لا أحد ينكر على أهل الجامعة اللبنانية أساتذة وطلابا وجسما إداريا، دورهم في تحقيق الكثير من الانجازات للجامعة الوطنية، والقضايا المطلبية، وتظاهراتهم لأجل الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج.
لن ينسى أحد الظروف القاسية التي عاشها الطلاب خلال الحرب الأهلية، وقد كان عليهم أن يتابعوا دروسهم في ظروف قاسية، وفي ما بعد الحرب عندما اضطروا إلى تلقي علومهم في مبان غير مؤهلة وليست لائقة، ومع ذلك، كانوا يحققون الانجاز تلو الآخر رافعين رأس لبنان في المحافل الدولية، بفضل هيئة تعليمية قدمت ولا تزال تقدم في سبيل أرقى المستويات.
ليس انتقاصا من قدر الجامعة اللبنانية، ولا تضخيما لمشكلاتها، حتى لو كانت الحقيقة مرة، إلا أنه من باب الحرص والمسؤولية، فإن أسئلة عديدة تطرح لدى الحديث عن جامعتنا الوطنية، ليس أقلها: من الذي جاء بـ «دب السياسة إلى كرم الجامعة»، خصوصا أن الأمر كان بقدرة أهل الجامعة أنفسهم عندما لجأ أحد رؤساء «اللبنانية» إلى رئيس حكومة يطالبه بربط التعيينات والتفرغ بمجلس الوزراء هربا من الضغوط السياسية فحوّل بذلك الجامعة إلى محيط تتلاطم فيه أمواج السياسة والطائفية والمذهبية لتصبح ساحة للتوظيف السياسي، فصودر قرارها وأصبحت عاجزة.
ولأن هناك من أدخل السياسة إلى الجامعة ومن داخلها، فلماذا التنصل من هذه المسؤولية؟ وكيف يمكن لبعض الهيئة التعليمية ألا يصدق ذلك، وهناك ما يفوق الـ 1200 أستاذ أدخلوا إلى اللبنانية فيما حاجاتها تبلغ نحو 570 استاذا!؟ أليس ذلك ما دفع ببعض السياسيين، من خريجي الجامعات الخاصة وجامعات الخارج، إلى التهكم على الهيئة التعليمية بصفات جارحة. يرافقه إهمال سياسي بارز، إذ يتهافت السياسيون ومنهم رؤساء جمهوريات إلى إلقاء الخطابات والمشاركة بندوات الجامعات الخاصة، فيما يحجمون عن المشاركة في فاعليات «الجامعة اللبنانية» وفي حفلات تخرجها، وكأنها أقل من مستوى حضورهم، وقد باتوا لا يرون فيها إلا نافذة لتحقيق مصالحهم الشخصية، علما أن معظم من يتخرجون في الجامعات الخاصة يتهافتون للتعليم في الجامعة اللبنانية!
أما على المستوى الطلابي، فعلى مدى تاريخ من نضالات الطلاب تكاد تكون هي المرحلة الوحيدة التي يبدو فيها طلاب «اللبنانية» عاجزين عن التغيير ولا مبالين بكل ما يجري من حولهم، في ظل تجميد اتحاد طلاب الجامعة اللبنانية ومنع انتخابات مجالس الفروع، علما أن مثل هذه الانتخابات تجري في الجامعات الخاصة من دون إشكالات تذكر.
ثم من الذي يعمل على مصادرة قرار الطلاب ويضيّق عليهم الخناق في المجمع الجامعي في الحدث تارة بحكم البيئة وأخرى بحكم الأمر الواقع؟ ومن هو الذي قرر تحويل بعض قاعات هذا المجمّع إلى مساحات للبكاء وكأنه كتب على أبناء هذه الجامعة أن يعيشوا حصرا في الحزن، فيما يمنع عنهم الفرح حتى لو كان فرحا وطنيا بصوت فيروز!
وأيضا من الذي يصادر الأموال المستحقة للجامعة التي تحصل عليها بفعل مكاتبها ويحتجزها من دون الاستفادة منها في تلبية بعض حاجاتها؟
ثم هل يمكن إدارة أمور أكثر من 73 ألف طالب وطالبة بطريقة يصفها أهل الجامعة بـ «الديناصور»، وكيف يمكن لجامعة أن تتطور إذا كان العميد عاجزا عن شراء قلم حبر؟
مجددا ومن باب الحرص، فإن المسؤولية يتحملها الجميع، أساتذة وطلابا وإداريين ووسائل إعلام، وقبل كل هؤلاء السياسيون أنفسهم.
ما تحتاج إليه الجامعة اليوم هو التفاتة حقيقية من كل هؤلاء مجتمعين، لإخراجها من «القوقعة المذهبية والطائفية» وتحريرها من براثن السياسيين، فحتى لو قال بعض أهل الجامعة، إن التدخل المذكور لم ينل من مستواها الأكاديمي إلا أن المسؤولية تقتضي الاعتراف بأن الضغوط والتدخلات السياسية أثرت على كل مستوى في «اللبنانية». نعم فعلت ذلك وأكثر بالدليل والحقائق المرة.
ما تحتاج إليه الجامعة أيضا هو قوانين عصرية تتلاءم فعلا مع الواقع اللبناني لا أن توضع لها قوانين عصرية وضعت لدول لديها أنظمة سياسية حضارية وديموقراطية بكل ما للكلمة من معنى.
اليوم ربما يتعين على أهل الجامعة أن يبادروا بأنفسهم إلى وضع خريطة طريق للحلول، حتى لا تتحقق رغبة السياسيين، وتصبح «اللبنانية» في خبر كان.