«8 + 14 آذار» = صفراً على عشرة أعوام
نصري الصايغ
هل أحد ينتظر شيئاً؟
عشر سنوات من عمر «8 و14 آذار» كافية وفائضة عن الحاجة، لنقول: «لم نعد ننتظر شيئاً» منهما... عشر سنوات عجاف، تحوّل فيها لبنان إلى مزار للخوف والقلق ومكان إقامة للعجز... عشر سنوات من الدماء والاغتيالات والخيانات المتبادلة، تحوّل فيها لبنان إلى بلد غائب، وشعبه يتفاءل، إما بالهجرة منه، وإما بالغلبة المذهبية المستحيلة.
هل أحد ينتظر شيئاً؟
عشر سنوات، يحق لبعض من لا ينتسب إلى هذا ولا إلى ذاك، بسبب التزامه بالوطن، أن يسأل: ماذا كانت نتيجة هذه المسيرة المنحدرة إلى القعر؟ أي إنجازٍ يسجل لكم؟ أي اقتصاد بلغتم؟ أي كيان حفظتم وحافظتم؟ لماذا احتل الفراغ البلد واستعمرته الفوضى وكالت له المذهبية أياماً كالحة؟
لا أحد ينتظر شيئاً، لأن كل واحد عرف كل شيء. لم يعد البلد سراً على أحد. انه مكشوف وقراءته سهلة، والأسهل أن لكل فريق قراءته واجتهاده وفتاويه... جمهورية الفراغ محكومة بقوى فارغة، وتملك موهبة الثرثرة والتبرير ولغة الاقتناص و «النأي بالنفس»، عما هو حقيقي
روسيا والجبهة الأميركية الأطلسية
هاني شادي
في خطوة لافتة على مدى تصعيد التوتر بين الجبهة الأميركية الأطلسية وروسيا، أعلنت الأخيرة تعليقها التام للعمل بمعاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا اعتباراً من الحادي عشر من شهر آذار الجاري. وعلل أنطون مازور، رئيس الوفد الروسي إلى مفاوضات فيينا حول مسائل الأمن العسكري والرقابة على الأسلحة هذا التعليق التام، بأن «بلاده حاولت خلال سنوات طويلة الحفاظ على نظام الرقابة على الأسلحة التقليدية وبادرت إلى إجراء مفاوضات بشأن تكييف هذه المعاهدة، إلا أن دول «الناتو» فضلت عدم الالتزام بقواعدها عبر توسيع الحلف». لكن المسؤول الروسي أكد أن «خطوة موسكو هذه لا تعني رفضها للحوار بشأن إقامة نظام جديد للرقابة على القوات التقليدية في أوروبا، يخدم مصالح بلاده وغيرها من الدول الأوروبية في حال تهيئة الظروف لذلك». ونعتقد أن حواراً من هذا النوع، كما ترغب موسكو، لن يحدث في المستقبل المنظور في ظل
الفلسطيني الإرهابي والغرب الكافر
ربيع بركات

حصل خلاف مع صديقة وزميلة جامعية ألمانية قبل عام حول قضية سياسية «غير عادية». كانت الزميلة تُعِدُّ ورقة بحثية حول «المسألة الفلسطينية». وكان محورَ الورقة سؤالٌ عما إذا كان تهجيرُ الفلسطينيين من أرضهم عملًا مخططًا، أم أنه من تداعيات حربهم مع «اليهود في فلسطين والقادمين منهم إليها» (وفق تعبيرها) أو «الحركة الصهيونية» (بحسب تعبيري).
ونظرًا لطبيعة البحث الأكاديمية، كان لزامًا علينا التقيّد بمناهج «علمية» في النقاش، تقوم أساسًا على البيّنات والبراهين. وكانت الزميلةُ أميَل إلى تصديق فرضية أن التهجير حصل بفعل الحرب، وأنه لم يكُن نتاج تصوّرات معدّة سلفًا، برغم محاججتي القائمة على ما تيسّر من أقوال موثّقة، تُفيد بنِيّة قادة «الحركة الصهيونية» إفراغ الأرض من أهلها وإحلال سكّان مكانهم.
على أن توافر النية لم يكُن، وفق المعيار المتشدّد للزميلة، دليلًا دامغًا على وجود تخطيط، والوثائق المتاحة لم تكُن بنظرها كافية لتأكيد فرضية التهجير المُعدّ بشكل مسبق. فما كان منّي إلا أن قاربت الموضوع بصورة مختلفة، معتبرًا أن الأدلة القاطعة على «المحرقة النازية» مثلًا، ما كان ليُكشف عنها كاملة لولا هزيمة النازيين واعتراف قادتهم بها ونشر ملفاتهم السرية. لكن، برغم ذلك، فقد كان سلوكهم وخطابهم وأدبياتهم السابقة للكشف عن أدلّة دامغة، تفيد بوجود «نيّة متعمّدة» للتطهير العرقي، تمامًا كما هو الحال في القضية الفلسطينية محور النقاش.
وقد أُقفل الجدل يومها بعدما استغربَت الزميلة مقارنة الصهيونية بالنازية، وبعد اعتباري أن القيود التي يفرضها استغرابُها على النقاش، ذات منبت «تربوي - ثقافي» أملته «عقدة الهولوكوست» في ألمانيا، وأني غير مضطر، لدواعٍ «علمية» أيضًا، للالتزام بحدود مصطنعة للحوار. ثم انتهى الأمر بأن تفهّمتُ حساسيتها من المسألة (إثارة الهولوكوست)، فيما سلّمت هي، في المقابل، بأن محاججتها مكبّلة بقيود «ثقافية» قد تحتاج إعادة نظر.
تذكرتُ هذه الحادثة وأنا أقرأ خبرًا عن فرضٍ منزليٍّ كُلّف به تلامذة لا تتجاوز أعمارهم 11 عامًا في مدرسة «نورث لاناركشاير» باسكتلندا. يُفيد الخبر الذي تناقلته وسائل إعلام بريطانية قبل أيام بأن شرحًا مكتوبًا قُدِّم للتلامذة حول الإرهاب، ينص حرفيًّا على أن «الفلسطينيين يشعرون بأن لهم حقًّا باستخدام الإرهاب ضد الإسرائيليين»، فـ «الفلسطينيون الذين يعيشون في إسرائيل يعتقدون أنها أرضهم»، و «الحروب بين إسرائيل والفلسطينيين لطالما انتهت بهزيمة الأخِيرِين، وهو ما دفعهم للجوء إلى وسائل إرهابية على مدى أكثر من 30 عامًا». ثم يطلب الكرّاس من التلامذة الإجابة على جملة من الأسئلة، من بينها «شرحُ مثالَين عن أعمال إرهابية يقوم بها فلسطينيون».
وقد أثار الموضوع استنكارًا تُرجم بحملة على وسائط التواصل الاجتماعي، والأهم من ذلك، برسائل احتجاج للمجلس المحلي في منطقة «نورث لاناركشاير» المحاذية لمدينة غلاسكو، كبرى مدن اسكتلندا، خصوصًا أن الكرّاس كان صادرًا عن المجلس، أي عن سلطة محلية، لا عن إدارة المدرسة أو أحد أساتذتها. وانتهى الأمر بتقديم المجلس اعتذارًا، وبسحبه المادة المذكورة من التعليم.
ليس في اسكتلندا عقدة من المسألة اليهودية كما هو الحال في ألمانيا، بل على العكس من ذلك، فللبلاد علاقة قديمة بالقضية الفلسطينية، حيث شهدت واحدة من مدنها رفع أول علم فلسطيني على مبنى رسمي في أوروبا (بلدية دندي بعد توأمة المدينة بنابلس) في العام 1980، أي حين كانت «منظمة التحرير الفلسطينية»، في قاموس معظم الغرب الرسمي، موصومة بالإرهاب.
على أن الحادثة، كما النقاش المذكور (وهما مثالان بسيطان بطبيعة الحال)، يفيدان في الإضاءة على مسألة مهمّة تتصل بدور مناهج التربية والتعليم في صوغ الفهم، بل وحتى في تحديد قواعد الجدل.
والمسألة تلك، إذا ما قُرئت من زاوية عربية وإسلامية، تُبرز وجهًا آخر للمعزوفة إياها، حيث يُشيطن غير المُسلم (أو المسلم «المختلف»)، في أدبياتٍ تنخر المناهج التربوية في عديدٍ من الدول والمؤسسات الإسلامية، تحديدًا في بعض دول الخليج والجمعيات الدينية المرتبطة بها حول العالم، فيصبح «الكافر» وفقًا لها، في أحسن الأحوال، في مأمنٍ بانتظار أن تدق ساعة «الفتح المبين».
هكذا، تُعبّد الطريق أمام إعطاء «الكُفّار» صفتهم تلك وما يستتبعها من أحكامٍ قيَميّة ومبررات إلحاق دوني (كأهل ذمّة في ديار الإسلام)، عبر مناهج تربوية تستولد من رحمها، في الحالات القصوى، انتحاريين «في سبيل الجنة» (علمًا أن «التكفير» حرية تعبير لو لم يقترن بمسوّغات عنف أو تمييز، تمامًا كوصف «الإرهاب»).
وفق أسس تربوية مشابهة أيضًا، تحلُّ مفردة «يهودي» بدلًا من «صهيوني» لدى تناول القضية الفلسطينية في خطاب كثير من العرب والمسلمين، مثلما تحلّ المفردة في خطاب ألمان لأسباب مختلفة تمامًا.
ففي الحالة الألمانية، يتّصل استبدال المصطلح بشعور جمعي ألماني عميق بالذنب، وبالرغبة في تثبيت صورة الضحية للجماعة المذكورة (على اعتبار أن اليهود، بصفتهم كذلك، هم ضحايا «الهولوكوست»).
بينما في الحالة العربية والإسلامية، يُماهى بين التعبيرَين (اليهودية والصهيونية) استنادًا إلى نصوصٍ دينية مفصولة عن سياقاتها التاريخية، فيصبّ ذلك في مصلحة دعاية إسرائيل، وتأكيد حقها بحماية اليهود من «محرقة» جديدة، ويتكامل هذا في مفاعيله مع وصم الفلسطيني (كما في مثال مدرسة «نورث لاناركشاير») بالإرهاب.
ووفق مناهج دراسية مشابهة في ديارنا أيضًا، فإن الغرب «الكافر» لا يقفُ سوى على مرمى حجرٍ من «دولة إسلامية»، ما لبث بنيانها أن قام من صفحات كتب التراث، فأخذت شكلها الراهن في العراق والشام، وهدد مقاتلوها في آخر مآثرهم من ليبيا... بفتح روما عبر المتوسط.

[email protected]

محو التاريخ في المشرق
الياس سحاب

تشبه الهجمة الهمجية التي تستهدف منطقة المشرق العربي حفلة جنون كبرى، وهي تتميز بتحطيم المعالم التاريخية، وبسرقتها والإتجار بها، وتالياً بمحو معالم الهوية الحضارية لهذه المنطقة، التي لا تضاهيها منطقة أخرى على وجه المعمورة، في عراقتها وفي تنوع مكوناتها التاريخية المتراكمة على مر آلاف السنين.
وهي هجمة لا تدمر التاريخ وحده، بل تمزق هوية المنطقة الضاربة في جذورها منذ العالم القديم، وتصيبنا بالخوف، ليس على حاضر الإقليم فقط، بل على مستقبله القريب والبعيد.
وهذا خوف يطرح عدداً غير محدود من الأسئلة، بينها ما يتصل بمآلات التدمير المنهجي لمعالم التاريخ والهوية ونتائج هذا التدمير: أيقود آليا إلى محو الهوية الحضارية لهذه المنطقة من العالم؟ أم أنه يؤدي إلى استيلاد «هوية» جديدة، تعبّر عن نفسها في مرحلة تاريخية ناشئة، فتحل فيها الهمجية إلى أجل غير مسمى مكان الكتل الحضارية السابقة؟ وهل إن قسوة العنف قادرة على طمس التاريخ، إلى حد محو أثر حضارات يمتد عمرها آلاف السنين، فيحولها إلى ركام أو عدم؟
إن ما يحدث منذ سنوات في كل من سوريا والعراق، وما كاد في لمح البصر أن يحصل في مصر، إحدى أبرز وأهم البؤر التاريخية والحضارية في هذه المنطقة من العالم، يبعث على رعب يفوق ما يمكن احتماله في عالم الصراعات السياسية ومناوراته. وهو أبعد مما تقول به القراءات الصبيانية التي تراه من زاوية صراع آني بين محورين سياسيين تارة، وخلافٍ بين وجهتي نظر في تفسير معنى الدين تارة أخرى. هذه الخفة في استسهال تفسير معنى الحدث الراهن، تصيبنا بالهلع بقدر ما تصيبنا عمليات التدمير نفسها. كيف تجوز مثلاً، بخفة لا متناهية، المساواة بين تماثيل يعبّر كل منها عن حقبة من حقبات التاريخ التي تعاقبت على هذه المنطقة، بالأصنام التي كان البعض يعبدها قديماً؟ وكيف تجوز المساواة بين المصير الذي أمر به الدين لهذه الاصنام المعبودة (التدمير) ومصير التماثيل الحجرية التي تنتصب شواهد تاريخية لا يعبدها احد، بل يقتنيها أهل المنطقة في متاحفهم، كعلامات حية على تعاقب الحضارات وغناها.
العلامة الوحيدة التي يمكن أن تشكل عامل عزاء وبارقة أمل، في انزياح هذه الموجة الهمجية بأقل ما يمكن من خسائر في التاريخ والهوية والمستقبل، هي أن تاريخ الإقليم نفسه يفيد بأن موجات همجية كثيرة سبق أن اجتاحت المنطقة، من حين لآخر، لكن أياً منها لم يستطع أن يمحو معالم التاريخ، الذي ظل نهره يتدفق عبر الزمن.

«موسكو 2»: التأجيل أفضل من الفشل
نائل حريري

لم تبالغ روسيا في وصف نتائج «اللقاء التشاوري السوري»، إذ كانت في وقت سابق قد مهّدت لمؤتمر «موسكو 2» باعتباره «إطلاقاً لمسار سياسي يعوّض فشل مباحثات جنيف»، قبل نكوصها المفاجئ وقبولها بطاولة «دردشة بمن حضر».
منذ العام 2014، والدول المعنية بالأزمة السورية تعيد ترتيب أوراقها. وقد حاربت روسيا بضراوة على الجبهة الأوكرانية، ولانت قليلاً في الشرق الأوسط، ممررة ثلاثة قرارات متتالية في مجلس الأمن تحت الفصل السابع، هي في ظاهرها إعلان للحرب الدولية على الإرهاب، وفي باطنها مباركة لتشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة.
وقد عُقدت لقاءات روسية - تركية حيناً، وأخرى روسية - سعودية. وتزامن ذلك مع تكثيف اللقاءات الأميركية - الإيرانية، والتفاؤل الذي أُشيع حول قرب إنجاز اتفاق نووي، من دون الحاجة إلى تمديد إضافي للمفاوضات. وتصدرت إيران واجهة الأحداث في سوريا ولبنان واليمن والعراق في آن واحد، فبات يربطها بالولايات المتحدة اتفاق شبه ناجز، وبروسيا ملف نووي ينتظر الاستكمال، وبسوريا علاقة سيطرة لا لبس فيها، وباليمن انقلاب سافر، وبلبنان فراغ سياسي مستمر. بالمقابل، حاولت السعودية، وما زالت، صوغ تحالفات جديدة لاستعادة قدر من التوازن المفقود في المنطقة.
يتساءل البعض عن سبب إحراج موسكو نفسها بعقدها جلسات الحوار، إذا كانت مستاءة من الخصوم وغير راضية عن الحلفاء. كذلك يتساءل متابعون عن أسباب بذل الجهود من أجل إنتاج سلعة رديئة، لم تكن غير قابلة للبيع فحسب، بل إن موسكو نفسها انكفأت عن تسويقها.
مفهوم أن روسيا تركت التحالفات العسكرية المكلفة لخصومها، وألزمتها، ظروفها الصعبة، على خلفية العقوبات والأزمة الأوكرانية، بالعمل في مسار سياسي خاص، تهدف لتسويقه حين ينضج. على أن ذلك يستوجب قليلاً من الضغط على النظام السوري كي يكون أكثر قابلية للانفتاح على حلول، وللمشاركة في جلسات حوار وإبداء مزيد من التعاون مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة، ربما تحت طائلة تخفيف الدعم الروسي عنه. فالضغوط على موسكو تتراكم، وهي لا تريد دعم النظام السوري في حرب لا تنتهي، فيما النظام السوري لم يُبْدِ استعداده لفتح ملفات سياسية جدية راهناً، بل طلب من الروس شراء مزيد من الوقت: فليكن لقاء موسكو تشاورياً، ولنؤجل سائر التفاصيل إلى جولة لاحقة.
غير أن أوساطاً من اللقاء تبدي استياءً روسياً من مراوحة النظام السوري مكانه لناحية الانفتاح على حلول سياسية، فيما التواصل الديبلوماسي السوري - الروسي يبدو أضعف مما كان عليه في السابق. ولعل موسكو تنتظر إنجاز الاتفاق النووي الأميركي - الإيراني قبل الإقدام على خطوة أخرى، ما يعني أن محادثات موسكو الثانية لن تعقد في القريب العاجل كما أشيع. فروسيا غير مستعدة اليوم لتحمل تكاليف «لقاء تشاوري» فارغ آخر، يضعف من أسهمها أكثر مما أضعفه اللقاء الأول، ويظهرها بمظهر من لا يستطيع إقناع حليفه بخطوة سياسية جدية. وأغلب الظن أن روسيا تبحث عن مفاوضات تتسم بقدر مقبول من الفعالية لتلميع صورتها، ويبدو أن المهمة لتحصيل هذا المبلغ صعبة جداً، إلى حد أن الولايات المتحدة، كما بدا، ساعدت على نزع بعض العصي من عجلات مساعيها.
برغم ذلك، تُشتم رائحة ضغط أميركي ساعد على إنجاز اتفاق المعارضة الأخير في القاهرة، وعلى إعلان رئيس «الائتلاف» أنه مستعد لتأجيل البحث في مصير الرئيس السوري. تلك خطوات ومواقف، يفترض نظرياً، أن تمهد لما يتجاوز «اللقاء التشاوري».

خرائط جديدة للمشرق العربي: حروب أهلية تكمل ما بدأه «داعش»؟!
طلال سلمان

تتهاوى الكيانات السياسية لبعض الأقطار العربية بسرعة قياسية وكأنها من كرتون، ولكن ليس من أجل تصحيح المغلوط في رسم خرائطها بعيداً عن إرادة شعوبها، وخلافا لمصالحها في الغالب ومن خارج السياق التاريخي لوجودها بهوية أهلها الثابتة، والمؤكدة، بل بسبب عجز أنظمة الحكم فيها عن حمايتها وتأمين شروط السلامة والديمومة لها.
بالكـــــاد يتبقى من تلك الدول وفيها مؤسسة الجيش. هذا ما لم تعصف بوحدته مخاطرُ زجه في الصراع الداخلي الذي غالباً ما يجد من يضفي عليه الطابع الطائفي أو المذهبي، فينقسم بدوره على نفسه، أو تضعفه تداعيات المغامرات العسكرية في أراضي الدول الأخرى.
ها هو المشرق العربي بكياناته السياسية جميعا، يعيش حالة قلق مصيري، وتتساقط الحدود التي رسمها الأجنبي لدوله (معاهدة «سايكس ـ بيكو») التي استُولدت قصيريا، وعاشت دائماً حالة من الهشاشة التي مهدت لإقامة الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين من دون حرب تقريباً، بسبب الفارق الهائل في القدرات بين القوى المسلحة الإسرائيلية (في عصابات «الهاغاناه» و»الشتيرن» التي ستغدو، في ما بعد «جيش الدفاع الإسرائيلي») وبين كتائب من القوات المسلحة لدول مصر وسوريا والأردن والعراق ولبنان، والتي ظلت بمجموعها أقل في العديد وفي كمية السلاح فضلاً عن نوعيته من الجيش الإسرائيلي.
اليوم يطالعنا، في المشرق العربي، المشهد التالي:
1ـ تعيش دولة سوريا في قلب حرب حقيقية لا صلة لها بأصل مشاهد الاعتراض الشعبي على سلوك النظام. إنها الآن، في صورتها الفعلية، «حرب دولية»، وهي قد اسقطت حدود سوريا الغربية والشمالية إلى حد كبير، أما الحدود الجنوبية فتتحكم بالحركة فيها إسرائيل، حتى لو شكل الأردن مخازن السلاح ومراكز التدريب، مع الحرص على إبقاء خطوط الاتصال قائمة مع النظام في دمشق.
2ـ أما دولة العراق المهمشة والمختلة علاقات «المكونات الشعبية» فيها، ان على المستوى العنصري (عرب وأكراد) أو على المستوى المذهبي (شيعة وسنة أساساً)، فتعيش في قلب حرب تكاد تكون في طبعتها الأخيرة «دولية»، حتى من قبل «غزوة داعش». أما بعد اجتياحات «الخليفة أبو بكر البغدادي» بجحافله التي أسقطت الحدود السياسية لكيانات عدة، بغير عناء، فقد غدت هذه الحرب «دولية» بالفعل.
لم تعد مشاركة الحرس الثوري الإيراني في العراق سرية، (ومن قبل في سوريا)، أما مشاركة الطيران الحربي في الإغارة على «أشباح» «داعش» على امتداد المساحة الواصلة ـ الفاصلة بين سوريا والعراق، فقد جمعت إلى الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين دولاً أوروبية أخرى، وصولاً إلى استراليا، فضلاً عن بعض الطيارين والطيارات العربيات اللواتي ظهرن للمرة الأولى خارج مساحات العروض العسكرية.
ولنتجاوز أن بعض الدول العربية المشاركة في هذه الحرب لا تهتم بأن تخترق طائراتها الحربية فضاءات دول عربية أخرى، بغير إذنها، بينما كان يمكن ان تنشب حرب فعلية إذا ما اخترق جنود من دولة شقيقة، مثلاً، حدودها التي يمتد فوقها، وعلى طولها، سور مكهرب يمكن ان يقتل أي «متسلل» عربي، بينما هي تفتح أجواءها ومياهها لطيران الغرب ومدمراته الآتية للقصف في بعض جهات العراق وصولاً إلى سوريا: «في مواجهة داعش لا مجال للأناشيد والعواطف القومية! المهم سلامة النظام التي لا تضمنها إلا مصالح الحليف الدولي. ولا بأس من اعتبار النظام بعض تلك المصالح»!
3ـ وحده الأردن، المحصن دولياً، بعد إسرائيل ومعها، أمكنه إطلاق طيرانه الحربي ليضرب في العراق منفرداً، ليس فقط من باب مشاركة التحالف الدولي في حربه الجوية، بل أساساً «للثأر» لطياره الذي اسقطت «داعش» طائرته الحربية في بعض انحاء أرض الرافدين ثم عمدت إلى إحراقه حيَّاً في استعراض سينمائي دموي، بقصد بث الرعب في قلوب من يذهب إلى الحرب عليها.
4 ـ أما لبنان الذي يكاد يكون بلا دولة، فثمة ما يمكن اعتباره اتفاقاً دولياً على تحييده، وربما تحول هذا الاتفاق في نظر «داعش» إلى مصدر للابتزاز. وتؤكد عملية اختطاف العسكريين، من الجيش والقوى الأمنية، أحد عناوين هذا الابتزاز الذي يهدف إلى ما يتجاوز التهويل على الداخل اللبناني إلى استدراج عروض دولية تتجاوز الوطن الصغير إلى جواره العربي، الأقرب فالأبعد.
على ان المقصد الأخير لتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» هو العتبات المقدسة في مكة والمدينة، التي يمكن ان تعطي «الخلافة» شرعيتها. ولأن أنظمة الجزيرة والخليج، وفي الطليعة منها المملكة العربية السعودية تدرك دلالة استخدام تعبير «الخلافة» في إستراتيجية «داعش»، فهي تحاول صده ووقف اجتياحاته البلدان في طريقه إليها. ولعل في ذلك ما يفسر التحول الذي طرأ على موقفها تجاه التطورات التي شهدتها بغداد وانتهت إلى تبديل فعلي في صيغة الحكم عموماً، والحكومة خصوصاً، والتي دفع بعض أثمانها رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي. أما على الصعيد الميداني، فقد أعادت القيادة السعودية التثبت من ان السور المكهرب الذي أقامته على امتداد حدودها مع العراق، يعمل بطاقته القصوى، وبالــــــتالي فقد يمنع، أو يؤخر وصول قوات «داعـــــش» إلى مقصدها، أي إلى العتبات المقدسة في المملكة المذهبة.
مؤكد ان خرائط دول المشرق العربي موضوعة الآن على طاولة من يعتبرون أصحاب القرار على المستوى الدولي. ومؤكد ان ثمة من يعيد النظر في هذه الكيانات التي استُولدت قيصرياً في لحظة التسلم والتسليم بين «الاستعمار القديم» ممثلاً بدولة تركيا وريثة السلطنة العثمانية، والاستعمار الجديد، ـ آنذاك ـ أي بريطانيا وفرنسا، مع نهاية الحرب العالمية. فسُلخ عن سوريا بعض جنوبها لإقامة الإمارة الهاشمية في الأردن، تمهيداً لاقامة «دولة يهود العالم» باسم إسرائيل على حساب فلسطين وأهلها الذين كانوا فيها على امتداد التاريخ. كذلك أضيفت إلى «متصرفية جبل لبنان» التي كانت دول الغرب قد فرضتها على السلطان العثماني في العام 1860، وبعد مذابح مدبرة، أجزاء من ولايات عثمانية سابقة، هي ما يسمى لبنانياً «الأقضية الأربعة» لتصير للجمهورية اللبنانية حدودها الحالية بتوازناتها الطوائفية المغايرة لما كانت عليه في المتصرفية.
بالمقابل، فإن السوريين لا يمكن ان ينسوا ان «دولتهم» التي ابتدعتها معاهدة «سايكس ـ بيكو» بين البريطانيين والفرنسيين، في خضم الحرب العالمية الأولى، قد سُلخ عنها بعض جنوبها لإقامة الإمارة الهاشمية، ثم بعض شمالها، عشية الحرب العالمية الثانية إذ أعطيت منطقة كيليكيا واسكندرون لتركيا، فضلاً عما اقتطع منها لحساب الكيان اللبناني المستحدث بحدوده الراهنة، فضلاً عن ان صراعاً بريطانياً ـ فرنسياً قد نشب حول الموصل انتهى بانتصار بريطانيا فظلت الموصل في العراق ولم تذهب إلى سوريا.
هذا إذا ما تناسينا ان السوريين كانوا، ولعلهم ما زالوا ينظرون إلى فلسطين على انها بعض الأرض السورية التي اقتطعت منهم غصباً ليقام عليها، في وقت لاحق، الكيان الإسرائيلي.
أما العراق، فإن خريطته المستقبلية تكاد تتبدى عبر دخان المعارك مع جحافل «داعش». فلقد تم تظهير إقليم كردستان العراق، عبر المواجهات الدموية، وكأنه مشروع دولة قائمة بذاتها، وإن حرصت ـ ولأسباب اقتصادية قبل السياسة وبعدها ـ على روابط معينة مع الدولة المركزية في بغداد.. كذلك فإن الأجواء المشحونة بالعصبية المذهبية، والتي كثيراً ما تسببت في نزف دموي وفي إذكاء لنار الطائفية تمهد لـ «فرز سكاني» على قاعدة: ليكن لكل من الطائفتين الشيعية والسنية كيانها السياسي ضمن فيدرالية طوائفية تضم أشلاء ما كان سابقاً «الشعب العــراقي» في دولته ذات الدور المؤثر أقله في المحيط العربي.
بصيغة أخرى، فإن مستقبل الدولتين العربيتين المركزيتين في المشرق العربي، سوريا والعراق، هو المطروح على بساط البحث الدولي، مع شيء من «التواطؤ» العربي.
وها هو اليمن يفرض بالتطورات الأخيرة فيه، مصير دولته على بساط البحث: هل تبقى «مركزية» بعاصمة واحدة ورئيس واحد وجيش واحد، أم يعود اليمن يمنين، شمالي يحكــمه «الزيود»، وجنوبي يحكمه «الشوافع»، أم يتم تفتيت هذا البلد العريق بحرب أهلية لا تنتهي، تأميناً لجواره السعودي ومن خلفه إمارات الخليج العربي؟
أما الذريعة فمتوفرة الآن بوضوح: صد الهجمة الإيرانية على الأرض العربية.
لكن الزلازل لا تتأثر كثيراً بالمواقف السياسية، بل انها كثيراً ما تستولد وقائع جديدة تفرض تعديلاً في الثوابت. والعـــاقل من قرأ التاريخ جيداً وعمل بمضمونه.
ينشر بالتزامن مع جريدة «الشروق» المصرية

رأي آخر في مأزق السياسة المصرية
فهمى هويدى
لو أن الجبهة الداخلية في مصر كانت أكثر تماسكاً واستقراراً، لتوقعنا نجاحاً أكثر للمؤتمر الاقتصادي المزمَع عقده في بداية الأسبوع المقبل.
(1)
إذ لا يشك أحد في أن فرص الاستثمار في مصر لا حدود لها. كما أن احتمالات الانطلاق والنهوض في المستقبل أيضاً لا حدود لها، لكن المستثمر مهما بلغت درجة حماسه ليس مستعداً للمغامرة. ولابد أن يتردد ويراجع نفسه ألف مرة قبل أن يدخل بلداً يخوض حرباً ضد الإرهاب، ويواجه أزمة سياسية حادة لا تلوح في الأفق احتمالات حلها. إذ في حين تشترك مدرعات القوات المسلحة مع قوات الشرطة في حماية الأماكن العامة، فإنه لا يكاد يمر يوم من دون أن تسمع أصوات الانفجارات في مختلف أنحاء البلاد. وهو ما يعني أن مصر لا تعاني من مشكلة الاستقطاب السياسي فحسب، ولكنها تعاني أيضا من عدم الاستقرار الأمني الذي يبلغ ذروته في سيناء، وتتردّد أصداؤه الخائبة في بقية المحافظات، ممثلة في العبوات الناسفة التي أصبحت تستهدف الأبرياء وتشيع الخوف والذعر في مختلف الأوساط.
ما أفهمه أن تلك أجواء عارضة صحيح، لكنها طاردة للاستثمار وليست جاذبة له، بل أزعم أنها معطلة للتنمية بوجه عام. وأي متابع لأداء الأنشطة الإنتاجية في مصر يدرك ذلك
أمام نقطة تحوّل فلسطينية
هاني المصري
جاءت قرارات المجلس المركزيّ لـ «منظمة التحرير» جيّدة، ورحّبت بها الفصائل، لدرجة أنّ «حماس» التي قاطعت الاجتماع رحّبت بالعديد من قراراته. غير أن هذا الترحيب بدا غائباً على الصعيد الشعبي. هل لأنّ الناس تخشى من ردّة الفعل الإسرائيليّة والأميركيّة، وربما الأوروبيّة، على قرارات مثل وقف التنسيق الأمني، وتحميل الاحتلال المسؤولية عن احتلاله، وإعادة النظر في العلاقة معه، ووقف «اتفاقية باريس» الاقتصادية، وتفعيل المجلس التشريعي، والتوجّه نحو إجراء الانتخابات؟ ربما، لكن التفسير هذا غير مقنع، لأن الفصائل والشعب يطالبان بقوة باتخاذ خطوات كتلك.
إذًا ما السبب وراء اللامبالاة الشعبية؟ حتى نجيب على السؤال علينا أن نتذكر أن الشعب مغيّب عن المشاركة في تقرير مصيره منذ فترة طويلة، وأنّ الهوة بينه وبين القيادة كبيرة وفي اتساع مستمر. كما أن هناك قرارات كثيرة مشابهة تم اتخاذها في الاجتماعات السابقة للجنة التنفيذية لـ «منظمة التحرير»، كتلك التي اتخذت في الثالث والعشرين من تموز الماضي، وتلك التي اتخذها المجلس المركزي في اجتماعه السابق في نيسان الماضي، ظلت حبرًا على ورق، ولم تجد طريقها للتنفيذ، أو نفّذت بطريقة أفرغتها من مضمونها، لدرجة أن المواطن لم يلاحظ الفرق بين ما قبل اتخاذها وما بعده
عن عدن «العاصمة» و«الحراك الجنوبي»
عبد الله زغيب
لم يكن في الجنوب اليمني يوما صراع على الهوية الوطنية. الصراع كان دوما على مفاعيلها ومخرجاتها، وعلى امكانية استثمارها ووجهة هذا الاستثمار. الإرث اليساري للدولة الاشتراكية كان واضحا في النشاط السياسي. مطالب الانفصال او الفدرلة كانت انعكاسا لتراكم تاريخي ساهمت في قولبته نخبة صنعاء الحاكمة. لكن واقع «إسقاط النخب» الذي تعيشه عدن اليوم أوجد معركة لتحديد الهوية، واعادة انتاجها في زحمة المشاريع الداخلية والاقليمية والدولية.
تختصر عدن الفسيفساء السياسية على طول الساحل اليمني، والجنوبي تحديدا. فالمدينة صاحبة المشروع المختلف عن النسق السياسي في صنعاء، باتت اليوم بيئة حاضنة للتناقضات اليمنية بشقيها الشمالي والجنوبي كلها، فهي تعيش تغريبة لم تكن بالحسبان. والتبدل من حال الى آخر لم يكن نتاجا طبيعيا وبسياق سلس، انما جاء بمثابة الاعصار الذي أعاد تحديد المسار أو اللامسار، بمعزل عن أي طبيعة قائمة للمشروع «الوطني» هناك، وباتت القضية رفضا لـ «انقلاب» حوثي مفترض، او استعدادا لوقف «مدّ» حوثي محتمل. وبين الانقلاب والمد، ضاعت بوصلة الجنوبي وجنّ جنون مؤشرها، في ظل «الانحراف» السريع عن عناوين سابقة كإصلاح أخطاء الحروب اليمنية وتعزيز التكامل من جهة، أو العنوان الاكثر رومنسية وراديكالية والمتمثل في الانفصال والعودة الى نموذج ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي مع دولتين شمالية وجنوبية
ديفيد هيل و«حزب الله» والرئاسة بينهما
نصري الصايغ
لا مفر من انتخاب رئيس جديد للجمهورية في لبنان. الدولة تفرغ تباعاً. الفراغ يحتل المؤسسات. الحياة السياسية اكتفت بالحوار والانتظار، ولا أفق أبداً لأي فريق. كأن الجميع يحاول فقط النزول عن الشجرة، لاستراحة مؤقتة. ليس في يد اللبنانيين حيلة أو حل. اجتماعهم على الأدنى مستحيل، فكيف انتخابهم للمقام الأعلى؟
لكن لا مفر من انتخاب رئيس جديد، إن لم يكن اليوم، ففي يوم من الأيام. وقد تطول الأزمنة في منطقة مأزومة منذ أربع سنوات ومرشحة لدوام التأزيم، لعقد أو أكثر. لذا، لم تسفر المواعيد المفترضة للانتخاب، عن نصاب واحد لتأمين الجلسة: الصندوقة حاضرة، والأوراق جاهزة، ولكن اسم الرئيس لم يكتب بعد، أو لم يكتبوه لنا بعد.
ومع ذلك، لا مفر من الانتخاب، إن لم يكن بقرار داخلي، أو بصيغة ديموقراطية معتمدة في البلدان الديموقراطية، فليكن بمساعدة خارجية، والأصح، بقرار خارجي. غير أن الناخبين الجديين والمرجحين، المقيمين في الخارج، مشغولون بإدارة حروب وقيادة معارك وتنسيق جهود وتفاوض دؤوب (على النووي) وانتقال سلطة من.. إلى (في السعودية) ومراقبة اندفاعة إيران لمساندة الحوثيين في اليمن المهدد بالسقوط والتشظي والتفتت، ولمساعدة العراقيين ميدانياً في محاربة دولة «داعش» العظمى، وللانتشار في الجولان، على تخوم الأرض المحتلة في فلسطين، تحضيراً لحصار أو تأهيلاً لتحرير ربما
ما بين «حزب الله» و«داعش»
حسام مطر
بعد سنوات من إنكار أبوة «داعش»، وجد حلفاء الولايات المتحدة أنفسهم أمام الحائط بعد تصريحات نائب الرئيس الأميركي جو بايدن والجنرال ويسلي كلارك بشأن مسؤولية دول الخليج وتركيا عن تمويل «داعش» بهدف ضرب أركان محور المقاومة لا سيما سوريا و «حزب الله». وعليه، بعد سقوط ورقة الإنكار كان لا بد من تعويم ورقة بديلة في السجال الإعلامي والسياسي وهنا برزت معزوفة «حزب الله وداعش وجهان لعملة واحدة».
طبعاً، لا يمكن لمن يتمتع بذرّة بصيرة أن يقع ضحية هذه الخديعة، إلا أن حجم الإمبراطورية الإعلامية التي تروّج لها، والجو المذهبي المشحون، يدفعنا للخوض في هذا السجال حول «حزب الله» و «داعش». يمكن على الأقل، وبما يتسع له المقام، استحضار أبرز نقاط التناقض لا مجرد الاختلاف بين الطرفين.
1 – من حيث النشأة، انطلق «حزب الله» كحركة مقاومة بوجه «إسرائيل»، تمكنت من تحرير الأرض والإنسان وتحقيق قدرة ردع نقلت اللبنانين من حالة الاستباحة الإسرائيلية الدائمة الى حالة متقدمة من الأمن والاستقرار. فيما «داعش» - وهو نسخة محدثة من «القاعدة» ذات المنشأ الأميركي الوهّابي ـ انطلقت من العراق على أساس التطهير المذهبي (بدعم وهّابي) قبل أن يجري استثمارها أميركياً لاستنزاف محور المقاومة في سوريا والعراق ولبنان. «حزب الله» أصيل في مقاومة الاحتلال، و «داعش» وكيل متعدد
الرياض وأنقرة: حسابات الاصطفاف الجديد
مصطفى اللباد
ما زالت أصداء التحركات السعودية تجاه أنقره تملأ أفق النقاش السياسي في المنطقة، وما انفكَّ التحالف المزمع بين العاصمتين لموازنة النفوذ الإيراني في المنطقة يثري خيال المؤيدين ويثير مخاوف المعارضين. وبرغم اختطاف كلمة نتنياهو في الكونغرس الأميركي لانتباه المراقبين ليوم أو اثنين على الأكثر، إلا أن موضوع التحالف السعودي - التركي استمر معلّقاً في الأجواء الإقليمية، ويبقى مرشّحاً للبقاء فيها لفترة مقبلة. ويعود السبب في ذلك إلى أن تركيا والسعودية لا تملكان ـ موضوعياً - بدائل أفضل من التقارب في ضوء الكباش الإقليمي الحالي، برغم تباين حسابات الطرفين لهذا الاصطفاف الجديد.
حسابات السعودية
اختارت الرياض توقيت زيارة أردوغان وهي عالمة بعزلته الإقليمية، ما يعني أن رغبة السعودية في طرح اصطفاف إقليمي مع تركيا تعني بلا مواربة مواجهة إيران ومن أمامها حليفها النظام السوري، من دون نقاش تركي كثير حول «الأسس القيمية» لهذا التحالف، ومن دون سماع رطانة أردوغان حول «الربيع العربي»، وهو أمر لا تحبّذه الرياض ولا تريده ولا يناسب أهدافها الإقليمية. دخلت المفاوضات النووية الأميركية - الإيرانية مراحل متقدمة، وقدرات الرياض في التأثير على مسارها محدودة، وبالتالي فالأوفق - من
العنف الممارس في الإعلام
منى فضل الله
يمر الواقع العربي في خضم مرحلة من الاضطراب والفوضى التي انتشرت في عدد كبير من دوله، حيث تمتدّ من سوريا الى العراق ومصر وليبيا واليمن، من دون أن تبدو في الأفق بشائر نهاية واضحة. وتشكّل جماعات التكفير عاملاً مشتركاً في مختلف هذه الساحات، حيث تنطلق من إيديولوجيا تكفيرية مغلقة، لتمارس أقصى درجات العنف المتفلت من أي قيود او ضوابط إنسانية وأخلاقية، حتى باتت تتفنن في عمليات القتل وقطع الرؤوس وصولاً إلى الحرق، ما يشكل صدمة عنيفة للوعي والشعور الإنساني، ومحاولة تسعى من خلالها للترويع في إطار من الحرب النفسية التي تمارسها ضد كل من يختلف معها.
ولا يقتصر فعل هذه الجماعات على ممارسة القتل، بل تقوم، خدمة لسياستها، باستخدام احدث التقنيات الاعلامية من اجل تصوير هذه العمليات ونشرها على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما يحقق لها ما تصبو اليه من ترويع، ويُبرز ذلك خطورة استخدامها للإعلام في خدمة استراتيجيتها العنفية.
وان كانت الجماعات انتقلت بالعنف الى مستويات غير مسبوقة، الا ان ذلك لا يعني انها المصدر الوحيد للعنف، حيث يحفل عالمنا بالحروب والنزاعات، ويكثر الحديث عن مصطلح العنف وكيفية السيطرة عليه على مختلف المستويات، يمثل ما يُتداول العنف الأسري وعنف الألعاب الالكترونية وسائر أنواع العنف التي يسهم الإعلام في انتشارها. فهو
الحكومة اللبنانية وصلاحيات الرئيس: مقاربة قانونية
عباس الحلبي
نحاول في هذه المقالة مقاربة الإشكالية المطروحة لجهة العدد المطلوب من أعضاء مجلس الوزراء لممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية بالوكالة، وهو الموضوع ـ الإشكالية المطروحة منذ أيام عديدة في لبنان، وقد أدى إلى تلبّك كبير، لا بل إلى شلل فوق الشلل الذي يصيب عجلة الحكم البطيئة والمتعثرة أصلاً بشغور رئاسة الجمهورية. وفي ذلك مسألة سوء تفسير للدستور على طريقة «العصفورية الدستورية» التي أشار إليها غسان تويني، رحمه الله.
لكن قبل الدخول في صلب المسألة المطروحة، لا بدّ أن نشير أولاً إلى أن تفسير الصلاحيات الدستورية في لبنان خلال السنين اللاحقة لانتهاء الحرب في لبنان (1990-2014) وممارستها من السلطات المختصة، تزدادان سوءاً سنة تلو الأخرى.
فممارسة الصلاحيات الدستورية تقوم في غالبها «خارج القانون» Hors loi. ولذلك لا يصحّ الارتكاز على نحوٍ يقين إلى الممارسة الدستورية في السنين القليلة الماضية للاعتداد بها كسابقة precedent يُركن إليها في تفسير وتطبيق مادة من الدستور يثور الخلاف حولها. كما لا يمكن ارتقاب تصرّف السلطة، لأنه غالباً ما يأتي مجرّداً من القواعد الحقوقية الناظمة وأصول تفسير الدساتير
الصين وأفغانستان: هل تنجح بكين حيث فشل الآخرون؟
عفيف رزق
هل صحيح ان المواقف العالمية بدأت تتغير تجاه حركة «طالبان» الأفغانية، مع تزايد نفوذ تنظيم «الدولة الإسلامية»؟ وهل صحيح أن الولايات المتحدة كانت قد رفضت، في نهاية كانون الثاني الماضي، اعتبار الحركة إرهابية؟ وهل صحيح ايضاً ان امبراطورية «الوسط» الصينية ترى أن لديها اوراقاً رابحة، فتجيب على تساؤلات كهذه وتنجح في ترسيخ الاستقرار في أفغانستان؟ علماً أن الأخيرة كانت قد أرغمت الامبراطورية البريطانية على دفن طموحاتها في القرن التاسع عشر، وأرغمت أيضاً الامبراطورية السوفياتية أن تسحب قواتها في ثمانينيات القرن الماضي بعد هزيمة مذلّة، في حين أن الامبراطورية الاميركية لم تحصد الا الخيبة بعد حرب دامت 13 عاماً قضتها في آتون حروب عرفت كيف تبدأها، لكنها ما زالت، حتى الآن تفتش عمن يُساعدها لإنهائها، فهي أعلنت أنها ستسحب قواتها في نهاية العام 2014، إلا أن وزير دفاعها الجديد اشتون كارتر، وخلال زيارة مفاجئة لكابول، العاصمة الافغانية، في 21 شباط 2015، اعلن أن الولايات المتحدة تفكر جدياً في إبطاء وتيرة سحب قواتها من أفغانستان. في هذه الأثناء، كانت الصين تُسجل خطوة اعتبرها المراقبون نادرة، تمثلت بقيام عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني تشويونغ كانغ، والمسؤول الاول عن الامن الداخلي الصيني والمكلف بقمع بعض الحركات الدينية و «الارهاب» والنزاعات الانفصالية، بزيارة في اواخر ايلول الماضي، الى العاصمة الافغانية للتوقيع على عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية، بما في ذلك اتفاق
جاري التحميل
المزيد
جريدة اليوم
عيون

قلّل مرجع لبناني من تأثير ديبلوماسي يمثل دولة خليجية كبرى في لبنان، وقال: «لا تأخذوا كل كلامه على محمل الجد»!

تردّد أن طرح التعيينات الإدارية والعسكرية والأمنية على طاولة مجلس الوزراء يحتاج إلى المزيد من الإنضاج السياسي.

لوحظ أن العماد ميشال عون التقى للمرة الاولى نواب كتلته النيابية بعيداً عن الأضواء، بعدما تحرّر من أعباء التوزير!





 

جاري التحميل