الامر الأول: إن قانون الإيجارات مستحيل التطبيق لأسباب قانونية صرفة وتكفي العودة إلى البحث المنشور في جريدة «السفير» بتاريخ 19/5/2015 عدد 13072 والذي نختصر منه أنه على المحاكم وإن كان ليس لها الحق في إلغاء قانون أن تراقب استيفاء أي قانون للشروط الشكلية ومنها صحة وقانونية هذا النشر حتى إذا ثبت لها عدم صحة وقانونية هذا النشر تمتنع عن تطبيقه، وبالتالي ترد الدعاوى التي تنظر فيها والسبب باختصار شديد أن أي قانون أو أي إجراء قانوني لا يصح تنفيذه بحق أي كان إلا إذا أبلغ حسب الأصول القانونية لمن يراد تنفيذه بحقه؛ وعليه فإن قانون الإيجارات الذي لم يستوفِ شروط النشر أي صحة التبليغ لا يجوز تطبيقه.
نص قانون الإيجارات في مادته الثالثة على إنشاء صندوق خاص للإيجارات السكنية، وفي مواد لاحقة نص على ان الاستفادة من هذا الصندوق لا تتمّ إلا وفق شكليات كثيرة نصت عليها المادة الثامنة، علماً أن الصندوق لم ينشأ لغاية تاريخه كما ان اللجان التي ستبتّ بطلبات المساعدة التي يقدّمها المستأجرون لم تنشَأ بعد مما يعني أنه لا يمكن تطبيق مواد هذا الصندوق.
ونصت المادة 18 من القانون المذكور على أن بدل المثل يحدّد إما رضاء بين المستأجر والمؤجر، وفي حال لم يتفقا يستعينان بخبيرين محلفين لوضع تقرير. وبعد تبلّغ المستأجر للتقرير يلجأ هذا الأخير إلى خبيرين محلفين عند عدم موافقته على تقرير خبيري المؤجر. وهنا أيضاً في حال لم يوافق هذا الأخير عليه، يلجأ الطرفان إلى لجنة المحافظة التي يتبع لها المأجور مرة أخرى، علماً ان هذه اللجان لم تؤلف بعد حتى تبتّ بالنزاع بقرار معلل ونهائي وغير قابل لأي طريق من طرق المراجعة مع التنويه بأن البت بالنزاع يتم وفق درجة واحدة من درجات التقاضي، الأمر المخالف لمبادئ القانون وتحديداً الحق في التقاضي على درجتين بداية واستئنافاً.
وهكذا وبعد سنتين من صدور القانون غير المستوفي أصلا لشروط النشر القانوني يستحيل تطبيق ما ذكر، لأنه لا يوجد لجنة تبتّ بما يمكن أن يُقدم إليها.
لكن ماذا لو رفض المستأجر أن يدخل الخبيران إلى حرم منزله؟ هل يحق لهما الدخول عنوة وبالقوة؟ بالطبع لا! فماذا حدث في بدء تطبيق مهمة خبيري المؤجر اللذين رفض المستأجر دخولهما؟ نفاجأ بأن مدّعي عام التمييز أصدر قراراً غير قانوني بالطبع سمح للخبراء الاستعانة بالقوة المسلحة عن طريق قوى الأمن في المخافر. وهنا نسأل ماذا لو تصدّى المستأجر لهذه القوة ومنعها من الدخول لمنزله فهل يحقّ لهذه القوة كسر الباب والدخول؟ وماذا لو تشاجر المستأجر معهم وأقدموا على ضربه ومن ثم سوقه للمخفر للتحقيق معه؟ إن هذا الأمر ممكن الحدوث بسبب قرار مدعي عام التمييز الذي سيترتّب عليه نشوء نزاعات جزائية سببها هذا القانون الظالم والقرار غير القانوني لمدعي عام التمييز الذي لم ينصّ القانون أبداً على اتخاذه.
ولأن للمنازل حرمة نصت عليها المادة 571 من قانون العقوبات التي نصت على أن مَن دخل منزلاً أو سكن آخر أو ملحقات مسكنه أو منزله خلافاً لإرادته، وكذلك مَن مكث في الأماكن المذكورة خلافاً لإرادة من له الحق في إقصائه عوقب بالحبس مدة لا تتجاوز الستة أشهر.
بناء على هذه المادة يحق للمستأجر أن يمنع دخول أي إنسان سواء أكان خبيراً أو غير خبير من دون رضاه إلى منزله أو ملحقاته من دون أن يترتب عليه أية مسؤولية جزائية كانت أو مدنية.
وهنا نقول إن الحق القانوني للمستأجر في منع أي كان من الدخول إلى منزله يعطّل بل يلغي ما جاء في قانون الإيجارات لهذه الناحية، أي حق المؤجر في تعيين خبيرين للدخول إلى المأجور ومن ثم تعيين بدل المثل.
كذلك، ليس للمشترع الحق في حرمان المستأجر من حقه في السكن، حتى إذا فعل يكون القانون الذي تبنّى ذلك باطلاً قانوناً ودستورياً ويتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وافقت عليه الدولة اللبنانية، بل شاركت في صياغته آنذاك بواسطة ممثلها الدكتور شارل مالك (الحق بالمأكل والملبس والسكن).
وعليه، فإن الحق بالسكن بموجب هذا الإعلان يعلو على أي حق آخر قد يتعارض معه، كما هو حال مع قانون الإيجارات فأحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تعلو وتسمو على القوانين المحلية، بما فيها الدستور.
وعليه أيضاً، ولأن قانون الإيجارات يخرج الإنسان من مسكنه الذي ولد وترعرع فيه، وأصبح كل حياته، فإنه يتعارض مع هذا الإعلان، ما يعني أنه باطل بطلاناً مطلقاً ويقتضي على المحاكم أن تمتنع عن تطبيقه لمخالفته احكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ وبالتالي على المشرع سن قانون جديد لا يتعارض مع الحق في السكن بل يكرس هذا الحق.
لقد انقضّ القانون الجديد على ما جاء في قوانين الإيجارات الاستثنائية الصادرة منذ أكثر من سبعين عاماً، فزاد البدلات بنسبة مرتفعة جداً؛ الأمر الذي يعني ان ما استفاد منه المستأجرون في ما يخص بدلات الإيجار والحق في التعويض المقرر بموجب القوانين الاستثنائية على مدى أكثر من سبعين عاماً قد عاد المؤجر واقتنصه منه تشريعياً. وهنا نسأل حضرات النواب الذين وافقوا على هذا القانون برفع اليد فور عرضه على التصويت هل هم مثلوا مصالح الشعب التي ائتمنوا عليها في تصويت كهذا؟
وما يزيد المأساة والظلم أنه حتى مع هذه الزيادات فقد أتاح القانون للمؤجّرين أن يُخرجوا الناس من بيوتها بعد سبع سنوات من الآن.
وهنا نقول إنه ومع هذه الزيادات المرتفعة كان على المشرع أن لا يمنح المؤجّرين حق اقتلاع المستأجر من منزله بعد سبع سنوات من الآن... ولا في أي تاريخ آخر ما دام المستأجر يدفع ما يتوجّب عليه من بدلات، لأنه وفق ما يسمى بالحق الإنساني الذي يتقدم على أي حق آخر لا يتناسب ويتوافق معه وحتى وإن جاء في نص قانوني لأن مصلحة الأكثرية تعلو على مصلحة الفئة القليلة، ولأن الحق في السكن هو حق إنساني ضروري والضرورات تبيح المحظورات.
لقد فرض هذا القانون أمراً ظالماً ومجحفاً بحق المستأجر، إذ فرض على هذا الأخير في المادة 45 منه أن يتحمّل نفقات تجديد المظهر الخارجي للبناء والأقسام المشتركة فيه وهذا التجديد تقرّره إدارة البناء وتفرضه الأمر الذي يعني أن المستأجر يبقى متحمّلاً هذه النفقات حتى في ملك ليس له طوال السنوات السبع الآتية، حيث يصبح المستأجر عبداً للمالك إما يقبل بشروطه وإما إلى الشارع.
من جهة ثانية، أفليس في هذه المادة 45 ما يخالف المبدأ القانوني القائم على أن الغرم بالغنم، وما يخالف نصوصاً قانونية أخرى تجعل من المالك هو المسؤول عن البناء؟
أخيراً، لا بدّ من وقف تنفيذ هذا القانون مؤقتاً لحين إصدار قانون آخر يأخذ في الاعتبار ما آل إليه الوضع الاقتصادي والاجتماعي، بما يحقق عدالة ما للمستأجر، وهو الفريق الأضعف، او على الأقل إصدار بعض التعديلات على القانون الحالي بما يُعيد التوازن بين فريقَي عقود الإيجار.