يطالعك فور دخولك صف الدراسات العليا (الماجستير) في كلية الإعلام، مشهدان: صحافيون من بين أسماء معروفة في الإعلام والصحافة يتشاركون مع الطلاب الجدد المقاعد عينها. حضور يقال إنه ناتج من الأزمة الحاصلة في المهنة، والتي لم تطل فقط الصحافة الورقية، بل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة. تتحدث الأرقام غير الرسمية عن خسارة نحو 300 صحافي/ة وإعلامي/ة وظائفهم في السنوات الثلاث الأخيرة، ومع إقفال بعض المؤسسات أبوابها، والحديث عن أخرى «على الطريق»، عدا عن بقاء العشرات من دون رواتب أو برواتب مخفضة إلى النصف أو الثلث في أكثر من مؤسسة إعلامية.
لا يمكن إهمال المنافسة العالية في سوق الإعلام سواء بين المؤسسات أو الزملاء العاملين من متخرجي الاختصاص أو من خارجه. هنا يحضر الخوف سواء من خسارة العمل أو من بقاء الصحافي على هامش التطورات السريعة التي يشهدها قطاع الإعلام في ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وصحافة المواطن والصحافة الرقمية، ومعها كل التقنيات التي صارت بديهية في العالم.
طبعا الجواب الأولي لأي عائد من عشر سنوات وما فوق من ممارسة المهنة إلى مقاعد الدراسة هو رفع لافتة «التقدم المهني والمزاوجة بين العملي والأكاديمي»، كما تقول فاطمة خشاب درويش التي عادت إلى الدراسة بعد 12 عاما من ممارسة المهنة كمذيعة في «إذاعة البشائر». شعرت درويش بحاجة إلى «مقاربة التجربة الصحافية أكاديميا، وفتح آفاق جديدة». في المقابل، تبدو العيون مركزة على استكمال ما بعد دراسة الماجستير إلى الدكتوراه وبالتالي العمل الأكاديمي ومعه فتح مجالات أخرى في حال سدت أبواب المؤسسات الإعلامية. فها هو محمد جرادي، مذيع نشرة الأخبار الرياضية في «قناة الميادين»، يعتبر أن عودته تأتي نتيجة رغبته في البحث عن شق أكاديمي نظري يكمل الشق المهني، خصوصا بعد أن أصبح إيجاد فرص عمل في الإعلام يضيق يوما بعد يوم.
«بلغ عدد الصحافيين المتمرسين العائدين إلى دراسة الماجستير ثلاثين صحافيا من أصل سبعين طالبا تقريبا». يقول الدكتور رامي نجم، مدير كلية الإعلام (الفرع الأول) في الجامعة اللبنانية. الظاهرة بدأت السنة الماضية «مع عشرة صحافيين» يومها.
بعد السنة الأولى ماجستير، يتوجه الطالب، وفق نجم «نحو مسارات عدة: الماجستير البحثي، حيث يستطيع إكمال الدكتوراه، أو المهني، مع غلبة واضحة للبحثي والرقمي أولا».
ولكن هل تستوعب كلية الإعلام كل هؤلاء الراغبين بإكمال الدكتوراه؟
يؤكد نجم أن الصحافيين يسجلون في الدراسات العليا (الماجستير)، تساعدهم الجامعة فقط من خلال قبول الطلبات إذا استوفت الشروط المطلوبة، «وبالطبع هناك عدد قليل جدا سيتخطى هذه المرحلة ويصل للدكتوراه، إذ إن ماجستير الإعلام في الجامعة اللبنانية هو مسار صعب يتطلب متابعة وجهدا من قبل الطالب». والأهم بالنسبة إلى هؤلاء هو توفر دكتوراه في علوم الإعلام والتواصل في الجامعة اللبنانية.
توفر دراسة الدكتوراه مهم بالنسبة للطالب علي رباح، الصحافي في جريدة «المدن» الإلكترونية، «سوق الصحافة أصبح ضيقاً جدا، ومن الضروري الذهاب إلى الشق الأكاديمي، علنا نضمن نفسنا في هذا البلد بعد إقفال صحف وكذلك حتى الصحف المدعومة من الدول العربية لا تعطي الضمانة والاستمرارية».
وتتفق زكية الديراني، الصحافية في جريدة «الأخبار» مع رباح في إطار الحديث عن تجربتها، فالسبب الأكبر وراء عودتها إلى دراسة الماجستير «هو وضع مهنة الصحافة اللامستقر، ففي حال حصل أي طارئ يكون التعليم هو البديل».
من جهتها، تعتبر الدكتورة مها زراقط، أستاذة في كلية الإعلام، أن الدراسة الأكاديمية تقدم الكثير للصحافي، حتى ولو كان متمرسا، ويعرف أكثر من الأكاديمي في كواليس المهنة، فالأكاديميا تعيد له منهجية التفكير، والتساؤلات التي يتم تداولها اليوم في المهنة، والتي قد لا يتوقف عندها نظرا لغرقه في العمل اليومي».
وترى «ان انتظامه في الدراسة مجددا، يمكنه من مساءلة مهنته وجدوى العمل الذي يقوم به وقيمته وكيفية تطويره، بالإضافة طبعا إلى شهادته العلمية التي تسمح له بمقاربة عمله بطريقة مختلفة».
ولا تتوقف زراقط عند تفضيل المهني أو الأكاديمي على الآخر فـ «كل منهما مهنة مختلفة عن الأخرى، يمكن للشخص أن يكون محبا لعالم البحث والأكاديميا فيغرق فيه، كما يمكن أن يغرق في العمل الصحافي». وبأسف، تتابع: «هاتان المهنتان لا تكمل إحداهما الأخرى بالممارسة حالياً، على الرغم من أن الحاجة ملحة للتبادل بين هذين الشقين من المهنة، إذ إن كل طرف «شايف حاله» على الطرف الآخر، وهذه بحد ذاتها مشكلة».
ولكن هل هذا هو الحل؟ تجيب زراقط: «بالنسبة للراغب فعلا أن يحصل شهادة أكاديمية ويذهب إلى عالم البحث فهذا خيار صحيح، لكن بالنسبة للصحافي الذي يرى أن هناك أزمة في المهنة فيلجأ دون رغبة جدية منه إلى دراسة الماجستير فهذا ليس الحل». ونصحت زراقط أخيرا، المهتمين بمتابعة عملهم الميداني الصحافي، أن يواكبوا التطورات التقنية المرتبطة بالإعلام لكي يمارسوه بطريقة محترفة لا تضعهم في موقع المنافسة مع المواطنين المتمكنين بدورهم من التكنولوجيا نفسها.
إذًا اكتشافُ الإعلام الجديد كان نصيحة الأكاديمية للصحافيين العائدين إلى مقاعد الدراسة، لكن ما رأي الصحافة المتمرسة في ذلك؟
يؤكد وفيق قانصوه، مدير تحرير جريدة «الأخبار» على أهمية الشهادة الأكاديمية، لكن برأيه الخبرة الميدانية لها أهمية أكبر، «نرى العديد من الصحافيين المتمرسين في بلدنا لم يدرسوا أصلا اختصاص الإعلام، وفي المقلب الآخر، الكثير من الأكاديميين لم يكتبوا عامودا أو تحقيقا في جريدة، لكن إذا امتلك الصحافي خبرته الميدانية والعملية، ستلعب الشهادة دورها في تقويم المعرفة التي يملكها».
لا يحمل قانصوه ما يسمى بالإعلام الجديد مسؤولية إلغاء دور الصحافة الورقية «إننا كصحافيون وشعب لم نتطور تقنيا وتكنولوجيا بشكل كاف كما في الدول الغربية، التي وبالرغم من هذا التطور تبيع صحفها، هذا لا يعني عدم وجود أزمة، لكن حلها ليس بإقفال الصحف وتوقف صدورها ورقيا وهروب الصحافيين إلى مجالات أخرى، بل المطلوب أن تبحث الصحافة عما يريده القارئ». ويتابع بثقة: «لم تمت الصحافة الورقية، قيل الكثير عن موتها عندما أصبح هناك فضائيات، وعند وصول الإنتــرنت، بالطبع كان لهذه التغييرات أثرها ودفعت بالصحافة إلى تغيير أساليب مقاربتها للأمور، لكنها لم تقتل الصحافة. برأيي ما زال هناك وقت أمامنا، لم نمت».