أواخر حزيران 2013، أي بعد ساعات قليلة على انتهاء معارك عبرا، كانت «السفير» بين أوائل من دخلوا منزل الشيخ أحمد الأسير و «مسجد بلال بن رباح» بالصدفة أو بالخطأ. وقتذاك، كان ممنوعاً على أي كان من المدنيين والاعلاميين دخول مكان وضع في خانة منطقة عسكرية مغلقة وانتشرت فيه العناصر الأمنيّة، قبل أن تُسلّم المفاتيح لاحقا إلى مفتي صيدا والجنوب.
ولأنه كان محظورا نشر ما وُجد في المكان من وثائق، في ذلك الحين، ارتأت «السفير» في هذا العدد أن تسلط الضوء عليها على قاعدة «عفا الله عما مضى».
قبل أقلّ من 72 ساعة، كان صوت أحمد الأسير ما زال يصدح في المكان، وكذلك أصوات زخّات الرصاص والقذائف. الآن، لا شيء سوى السكون الذي تقطعه حركة العسكريين الخارجين من المسجد، حيث البحث ما زال مستمراً عن أسلحة وقنابل.
ينظر أحد السّكان المحيطين بما كان يُسمّى «المربّع الأمني» إلى هيكل سيّارته المحترق، من دون أن يتمكّن من الاقتراب. الشرائط الصّفراء تحيط بـ «المربّع». الحسرة بادية على عينيه، فالقذيفة اخترقت غرفة نومه وتركت أثرا بحجم دائرة كبيرة. يشير بإصبعه إلى ذلك المُكيّف المتدلّي من الشرفة. هو يعرف أنّ هذه الشرفة قبل 23 حزيران كانت صالوناً بجدران أربعة!
يحاول الرجل الخمسيني أن يقترب أكثر. يكاد يضيع المشهد، فالمنازل هنا تتشابه. تخنقه رائحة البارود التي تختلط مع رائحة الدماء. شبح الموت عبر من هنا، بل إنّه استوطن لأيام.
الأحذية مرميّة تحت الخيمة الحديدية. بعضها «محظوظ» إذ بقي في الخزانة عند مدخل المسجد، وإن كان أصحابها هربوا من دونها. تغطي الأحذية آثار الدماء على الإسفلت والزجاج المتناثر في كلّ مكان.
تحجب الدشم الترابية والبراميل الحديديّة المعبأة بالرّمال الرؤية نحو مدخل منزل الأسير، تماماً كما حمته من الرصاص والقذائف. على يمينه، بابٌ أسود يؤدّي إلى الملجأ الذي امتلأ بعبوات الغاز والمياه وعلى شماله غرفة صغيرة ترك فيها الأسير أثاث منزله القديم.
المسافة صغيرة بين المدخل وبين منزل إمام «مسجد بلال بن رباح» سابقاً، فيما العتمة تملأ المكان. توصل الدرجات الصغيرة إلى بيت خالٍ مفتوح الأبواب. العباءات، كما تركها الأسير، معلّقة في مكانها داخل خزانة خشبية صغيرة ومفتوحة..
إلى اليسار، مطبخ صغير وشرفة. الطّعام في كلّ مكان. داخل البراد والثلاجة المفتوحة الأبواب. رائحة العفن تشقّ طريقها إلى أنوف الزائرين. الصحون والعلب الحديدّية الفارغة مكدّسة على المجلى، وإلى جانبها قشدة سالت على صينيّة حملت صحناً من التمر.. وركوة قهوة.
رائحة كائن ميّت أقوى من رائحة العفن. يحتاط الداخلون نحو غرفة الجلوس من شيء مفاجئ فالرائحة باتت تخنقهم. تكبر شكوكهم بوجود جثّة أو جرذ ميّت، إذ إنّ المكتبة الخشبيّة الكبيرة كانت قد انقلبت لتكسّر المقاعد «الستيل». لم تجد المكتبة بعد من يبحث تحتها، فغالبيّة العسكريين صبّوا اهتمامهم على «مصلّى النساء» الكائن تحت المسجد.
أكثر من 500 كتاب مكدّس حول المكتبة، غالبيّتها دينية وإلى جانبها أوراق بيضاء خطّ عليها الأسير يوماً أفكاره التي كانت تحتاج، وفق ما كتب إلى إعادة صياغة وتطوير.
لم تكن المكتبة هي التي تحمل الكتب، فحسب. وإنما أوجد لها الأسير و «إخوته» في زمن المعركة هدفاً آخر: دشمة. أفرغوا بعض رفوف المكتبة وحفروا الحائط خلفها بما يمكّنهم من إدخال فوهة السلاح. من هنا، كانت تُطلق النار قبل أن يستهدف الجيش المكان بقذيفة قلبت المكتبة وفتحت ثغرة في الحائط.
الممرّ المؤدي إلى غرفتي النوم تتوسّطه خزانة خشبيّة صغيرة. خبأ بها الأسير بعض أوراقه. على سطحها، ورقة مفتوحة. إنها عقد بيع ممسوح بالمنازل (العقاران رقم 516 و610 في عبرا) إلى أولاد الأسير الثلاثة عمر وعبد الرحمن ومحمد هلال.
على يمين الخزانة، غرفة صغيرة مخصّصة للأولاد. الثياب التي أخرجت من الخزائن تمنع الداخلين من أن تطأ أقدامهم نحو الكتب التي يتبيّن أنّها لطلاب الصف الثانوي. المشهد نفسه يظهر داخل غرفة نوم الزوجين.
ومن المنزل إلى شقة مجاورة حوّلها الأسير إلى مكتب، تختلف الأمور. رائحة الدهان تشي بأنّ الأسير لم ينجز تلوين جدران الغرف الداخلية بالفستقي. أمّا الغرف الخارجية، فكانت أشبه بغرفة عمليات تعمل فيها خليّة نحل نظراً لعدد الكراسيّ الموجود في المكان.
تفشي الأوراق الموضوعة على الطاولات وتلك التي وقعت أرضاً، الكثير من أسرار «الأسيريين».
أوراق كبيرة معدّة سلفاً يعلوها باللون الأسود «معلومات عن سيارة». كانت هذه هي الآلية للاحتفاظ بالمعلومات عن السيّارات الداخلة والخارجة إلى محيط المسجد. لم يكتف الأسير بذلك، وإنّما على الورقة نفسها كان يكتب اسم مالك السيّارة واسم والده ووالدته وتاريخ ومكان الولادة، بالإضافة إلى رقم السيارة ورمزها ولونها.. وصولاً إلى رقم الهيكل ورقم المحرّك!
لا يقتصر عمل «مخابرات الأسير» على صيدا بل حتى آخر منطقة في لبنان. تشي بذلك أوراق بيضاء مُعدّة سلفاً تعلوها خانات: «رقم الجماعة»، «أمير الجماعة»، «التاريخ»، «اسم المسجد وخادمه»، «الأحوال».
بعض هذه الأوراق امتلأت بالفعل بأسماء عدد من الأشخاص كتب إلى جانب كلّ واحد منهم عمّا إذا كان من الممكن أن ينضمّ إلى جماعة الأسير، بالإضافة إلى تفاصيل عن أحوال المنطقة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإمكان خرقها!
تلفت الأوراق انتباه قارئها إلى أنه أنهى على عجل إعداد الهيكلية الإداريّة، فأطلق فيها على نفسه لقب «راعي الجهد الروحي» وإلى جانبها لقب آخر: «رئيس مجلس الإدارة»!
أما الملفّات الكبيرة، فتحتوي على وصولات وحوالات. كان هناك من يرسل الهبات إلى الأسير من كافة أصقاع العالم عبر مكاتب تحويل ماليّة. وكانت هذه الهبات إلى جانب صدقات جارية وسنن مولود وكفارات وأموال أخرى تسجّل على دفاتر كبيرة، ثم ترسل إلى شركة محاسبة متخصّصة لتعيدها منجزة بعد أن احتسبت الإيرادات والأرباح. تشير الأوراق إلى أن المسجد درّ أرباحاً على الأسير بعشرات آلاف الدولارات حتى نهاية 2010 بمسميات مختلفة!
على الطاولة المستطيلة في صدر المكتب، أوراق وملفّات تحمل أسماء المنضوين تحت «لواء الأسير». بعضهم مقسّم إلى مجموعات بمن فيهم النساء، ولائحة بمصروفهم الشهريّ، بالإضافة إلى «لائحة المحظوظين والمحظوظات»، إذ كان «الأسيريون» يسجّلون بعض الأسماء تحت خانة «تضحية عالية»، «استجابة عالية»..
ورقة يتيمة مرميّة على جانب الطاولة بالكاد امتلأت أسطرها الخمسة، هي ما دوّن عليها الأسير ديونه (دهان وألمنيون وصحيّة..) والتي لا يزيد مجموعها عن الـ4000 دولار أميركي، فيما الدين لبائع الذهب وحده هو 27 ألف دولار أميركي!
لا يتوقّف الأمر على الأموال، وإنمّا ترك الأسير خلفه أيضاً رسائل تُصنّف بـ «السريّة». بعضها ينبّه «الشيخ» من «مدسوسين»، وحتى إن بعضها الآخر ذات نكهة سريّة وحتى لوضع الأسير بصورة آخر المستجدّات الأمنيّة.. وصولاً إلى إبلاغه عن هوية واضعي بعض العبوات!