحو الترتيبات الأمنية في غور الاردن. وبعد عمل طويل سيضع الأميركيون وثيقة تؤيد وجود جيب عسكري اسرائيلي على نهر الاردن، على الأقل في السنوات الاولى من الاتفاق. وستوحي الوثيقة مرة اخرى أنه في مواضيع الامن يميل الاميركيون لمصلحة اسرائيل، ولكن في المواضيع الجوهرية الايديولوجية يتفقون مع الفلسطينيين. وهم لا يعرفون ما هي القدس الموحدة، لا يحبون المستوطنات وكذا عودة بضعة آلاف من الفلسطينيين من سوريا ولبنان الى نطاق اسرائيل لا تؤثر عليهم كثيرا.
حلمي موسى
2013-12-30 | اتفاقية الإطار الأميركية بانتظار الرفض
يدور جدال صاخب في الحلبتين الإسرائيلية والفلسطينية حول "اتفاقية الإطار" التي يشاع أن وزير الخارجية الأميركية جون كيري سيعرضها على الجانبين رسميا بعد أن كان قد جس نبضهما حولها بشكل غير رسمي. ومن ردود الفعل الأولية لدى الجانبين حولها يظهر بوضوح أنها لا تمثل لدى أي منهما قاعدة يمكن الانطلاق منها لأنها تحوي ابتداءً مواقف تتناقض مع مواقف مبدئية لكل منهما.
فعلى الصعيد الفلسطيني، ووفق ما أشيع، تنطوي الاتفاقية على تغييب لكل منطلقات السياسة التفاوضية الفلسطينية. فاتفاقية الإطار تتحدث عن ترتيبات أمنية تستند إلى وجود إسرائيلي مباشر على طول نهر الأردن، كما أنها تغفل واقع تجريب الفلسطينيين لاتفاقيات الإطار التي تتحول عملياً إلى اتفاقات أمر واقع طويلة الأجل. وفضلا عن ذلك فإن اتفاقية الإطار الجديدة لا تتناول القضايا الجوهرية التي أعطت اتفاقية الإطار القديمة (اتفاقية أوسلو) قبل عشرين عاماً خمس سنوات لحلها. وبدلا من أن تعالج اتفاقية الإطار الأمر من جذوره وبناء على منطق رفض سياسة الأمر الواقع التي تنتهجها إسرائيل، تتجاوب الاتفاقية حتى مع السلوك الإسرائيلي الراهن الذي يربط حتى بين الإفراج عن المعتقلين وتوسيع البناء الاستيطاني في الأرض المحتلة. ولتجنب الصدام مع حكومة نتنياهو تخفي الاتفاقية تحت ستار كثيف من الغموض الموقف من القدس الشرقية وقضية اللاجئين.
أما على الصعيد الإسرائيلي، فإن غطرسة القوة لا تسمح كثيراً لحكومة نتنياهو بأن تتقبل صياغات عمومية بشأن القدس وحق العودة مثلما لا تتقبل أصلا فكرة الوجود المؤقت والمشروط للجيش الإسرائيلي على طول نهر الأردن. ومن الضجة الهائلة التي تدور في الكنيست، خصوصاً في أوساط اليمين، يتضح حتى مقدار الخوف من هذا الحل الأميركي الميال لمصلحة إسرائيل ومواقفها. وربما لهذا السبب تتسارع الخطى في الكنيست، حتى في أوساط الليكود، لتقييد هامش مناورة زعيم اليمين، بنيامين نتنياهو، عبر إقرار قوانين بينها فرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن. وقد رأينا كيف أن حكومة نتنياهو استعانت بأعضاء المعارضة لمنع سن قانون آخر يشترط بدء التفاوض على القدس بحصول الخطوة على تأييد 80 عضو كنيست.
حلمي موسى
2013-12-23 | ضعضعة الائتلاف الإسرائيلي للتهرب من استحقاقات سياسية
يعتقد كثيرون في إسرائيل أن حكومة بنيامين نتنياهو باقية ومستقرة ليس بفضل حسن إدارتها ولا انسجام وتناغم أعضائها وإنما أساسا بسبب انعدام البديل. فأي نظرة إلى الواقع السياسي الإسرائيلي تظهر من دون لبس أو غموض أنه لا يبدو في الأفق أي منافس حقيقي لبنيامين نتنياهو لا في صفوف اليمين ولا في الوسط وبالتأكيد ليس في ضفوف اليسار. فحزب العمل ومن يقف على يساره يقتربون من حافة الهامشية في السياسة الإسرائيلية بحيث لا يمكن التعويل، على الأقل حاليا، على احتمال أن يظهر فيه من ينافس نتنياهو. ولذلك فإن المنافسة بين اسحق هرتسوغ وشيلي يحيموفيتش، وفوز الأول، لم يغيرا من هذا الواقع في شيء لا على صعيد الحزب ذاته ومكانته، ولا حتى على احتمال تشكيل تيار أوسع يمثل بديلا لحكم اليمين.
وبديهي أن اليسار لم يعد يشكل خطرا على الحكم اليميني في إسرائيل وهو ما تجلى أكثر من أي شيء في اعتماد الحكومة على أصوات الوسط واليسار في الكنيست وليس على أصوات أحزاب الائتلاف الأساسية (الليكود، إسرائيل بيتنا والبيت اليهودي) لمواجهة مشروع قانون اشتراط المفاوضات حول القدس بموافقة 80 عضو كنيست. وربما أن هذا يدفع البعض للاعتقاد أن الوسط واليسار يمكنهما أن يحققا إنجازا، إذا ائتلفا ضد اليمين. وهذا اعتقاد لا يستند إلى أساس لأن الوسط
ايزي ليبلار
2013-12-23 | المطلوب: سياسة متسقة
ينبغي لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مع وجود مستوى التأييد الذي يحظى به أن يرسم الآن سياسة استراتيجية حكومية واضحة خصوصا تجاه المستوطنات. وقد عجز حتى الآن عن إنجاز ذلك لأنه يرأس ائتلافا حكوميا يضم مجموعات متناقضة ولا سيما الفصائل المختلفة في الليكود.
والى ذلك يواجه نتنياهو ضغوطا لا تنقطع من الاميركيين والاوروبيين. وتهدده وسائل الاعلام المعادية وتخيفه بصورة مفرطة، استطلاعات الرأي المتقلبة. والجمع بين هذه العوامل جعله ينحرف في احيان متقاربة عن مساره وقاده الى شلل وسياسة متعوجة تسهم في جهود أعدائنا وتُبلبل اصدقاءنا. وموضوع البناء في المستوطنات الذي يوجد فيه اختلاف عميق وشرعي في داخل اسرائيل، هو المجال الأكثر اشكالية.
يُطمئن نتنياهو الجهات من اليمين بأنه سيستمر في الموافقة على البناء في المستوطنات. لكن البناء في المستوطنات مجمد في واقع الامر في الفترة الاخيرة ردا على الضغط الاميركي. ويُقاد العال
حلمي موسى
2013-12-16 | عاصفة "ألكسا" تمنع انفجار قنبلة الترتيبات الأمنية الإسرائيلية
وصل وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى الأراضي الفلسطينية ليعرض ويحاول أن يقنع الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني بخطته لإنجاز اتفاقية إطار قبيل انتهاء مهلة الشهور التسعة في أيار المقبل. وبدا أن كيري وطاقمه الأمني والسياسي استعدوا كثيرا لهذه اللحظة التي في جوهرها تعني قبولا بالحجج الأمنية الإسرائيلية وتعاطفا مع تطلعات الفلسطينيين شرط قبول إسرائيل بها. ويمكن القول إن الخطة الأميركية التي عرضت على الطرفين كان يمكنها أن تنفجر بقوة قنبلة نووية لولا عاصفة "ألكسا" التي حملت بقوة معها الثلوج من بلاد الثلج إلى مناطقنا الساخنة. وليس مبالغة أن عاصفة ألكسا أسهمت في إبعاد لحظة الحسم وراكمت ثلوجا كثيرة على الاقتراح الأميركي تحتاج إلى وقت طويل لإذابتها.
والحقيقة أن الأمر لم يعد سرا، فالصيغة الأميركية أخذت أولا بالمبادئ الإسرائيلية التي تمنح الأولوية للأمن على كل ما عداه. فالمسألة ليست احتلال إسرائيل لأراض
نداف ايال
2013-12-09 | المواجهة بين نتنياهو وأوباما تتعمق
إيجاز آخر للصحافيين ينضح بالسم، وانتقاد علني آخر عديم التناسب. من مواجهة خطيرة بين إسرائيل والولايات المتحدة تتحول الأمور إلى معركة قبيحة لا تجلب الخير لا لنتنياهو ولا لأوباما.
في هذا الأسبوع تحولت المواجهة بين حكومة نتنياهو وإدارة أوباما من خطيرة إلى قبيحة. خطيرة، لأن قوى هائلة في المنطقة تراقب بذهول وبعد ذلك بتلذذ الشروخ العميقة التي تحدث بين الحليفين الأقرب والأهم في الشرق الأوسط. وصهيل وزير الخارجية الإيراني ظريف من إخفاق نتنياهو تردد من طهران إلى بيروت. فالاقتباسات أطلقت رسالة تباعد أميركي إسرائيلي. وهذا خطر على إسرائيل لأسباب واضحة تماما. وما أخفق الأميركيون فيه هو الفهم بأن هذا خطر عليهم ليس أقل، خصوصا بسبب التوقعات غير المنطقية التي يمكن أن تروق للمفاوضين الإيرانيين في مفاوضات التسوية الدائمة في جنيف. وهو خطير لأن الشرق الأوسط يشم الفراغ والخوف. وحينما يتشاجر الإسرائيليون والأميركيون بصوت عال، يبدأ حزب الله بالتفكير إلى أي مدى يشد الحبال. وليست ضاحية بيروت وحدها من يسأل السؤال. انعدام الاستقرار ليس مصلحة أميركية.
وتسأل واشنطن، ماذا تريدون منا. انظروا ما فعلنا من يوم توقيع اتفاق جنيف. حاولنا تهدئة إسرائيل. كنا على استعداد لإجراء اتصالات فورية حول شكل وجوهر الاتفاق الدائم. احتضنا نتنياهو بينما كان يصرخ علينا
حلمي موسى
2013-12-09 | الشرخ يتسع بين أميركا وإسرائيل؟
أطلق الرئيس الأميركي باراك أوباما شارات الإنذار في إسرائيل عندما تحدث يوم السبت في واشنطن أمام «منتدى سبان» عن رؤيته للاتفاق المنتظر مع إيران في الشأن النووي. وأوحت إسرائيل أنها في أبغض كوابيسها لم تكن تنتظر من الرئيس الأميركي أن يأتي بما قال عن عدم وجود قوة تستطيع منع إيران من ممارسة حقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية. وبحسب «هآرتس» فإن أوباما تعمد في خطابه ملاحقة أسس اعتراض نتنياهو ومنتقديه من الإسرائيليين على اتفاق جنيف الذي هو أفضل ألف مرة من الحل العسكري الذي تتمناه إسرائيل.
وأشار أوباما صراحة إلى أنه لم يكن بالوسع أبدا إجبار إيران على الخضوع لإملاء منعها بالمطلق من تخصيب اليورانيوم على أراضيها، مبينا أن انتخاب حسن روحاني ليس مجرد تغيير تجميلي. ومع ذلك ترك أوباما الباب مواربا أمام احتمال تغيير الوجهة وعدم التوصل لاتفاق نهائي مع إيران والذي قال عنه إن أرجحيته لا تزيد عن % 50. ولكن «فسحة الأمل» هذه لا تريد إسرائيل الرسمية استغلالها وهي تتصرف على أساس أن الاتفاق المرحلي، المرفوض من جانبها، هو نفسه الاتفاق النهائي الذي يقيد إيران ولكنه لا يمنعها من امتلاك القنبلة. فليس في فم إسرائيل تعبير يصف الاتفاق المنتظر سوى أنه يجعل إيران «دولة حافة نووية».
آفا إيلوز
2013-11-25 | من ملاذ للمضطهدين إلى دولة عنصرية
في 2010 كان من شغل في الماضي منصب الحاخام السفارادي الأكبر لإسرائيل لا يزال كما كان على مر السنين: ماكينة سياسية فائقة القوة، ذات تأثير واسع في السياسة والمجتمع في إسرائيل. وفي إحدى عظاته الأسبوعية تساءل عن العمل الذي يؤديه يهود وأغيار في يوم السبت: «لم يولد الأغيار إلا لخدمتنا، وتلبية احتياجاتنا. وإذا لم يكن كذلك، فلا مكان لهم في العالم. فقط من أجل خدمة شعب إسرائيل». وإذا لم تكن النقطة واضحة فإنه أضاف: «لماذا ينبغي للأغيار أن يعيشوا؟ إنهم سيعملون، سيحرثون، سيزرعون وسيحصدون. نحن نجلس كأفندي ونأكل». في شهر تشرين أول دفن هذا الرجل في جنازة حضرها 800 ألف شخص. ساسة من كل الكتل أثنوا على العالم الذي مات.
ملاحظات عوفاديا يوسف التي يتبناها حاخامات كثر وجمهور كبير من أنصار شاس وقطاعات أخرى من المجتمع الإسرائيلي، شرقيون وأشكناز. وعدا عن الملاحظات ذاتها يجدر بنا التوقف لقراءة الإعجاب بعوفاديا يوسف وأفكاره، ومقارنته بأي بريطاني أو فرنسي أو عربي يطلق مثل هذا الكلام على اليهود وكيف كان سيثير اشمئزازنا. ولكن هذا الرجل الذي أطلق الكثير من الأوصاف المثيرة ضد غير اليهود نال الجوائز والثناء والقبول الصامت أو اللامبالاة من جانب المجتمع الإسرائيلي واليهود في العالم.
كيف يحدث هذا؟ إن الرد باستخدام أوصاف «التعصب الديني» أو «العنصرية» ليس كافيا في معظم الحالات لتفسير الظاهرة. إذ لماذا يتعاطف الكثيرون من الناس، أو لا يبالون، مع آراء مخجلة يطلقها إسرائيليون علنا؟ ملاحظات مشابهة أطلقها شمعون غابسو رئيس بلدية الناصرة عليت حول منع العرب من الإقامة في المدينة أو الحظر الذي فرضه شموئيل إلياهو على تأجير بيوت للعرب في صفد، أو حديث وزير الاقتصاد نفتالي بينت عن قيمة الدم اليهودي؟ لماذا دولة ولدت في اللاسامية تتحمل تعابير فظة كهذه عن الترفع الديني والعرقي من أناس يمثلونها؟
عندما عدت إلى إسرائيل بعد إنهاء دراستي للدكتوراه، كنت لا أزال متدينة وارثوذكسية. وكانت مفاجأتي كبيرة أنني بدأت أشعر أن تديني ليس كمثل الحذاء المريح وإنما صار مناقضا، حذاء يضيق ويؤلم. واليهودية من جميع أنحائي بدت قسرية: كنت ملزمة بأكل الحلال في كافتيريا الجامعة، وشراء الخمر الحلال واللحم الحلال من السوبرماركت. وصرت ملزمة ألا أستخدم وسائل النقل في يوم الغفران، وأن يقوم حاخام بتزويجي، وغدت مهمة التبضع يوم السبت صعبة. وكل النشاطات التي كانت تجعل الدين اختيارا شخصيا ضميريا، التي تفرض بشكل طبيعي وشبه غير ملموس، تحيد فعل الاختيار الخاص وتجعل التدين موصولا مباشرة بالدولة. وإسرائيل أعادتني إلى التدين القسري، التدين الذي رفضه والداي عندما هاجرا من المغرب إلى فرنسا.
وقد انتهى التساؤل الذي استمر عندي لسنوات حول الطابع اليهودي لدولة إسرائيل فجأة يوم اغتيال رئيس الحكومة اسحق رابين بيد متدين يدافع عن أرض إسرائيل، باسم توراة وشريعة لم نعرفها. في ذلك المساء اكتشفت أن تديني في فرنسا وأميركا كان سبيلا لتحقيق قيم الحرية والفردية، وفهمت أن حقوق الإنسان والإيمان بشمولية الوجود الإنساني تتقدم على إيماني الديني، كما فهمت أن ما يربط بين التدين والشمولية عندي حتى الآن، هو واقع أن فرنسا وأميركا وعدا بمواطنة متساوية للأقليات الدينية كاليهودية.
وفهمت شيئا آخر: بسبب أن النظرة الشمولية للدولة، التي كانت عندي أمرا بديهيا، ليست في أساس النظرة الجمعية لإسرائيل، لم أقبل بإطار «لليهود فقط». ولحظة توقفت أن أكون متدينة، فرغت التجربة القوية وعظيمة الأثر التي عشتها عشرات السنين دفعة واحدة من مضمونها. ولأنها كانت مرتبطة بكثافة بمصالح الدولة، فقدت اليهودية قداستها.
دولة كل حاخاماتها
في 2 تشرين أول العام الجاري رفضت المحكمة العليا التماسا لجماعة إسرائيليين طلبوا شطب كلمة «يهودي» من بطاقات هويتهم والاعتراف بهم كـ«إسرائيليين». وبحسب المحكمة العليا، فإن إسرائيل لا تعترف ب«إسرائيل» كجماعة عرقية (قومية) مشروعة، لأن القضاة لا يمكنهم سوى الاعتراف بالتصنيفات القائمة. ودولة إسرائيل قائمة من 65 عاما، لكن القضاة لم يروا أن المواطنة لا ينبغي أن ترتبط بالانتماء الديني، وأنها مساوية للهوية، وهكذا ناقضوا بشكل حاد كل مبررات وجود المشروع الصهيوني.
وهنا أيضا ينبغي التوقف والتساؤل. ما الذي كان يدفع القضاة للتنكر لتصنيف المواطنة، السائد في كل أرجاء العالم لتأكيد وجود الدول وتعزيز دعاوى سكانها بالانتماء إليها؟ ألا وجود للإسرائيليين كإسرائيليين؟ وهذا ما تبين عدم وجوده. الإسرائيليون غير موجودين. وفيما قطعت الوطنية الأوروبية الغربية والأميركية نفسها عن الدولة من منطلق تسهيل التمازج بين الجماعات العرقية والدينية المختلفة، حدث العكس في إسرائيل: الدولة رسخت المواطنة على الدين، وبذلك تحولت إلى دولة شعب محدد بتعابير دينية. والأغرب هي واقعة أنه تم منح جناح صغير من هذه المجموعة الدينية – الأرثوذكس - الحق في السيطرة على تصنيف الانتماء الديني.
بكلمات أخرى، تنازلت الدولة الصهيونية بإرادتها عن الحق الأهم في الدول والأمم – الحق بتصنيف المواطنين - لصالح حاخامات أرثوذكس تحكموا بحياتهم في الغيتوات. فإسرائيل ليست مجرد يهودية وإنما بالتعريف الأضيق، دولة يهود أرثوذكس لا يعترفون بالثيولوجيا، والحلول الخلاقة التي وجدتها تيارات يهودية أخرى لصراع التقاليد مع الحداثة. وهذا يعني أن اليهودية ازدهرت في دول مسيحية ليبرالية أكثر مما في إسرائيل نفسها، وذلك ببساطة: لأن المنظومة البنيوية التي تميز ضد غير اليهود (العرب) هي نفسها المنظومة التي تميز ضد التيارات اليهودية غير الأرثوذكسية الأخرى في العالم.
وهذه الحقيقة ليست مفاجئة. ما يفاجئ أكثر هو أن اليهود في أرجاء العالم وإسرائيل أيضا، بالكاد ينتبهون إليها. فكيف نفسر قلة وعي الكثير من اليهود في أرجاء العالم للمسار الغريب هذا الذي تسير فيه إسرائيل؟
اسمحوا لي بتقديم جواب: قرار المحكمة العليا عام 2013، أقوال عوفاديا يوسف، إبعاد اليهودية الليبرالية عن إسرائيل والاستكانة بقبول الثقافة غير الليبرالية لإسرائيل – كل هذه تستند إلى رؤية تعتبر أن غاية وجود إسرائيل كدولة هو «حماية» اليهودية، المصنفة جينيا، عرقيا ودينيا.
والأشكال الأساسية لقولبة العالم تسمى لدى علماء الاجتماع بـ«الخطط الثقافية». والخطط الثقافية هي طريق غير واع لفهم، تفسير، وتنظيم العالم. مثلا، طوال مئات السنين طور اليهود التعلم أكثر من المسيحيين، وذلك لأسباب ثيولوجية بين الديانتين (أبدت جهات كثيرة في المسيحية شكوكا تجاه العلم والتعلم). وتتحول السمات الثيولوجية إلى سمات ثقافية عندما تنتظم في مؤسسات تنقل وتضاعف قيمة التعلم في أوساط الرجال اليهود، وهو ما زاد من تعزيز مؤسسات أخرى: رجال مثقفون نالوا مناصب عامة، منح دراسية، وفي النهاية نالوا زيجات أفضل. الغرفة، المدرسة الدينية، الزواج والعوائد الاقتصادية عملت جميعا على الحفاظ على قيمة التعليم في الطوائف اليهودية. لذلك، في محاولة لفهم كيف تحفظ إسرائيل عادة التمييز هذه من دون أن تنتبه لها، علينا فهم الإيمانيات والمؤسسات.
فقط من غير الأغيار
يشكل اليهود كيانا سوسيولوجيا فريدا واستثنائيا، تغلب بشكل خلاق وعنيد على عقبتين جديتين لوجوده: الانقطاع الجغرافي والتواصل الزمني.
وبشأن الانقطاع الجغرافي، ينبغي التذكير بأن مشتتي بابل شكلوا تحديا جديا لليهود حينما وزعهم في أرجاء العالم، لكنهم تغلبوا على هذا التوزيع. عمليا، لم يكن هناك أي شعب نجح بهذا القدر في العالم، في أن يلبس الصور المختلفة من الثقافات التي تواجد داخلها، وأن يستمر في اعتبار نفسه جماعة مختلفة، طوال أكثر من 2500 سنة، عدا اليهود. في فترات كانت التواصل ووسائل النقل ضعيفة جدا أو غير متوفرة البتة، حافظ اليهود في جاليات مختلفة في العالم على علاقات مع بعضهم، وأنشأوا وحدة سوسيولوجية فريدة تتخطى الحدود والأقاليم.
والإنجاز المذهل أكثر هو نجاح اليهود في الحفاظ على هويتهم الدينية والعرقية على مدى العصور رغم العنف الدائم الذي واجهوه من أديان أخرى، المسيحية خصوصا والإسلام بشكل أقل. لم يتحمل شعب أبدا هذا الامتداد من الاحتقار، الكراهية، الخوف والعنف كاليهود. ورغم واقع أنه لم تكن لهم سيادة سياسية، وأنهم غيروا دينهم قسرا، واعتبروا مصدر الشر واتهموا بالجريمة الأفظع – قتل المسيح - واصل اليهود توجدهم على مر السنين. واليهود لم يكونوا أقلية بل أوضح أقلية. واليهود صاروا شارة ونموذج الأقلية التي صمدت بجرأة امام خطر الإبادة الدائم، والإكراه على تغيير الدين، والاعتقال ومصادرة الممتلكات والأراضي والكراهية من كل جانب.
وما أتاح لليهود التغلب بهذا الشكل المذهل على الانقطاع الجغرافي ومواجهة الحملات التي لا تنقطع على هويتهم، هو الإيمان الميتافيزيقي الداخلي بأبديتهم، والذي نبع من فكرة الصلة الخاصة لليهود بالخالق. بل أن بولس المقدس –الذي أسهم أكثر من غيره في مأسسة المسيحية ونشرها- كان مقتنعا أن الله اختار اليهود لتلقي التوراه ونشرها في العالم. وكان لليهود رؤية خاصة لدورهم التاريخي في المشروع الالهي الكبير للجنس البشري. وساعدتهم هذه الرواية في وضع أنفسهم وراء العوامل العابرة للزمان والمكان وترسيخ هويتهم بمعنى ميتافيزيقي، لزمان خارج التاريخ.
وجرى الإيمان بأن اليهود شعب أبدي، لهم صلة خاصة بالله ودور تاريخي فريد، إيمانيات وعادات أخرى (الشريعة هي السبيل الممتاز لمأسسة الإيمان، عن طريق تحويله إلى منظومة عملية في الحياة اليومية وبالتالي يغدو ملموسا، موضوعيا وقابل للنقل).
واحدى هذه الإيمانيات كانت أن اليهود يشكلون شعبا واحدا، موحدا، ذا جوهر مشترك. والمذهل أنه طوال مئات السنين حددت فيها اللغة والعادات المحلية والأنظمة السياسية هوية السكان، حافظ اليهود على شعور الاتحاد العابر للحدود. كانوا الجماعة الأولى العابرة للوطنية في التاريخ، وهو إنجاز تحقق بفضل الإيمان بجوهر يسمى «الشعب اليهودي» (الأمر الذي أنشأ واقع الشعب اليهودي). وتفسير هذا الإيمان القوي هو أنه إذا كان اليهود حرموا من الانتماء للبلدان التي عاشوا فيها فإنهم بتوق أنشأوا علاقات تضامن مع يهود بعيدين، أكثر مما مع من تقاسموا معهم الأرض. وربما يمكن الزعم أن شعور الانتماء عند اليهود للشعب يستقيم مع العلاقة مع الأرض والقومية، أو يسبقها (وجود الوكالة اليهودية يقوم على هذه الفكرة، أي على فرضية أن اليهود من كل أرجاء العالم لهم مقاربة تفضيلية وعلاقات انتماء بديهية لإسرائيل).
وما جعل اليهود شعبا فريدا هو واقع أن الإبعاد الجغرافي الذي عانوا منه تناسب مع الثيولوجيا اليهودية التي شددت على الفصل الراديكالي بين اليهود وغير اليهود. وكما يظهر يشاي روزين وعادي أوفير، فإن مفهوم «الأغيار» والذي في العبرية المقرائية يعني ببساطة «الشعب»، نال معنى ضيق ومحدد ك«غير اليهودي» لدى الحاخامات، وصار يتزايد في سلبيته مع مرور الزمن. وبدأ استخدام تعبير «الأغيار» لرسم الحدود الصلبة بين من هم أعضاء في الجماعة وغير الأعضاء. وجاءت قوانين الحلال (للطعام والخمر) وقواعد التهود، وزواج الاختلاط والدفن ومراسم يوم السبت لتعزز هذه النظرة التي جعلت الاندماج مع غير اليهود مصدر دنس.
وبحسب المؤرخ يعقوب كاتس في كتابه «التقاليد والأزمة» فإن يهود أوروبا الشرقية الذين عاشوا بانفصال تام عن غير اليهود رأوا في الانفصال «نوعا من الإعلان بأنه لو كان ممكنا لوجب الفصل التام بين اليهود وغير اليهود). وبالفعل كتب أن «التمييز التام بين إسرائيل والشعوب الأخرى» قام وبل وتم فرضه، و«تشربه أبناء تلك الأجيال في شبابهم». والثيولوجيا التي شددت على الفصل التام قادت في نهاية المطاف إلى رؤية غير اليهود كقوة ظلامية ومعادية. وكما يوحي البروفيسور في الدراسات اليهودية ساشا شتيرن في كتابه الهام « Jewish Identity in Early Rabbinic Writings» تم النظر لغير اليهود كمجرمين، مشتبهين بالجرائم الخطيرة والقتل والزنا وعبادة الأوثان. وهذا هو سبب الربط بين غير اليهود والخنازير والحيوانات عموما.
وللمقارنة: اليونانيون استخدموا تعبير «بربري» للإشارة لكل من ليس يونانيا. لكن هذا المفهوم لم يعبر عن جوهر. البربر مثلوا منطقة جغرافية (الفرس، مصر) والعبيد ممن عاشوا تحت أنظمة استبدادية لم يكونوا ضمن أي تعريف. فأن تكون بربريا – أو يونانيا - هو وضع قابل للتغيير وليس جوهر. والشرط هو أن البربري مؤهل لاستخدام الحكمة التي اعتبرت قدرة شمولية. فسقراط، مثلا، علّم عبد مانو، وهو بربري، الهندسة، وحوله إلى يوناني. وفي نظر المسيحي، غير المسيحي هو إنسان ينتظر تغيير دينه (قسرا)، مما يدل على أن الحد بين الحالتين يمكن اجتيازه بسهولة (عن طريق الإكراه).
بالمقابل، لم تبد نظرة اليهود لأنفسهم اهتماما بتغيير دين الآخرين وشددت على اختلافهم عن غير اليهود. وذلك لأن اليهود كانوا موضوعين في خانة ثالثة، واضطروا لاختبار اختلافهم عن غير اليهود، بانفصالهم الرمزي والاقليمي والعنف غير المتوقف من جانب غير اليهود، ومرة ثانية بسبب منظومة القوانين التي فرضت عليهم وحالت دون اتصالهم بغير اليهود، وثالثة بسبب الإيمان اليهودي بالصلة الخاصة بالله ورسالته. ويمكن لهذا السبب القول أن لليهود شعور اختلاف قوي ومتطرف، يتجلى بالاهتمام بحماية طهر الجماعة. وهذا الاختلاف المتطرف عن غير اليهودي هو الحافز المركزي في الثيولوجيا اليهودية والقداسة الدينية التي أفلحت في إنشائها، على مر الأجيال، كحام للهوية لا يمكن هزيمته. هذا الشعور بالاختلاف المتطرف هو البنية الثقافية العميقة التي تساعد في توضيح كيف صمد اليهود أمام العنف والشتات على مر آلاف السنين.
الليبرالية الحذرة واليسارية الواهمة
وبودي رغم ما سبق عرض الفكرة التالية: إن الوسائل والاستراتيجيات التي كانت مناسبة بل وعملية لغرض بقاء الأقلية الأكثر ملاحقة في التاريخ وبلورة هويتها، لا تناسب بل تغدو خطيرة حينما تتحول إلى أغلبية. إذ يمكن الحفاظ على الأنماط الثقافية حتى عندما تكون الشروط الأولية التي بررت وجودها قد كفت عن الوجود. والحركة الصهيونية التي زعمت أنها تشكل ثورة علمانية في الشعب اليهودي، تبنت أنماطا دينية وبنت الدولة على شاكلتها، وبذلك خلدت هوية لا تناسب الأغلبية المعنية بترسيخ حكم ومؤسسات ليبرالية وعالمية.
وأقدم مثالين بسيطين: الأول إبعاد العرب، الذين يعيشون منفصلين في مدن وأحياء خاصة ومبعدين عن العضوية الكاملة في الدولة. وبحسب نشرات مركز عدالة لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، هناك أكثر من 50 قانونا يميز ضد العرب، سواء في ما تغلق بالأرض، بقانون المواطنة، بالتعليم وموارد وميزانية الدولة. وهذه القوانين تستبعد وتفصل عمليا السكان العرب عن المجتمع اليهودي.
والمثال الثاني هو استبعاد أشكال شرعية كثيرة لليهودية الليبرالية عن الدولة الإسرائيلية. فاليهودية الليبرالية غير مقبولة في إسرائيل. والسبب بسيط: قانون التهويد والزواج فيها تسمح بدخول أسهل لغير اليهود. أي أن التمييز ضد اليهودية غير الأرثوذكسية ممنوع في الأساس عن طريق ترتيب وإبعاد غير اليهود عن الجماعة اليهودية، بشكل القلق على طهارة الجماعة. ورغم أن هذا القلق مشروع من وجهة نظر دينية ضيقة، الا أنها تغدو انتهاكا فظا للتعددية الدينية وحقوق الإنسان الأساسية، عندما تتحول إلى واجبات تفرضها الدولة. فبأيدي أقلية أرثوذكسية تغدو الدولة حارسة أسوار الطهارة العرقية اليهودية.
وبناء عليه فإن يهودية الدولة غير مقبولة بالتربيع: أولا لأن تاريخ الصدمات لا يمكنه أن يشكل تبريرا لأن لا تحافظ إسرائيل على مبادئ كل الدول الليبرالية في العالم، والقائلة بأن الدولة لا يسعها تمثيل جماعة دينية واحدة والتنكر للغاية الشمولية للتمثيل المتساوي لكل الجماعات. وثانيا لأن اليهودية حافظت جيدا على اليهود من الصلة مع غير اليهود، فإن الدين لا يمكنه أن يشكل الخط الموجه لنظام ليبرالي. وقد حان الوقت لقبول حقيقة أنه في جوانب معينة من الفكر اليهودي عداء لطرق التفكير الحديثة، الليبرالية والشمولية. فالدين، الذي كان مجددا، ووفر العون للشعب الأشد ملاحقة ومهانة في التاريخ للحفاظ على كرامته وهويته – تتحول إلى وسيلة لتمييز ممأسس حينما يعمل كدين الدولة، بالضبط لأن اليهودية كانت موجهة بشكل كبير للحفاظ على الاختلاف والهوية المنفصلة عن غير اليهود. وما كان صالحا وجيدا لأقلية، ليس حكيما وربما خطير على الأغلبية.
في العقد الأخير بشكل أو آخر، انكشف المنطق اليهودي الداخلي، الخصوصي، المشمول بدولة إسرائيل، أمام الجميع: خطاب بار إيلان الذي طالب فيه نتنياهو الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، طرد كمية هائلة من مهاجري العمل بمبادرة الوزير إيلي يشاي بسبب «خطرهم» على طهارة الدم اليهودي، الاستخدام المكثف للمحرقة النازية لتشخيص الأعداء الدوليين وتبرير غايات ونشاطات سياسية، والجولات الإلزامية للطلاب في الخليل لتعزيز الهوية اليهودية. كل هذه التجليات لتعزيز الطابع اليهودي والديني للمجتمع الإسرائيلي هي «نسخ-لصق» من الشتات، وهي موجهة لاستعادة هوية الأقلية وحمايتها، ولكن في سياق أغلبية قوية ذات قوة عسكرية.
واليهودية المبرزة لإسرائيل تنال تأييدا في استطلاعات الرأي التي تحلل الميول السياسية في المجتمع الإسرائيلي. وفي استطلاع هام أجرته مينا تسيمح عام 2011 تجلى تغييرا مثيرا في مواقف الشباب: وإذا كانت اليهودية في العام 1998 تحتل الموقع الثالث في الأهمية بعد الديمقراطية فإنها قفزت عام 2011 كهدف قومي للموقع الأول. وعبر الشباب عن تدني حاد في دعمهم للديمقراطية وتزايد عدائهم لها. ويظهر استطلاع آخر نشرته هآرتس أجري عام 2012 أن نصف الشبان ممن أنهوا الثانوية يعربون عن عدم استعدادهم للعيش في أحياء عربية، وهذه الاستطلاعات تبين التناغم القوي بين اليهودية المتزايدة، والاشتباه بالديمقراطية والميول العنصرية في المجتمع الإسرائيلي.
أما من يردون على أن العرب أو الأتراك يتعرضون أيضا للتمييز في فرنسا أو ألمانيا، وان إسرائيل ليست أسوأ من تلك الدول، أقول: العنصرية التي مصدرها السكان، تختلف عن العنصرية التي مصدرها قوانين الدولة. وعندما يكون هذا التناسب يسهل تسويغ العنصرية –والدليل موجود في أقوال عوفاديا يوسف. وبفعلها هذا تتحول دولة إسرائيل إلى دولة مرفوضة جماعيا من قبل الآخرين. وفضلا عن ذلك، بعد مأسستها والمصادقة عليها من جانب الكيان الأقوى –الدولة- فإن القيم العامة ضد العنصرية تضعف. ومعارضة العنصرية وحماية حقوق الإنسان تبدو في إسرائيل كمواقف يسارية متطرفة، بينما هي في الدول الليبرالية مجرد قيم أساسية مشتركة لليسار واليمين.
ولتغيير المواقف هذا عواقب سياسية هامة. فسبب التخلي عن فكرة حل الدولتين هو أن المجتمع الإسرائيلي يغدو أشد تدينا وتقبلا لأفكار الهامشيين المسيحانيين، بأن الأراضي المحتلة يهودية بطبيعتها. وعند الإمعان في الثقافة السياسية الحالية في إسرائيل، والتدخل الواسع للأحزاب الدينية في السياسة الإسرائيلية والاهتمام المتزايد باليهودية في الفضاء العام، يمكن الاستنتاج بأن نموذج المواطنة الإسرائيلية الذي لم يفصل بين الدين والدولة قد فشل. فإذا كانت دولة إسرائيل تستبعد عن المشاركة فيها 20 في المئة من مواطنيها العرب، وتميز ضد اليهود من التيارات الليبرالية ولا يمكنها الاعتراف بـ«إسرائيلي» كنمط مواطنة ساري، فإن شيئا مختلا في ثقافتها السياسية.
الخوف الوجودي والقوة الاستعراضية
تتعلق الدول كثيرا بشكل تخيل أفرادها التضامن مع الآخرين. والخيال القومي لإسرائيل ينبع من ثلاث انعكاسات شتات: صياغة الانتماء القومي بتعابير دينية، التضامن مع يهود بعيدين بيسر أكثر ممن تتقاسم معهم الدولة، وعزل اليهود عن غير اليهود. وصوغت هذه الانعكاسات أنماط صياغة العلاقات الاجتماعية. وحقيقة أن إسرائيليين يتقاسمون فضاءهم العقلي ببساطة مع يهود بعيدين أكثر من عرب ومسيحيين حولهم، يمكنها أن تلبي حاجات هوية اليهود المشتتين في العالم، لكنها تعبر عن تفكك عقلي للأمة الإسرائيلية، مترافقة مع قلة ثقة وخوف من غير اليهودي، التي وفق منطقهم تتعاظم مع الوقت. وبينما كان الخوف وانعدام الثقة في الماضي رد فعل واقعيا مناسبا على اللاسامية، فإنها عندما تغدو ممأسسة وتخدم كسياسة معلنة، فإنها تنتج أمة انعزالية ومنعزلة، تتأرجح بين الخوف من الآخرين واستعراضات القوة.
إن التاريخ اليهودي والرفض العربي يوضحان سبب توجه إسرائيل لمسار القوة العسكرية، لكن ذلك لا يفسر سبب اختيار مسار الضعف السياسي. لماذا الضعف؟ لأن الدول غير الليبرالية القائمة على التفوق الديني والعرقي لا يمكنها أن تنتج مشروعية على المدى البعيد. وإسرائيل اليوم معزولة أكثر مما كانت قبل 20 عاما سواء وسط اليهود أم غير اليهود. ... والعلمانية والحيادية المحمية ليبراليا هما السبيل لضمان قدرة الدولة على شمول وإدراج جماعات مختلفة. وقد شدد على ذلك ألكسندر هاميلتون، من مؤلفي الدستور الأميركي في القرن 18 على ذلك في مقالته العاشرة: «من بين كل المزايا الكثيرة التي يضمنها لنا اتحاد مؤسس بشكل صحيح لا شيء يجدر تطويره بدقة أكثر من وقف وكبح عنف التشرذم». وهاميلتون ليس متطرفا ولكن رؤيته تبدو جريئة بشكل استثنائي بالنسبة لإسرائيل. فهو يكتب أن الدولة هي اتحاد، والاتحاد لا يمكنه أن يعمل إذا لم يوفر إطارا تتجمع داخله مجموعات دينية وعرقية مختلفة.
إن إسرائيل والصهيونية أكثر من مشروع قومي: إنهما توفران فرصة تاريخية فريدة لأن تتحول اليهودية إلى حضارة يمكن مقارنتها على شاكلة الحضارة الصينية، الإسلامية والأوروبية. فالحضارات تشمل الأديان، لكنها تعكس ما هو أكثر من ذلك لأنها مؤهلة لتبني ثقافات وجماعات بشرية أخرى وأيضا أن تطور فلسفات أخرى. وفي مقالة نشرها في «نيو يورك ريفيو أوف بوكس» قبل وقت قصير من وفاته كتب المؤرخ الاشتراكي جون جات: «مع مرور السنين بدأت هذه الولاءات غير المقيدة – للدولة، لله، للفكرة، للإنسان – في إخافتي جدا. فالغطاء الرقيق للحضارة مؤسس على ما يمكن بالتأكيد أن يكون إيمانا زائفا بالإنسانية المشتركة بيننا. لكن حتى إن كانت زائفة أيضا، فمن الأفضل لنا أن نتمسك بها» (7 تشرين الثاني 2013، ص 102).
لا سبيل أفضل لحب اليهود واليهودية من التمسك بمطلب أن تتحول إسرائيل إلى دولة علمانية شمولية، تمثل كل مواطنيها بشكل متساو وتجسد فكرة الإنسانية المشتركة.
آفا إيلوز
«هآرتس» 23-11-2013
جاري التحميل
المزيد
السفير اليوم في بريدك الإلكتروني
جريدة اليوم
جاري التحميل