جريمة الليطاني بلا مجرمين
نشرت «السفير»، وعلى مدى ثلاثة أسابيع، سلسلة حلقات تضمّنت مسحاً ميدانياً حياتياً واجتماعياً واقتصادياً وبيئياً وصحياً ومعيشياً لحوض نهر الليطاني الذي يمتدّ على نحو ربع مساحة لبنان.
جاء التحقيق إثر جولة ميدانية على مساحة 2180 كيلومتراً مربعاً (20.8 في المئة من مساحة لبنان) منها 1468 كيلومتراً مربعاً في البقاع الذي يشكّل 80 في المئة من المجرى، فيما يجري 20 في المئة من الليطاني في الجنوب، وهو ما يشكل 170 كيلومتراً، هو الطول الإجمالي لمجرى النهر. يعيش في هذه المساحة نحو مليون ونصف مليون مواطن.
ترافقت الجولة الميدانية مع الناس والنهر وقراه مع جولة بحثية شملت الدراسات والأبحاث المنجزة حول حوض الليطاني والنهر وصحة المواطنين القاطنين في مناطقه على الضفتين، بالإضافة إلى عرض لخطة المعالجة المقترحة من اللجنة الوزارية التي شكلت لوضع خطة إنقاذيه لليطاني بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية. قدمت الخطة إلى مجلسَي النواب والوزراء والوزارات المختصة
عن مشاريع مصلحة الليطاني الناقلة للتلوث
عندما أنشئت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني في العام 1954 حددت أهدافها بالري من جنوب الطريق الدولية نحو العاصمة السورية، دمشق، أي من حدود بلدة قب الياس في البقاع الأوسط (على يمين الطريق) إلى القاسمية وصولاً إلى البحر قرب صور. يومها لم يلحظ قانون إنشاء المصلحة شمال الطريق الدولية من سهلي زحلة والفرزل وصولاً إلى العلاق، المنبع الأول لليطاني. وعليه، لا علاقة للمصلحة بتنفيذ مشاريع تسهل عملية ري المواطنين المتروكين هناك على يسار الطريق الدولية، وهو ما يشكل جزءا كبيرا من سهل البقاع يصل إلى الثلث تقريباً.
يقول المدير العام للمصلحة المهندس عادل حوماني لـ «السفير»: «نحن معنيون باستثمار كل مصادر المياه في محيط الحوض». وعلى سبيل المثال لا الحصر، «يقع نبع الطاسة في إقليم التفاح، وغيره من مصادر المياه عند الحدود مع فلسطين المحتلة ضمن صلاحياتنا، وسواء اكانت هذه المصادر المائية روافد لليطاني ام لا».
اليوم وبعد 62 عاماً على إنشائها لا بد من جردة حساب، وإن متواضعة، مع هذه المؤسسة العامة التي تعنى بأطول نهر في لبنان (بطول 170 كيلومتراً)، وحوض مائي (يشكل
من «الزوطرين» إلى الزرارية: السمك النهري مهدّد بالانقراض
هناك لا يسمّونه الليطاني. ليس لديهم غيره، ولذا يتحدثون عنه بصفة «النهر»، النهر الوحيد الذي يعرفونه، لا بل أنهم يغالون أحياناً بالتعبير عن شعورهم وكأنه ملكهم فيقولون نهر زوطر الشرقية أو الغربية، نهر كفرصير، نهر قعقعية الجسر...وهكذا.
قبل أن يتحوّل الليطاني إلى مجرور آتٍ من البقاع، وخصوصاً إلى مستنقع من الرمول المتحركة، كان أهالي الجنوب في قرى اتحاد بلديات الشقيف، وكلما أضاعوا شخصاً أو لم يجدوه في منزله، يقصدون النهر فيعثرون عليه. إلى هذه الدرجة كان الليطاني متنفَّسهم والمكان الأحبّ إلى قلوبهم.
بينما تنحدر السيارة على الطريق الملتوية من زوطر الشرقية نحو الليطاني في الوادي المتعرّج، يقول أبو محمد، حارس البلدية، إن الطريق عينها لم تكن تخلو من السيارات ولا تجدها فارغة كما هي عليه اليوم: «كانت الناس طالعة نازلة، بعضهم بسياراتهم، وبعض سيراً على الأقدام».
شدة انحدار الوادي الفاصل بين قرى النبطية والشقيف وبين الليطاني جنوباً يمنع توسّع القرى باتجاه ضفافه، ولكنه لم يحل على ما يبدو دون بناء بعض الأهالي منازل على ضفة النهر مباشرة. منازل تبدو مهجورة فيما الحشائش ابتلعت بعض الحدائق وعشش العشب على المصاطب المفتوحة على النهر، بعدما غاب أصحابها
عندما تعطّل مياه الليطاني آلة فحص المياه..
وضع عامل المختبر عيّنة من مياه الليطاني سحبتها بلدية زوطر الشرقية من منطقتها، وانتظر النتيجة: جاء رد فعل آلة الفحص التحليلية غير متوقع «خطأ..خطأ». عند التدقيق في الوضع والأسباب تبين أن عينة الماء هي عبارة عن طين، طين عطّل الآلة فتوقفت. إنه طين المرامل والكسارات ومغاسل الرمول التي قضت على ما تبقى من نهر الليطاني بعدما ضخت إليه وفتحت مياه بحيرة القرعون بملوثاتها من مياه آسنة ونفايات صناعية وأخرى صلبة، عائدة سواء للمنازل أو للمزارع أو حتى للمستشفيات.
يقول رئيس بلدية زوطر الشرقية إن البلدية انتظرت حتى أصدر المدعي العام البيئي قراراً بوقف المرامل، وأعادت أخذ عينة من النهر بالتعاون مع دائرة المختبرات في مصلحة مياه لبنان الجنوبي، وجاءت النتائج لتؤكد تلوث النهر «أردنا التحقق من التلوث علمياً لكي لا يبقى مجرد كلام». تقول النتائج إن نسبة الأحياء القولونية الإجمالية في مياه الليطاني هي أكثر من 80 في كل مئة مليليتر، بينما المسموح هو أقل من واحد، وكذلك الأمر بالنسبة لـ «إشريشيا كولاي»، وهي جراثيم تتأتى عن نفايات الصرف الصحي. كما جاءت النتائج «كارثية» وفق رئيس بلدية زوطر حيث ثبت وجود نفايات دباغات أيضاً، من ضمن التلويث الصناعي للنهر.
مع المياه الملوثة من البقاع، تسلط بعد سد القرعون مياه الصرف الصحي ليحمر وسحمر إلى الليطاني مباشرة، ومن دون أي معالجة في المنطقة القريبة من «عين الزرقا» أول
من قضاء جزين إلى سهل الميدنة والجرمق: صار الليطاني موحلاً
يبدو نهر الليطاني في مساره الجنوبي وكأنه ضاق ذرعاً بما ارتكب بحقه في الحوض الأعلى البقاعي، هناك حيث شق مجراه في قلب السهل الواسع فاتحاً ضفتيه على الناحيتين للبلدات والقرى وأراضي المزارعين ينهلون منه على مدى سنوات طويلة مياهاً للشفة والري، ويعيشون على ضفافه مع مقومات الحياة النهرية المتكاملة من سباحة وصيد واستحمام واغتسال وحتى تجهيز عرائس وحنتهن. وعندما لم يقابله المسؤولون بمثل عطائه، واستهتر به الناس، أغرق بالتلوث على انواعه ليتحول مكباً للنفايات التي هددته بالموت مع بحيرة القرعون، قرر ليطاني الجنوب عدم تكرار تجربته البقاعية، فانزوى وابتعد عن البشر قدر الإمكان.
وعليه، لم يقطع قرى البحيرة الرابضة على الكتف الجنوبي في أوديتها فقط، بل أكمل طريقه نحو قضاء جزين غائراً في أودية مزرعة جرين-الدمشقية والعيشية وجبل الريحان وصولاً إلى منطقة السهل حيث يلاقي كفرمان والجرمق وفوقهما سهل الميدنة لناحية الغرب، عابراً على الأطراف ومتجنباً الأماكن السكنية.
هناك أيضاً اختار أن يبقى بعيداً عن القرى ومنازلها وكأنه يهرب من المبيدات الزراعية التي تستعمل في سهلي الميدنة والجرمق والأراضي المزروعة في كفرمان، فيعبر نحو منطقة الخردلي على طرف السهل الأشهر في المنطقة بعد سهل مرجعيون-الخيام
الاعتداء الرسمي الأول على حوض الجنوب
حل شهر آب الماضي وكانت بحيرة القرعون تقفل على كارثتها التلويثية في الظاهر. تلك الأنفاق التي تغلق أسفل سد القرعون نحو الجنوب لتسمح للبحيرة بتخزين مياه الحوض الأعلى في البقاع، كانت ناشفة، وكان مجرى الليطاني من القرعون نحو ليطاني الجنوب عبر يحمر وسحمر وقرى البحيرة على الكتف الجنوبية، جافاً وخالياً من أي نقطة ماء.
هذا المشهد يساعد في تفهم نظرة الجنوبيين إلى نهر الليطاني في حوضه الأسفل. هناك في الوادي الذي ينساب من خراج مشغرة في آخر البقاع الغربي في سلسلة جبال لبنان الغربية وبين يحمر وسحمر في الجزء الشرقي، يبدأ نهر الليطاني بالانحدار نحو الوادي الأضيق والأكثر تعرجاً في مساره، متجهاً جنوباً.
بعد مئات الأمتار من الوادي الفاصل بين خراجي مشغرة ويحمر وسحمر، وبانحدار يصل إلى 19 درجة، شقت بلدية يحمر طريقاً متعرجة نحو مجرى النهر وصولاً إلى نبعه العذب الأول: «عين الزرقا»، وعلى يسار الطريق تبدو عيون الماء الواقعة في «البطن» الغربي للوادي، وأبرزها عين ناصيف.
من عين الزرقا إلى أسفل قليا مرورا بأودية زلاية والدلافة، حيث يكمل ليطاني الجنوب رحلته نحو أودية قرى قضاء جزين، تنتشر المتنزهات العامرة بالرواد والناس وينعم مجرى
«السفير» تنشر خطة معالجة الليطاني: التنفيذ ينتظر مجلس النواب
عندما تفجّرت قنبلة إعلان الموت السريري لبحيرة القرعون ومعها نهر الليطاني، شمّر المسؤولون عن سواعدهم ليؤدوا دور المنقذين، متناسين أن إهمالهم واجباتهم في تطبيق القوانين الموجودة ومراقبة تنفيذها هو الذي أدّى إلى حال الفوضى التي أوصلت الحوض وناسه إلى الأمراض والموت.
المهم أنتجت الضجة الإعلامية وهلع الناس وهجرة بعض العائلات في البقاع من حول مجرى الليطاني، واعتكاف أهالي الجنوب عن ارتياد المرافق السياحية على ضفافه، ما حرّك المياه الراكدة على الصعيد الرسمي، فتمّ تشكيل لجنة وزارية للبحث في الحلول المقترحة.
وعليه، وضعت خطة للمعالجة لن ترى نتائجها التنفيذية النور «إذا لم يجتمع مجلس النواب ليُقرّ قانون الهبات المطلوبة لتنفيذ خطة معالجة مياه الصرف الصحي التي تلوّث نهر الليطاني من منبعه في العلاق إلى مصبه في القاسمية، وكذلك مبلغَيْ الـ55 مليون دولار لتنظيف بحيرة القرعون، والـ50 مليون دولار لتنفيذ قنوات الجر من المؤسسات الصناعية الـ650 إلى محطات التكرير في المناطق الواقعة في نطاقها الجغرافي»، وفق ما أكد وزير الصناعة حسين الحاج حسن لـ «السفير».
وضع الخطة المجلس الوطني للبحوث العلمية بالتعاون مع وزارات الصناعة والبيئة والزراعة والصحة والداخلية ومصلحة الليطاني ومجلس الإنماء والإعمار، وأودعت نسخ منها عند
غزة والمنصورة وجب جنين: عن الحياة التي كانت مع النهر
من منزله البعيد عن مجرى نهر الليطاني، يشير عبد الكريم عبد الهادي، ابن غزة في البقاع الغربي، إلى مجرى النهر، ليعترف أنه هرب منه.
هروب الحاج عبد الكريم من الليطاني يحزّ في نفسه وفي علاقته بالنهر الذي كان يعيش على ضفافه لأكثر من ثلاثين عاماً.
على عمق ثلاثة أمتار، يقول الحاج إنه كان يميز الحصى الملونة في النهر عن الصَدَف «لشدة صفائه ونقاوة مياهه». يومها كان يجلس على ضفة الليطاني ويرمي صنارته في مجراه ويصطاد بين ثلاثة إلى أربعة كيلوغرامات من السمك النهري. كانت السمكة تلمع وتنزلق نضرة طازجة «وكان الناس يشتهون سمك الليطاني لنظافته وطيب طعمه».
مع وصول المجارير الآسنة إلى الليطاني وتحوّل مياه النهر إلى سوداء بروائح كريهة، باع الحاج أرضه على ضفة الليطاني في غزة ونجا بنفسه وبعائلته، كما يقول: «الله الحامي والشافي، بس ع القليلة حاولنا تجنّب النوم بين القبور»، كما يسمّي السكن بمحاذاة الليطاني.
جاري التحميل
المزيد
السفير اليوم في بريدك الإلكتروني
جاري التحميل