عندما هجم عناصر تنظيم «داعش» على مركز مؤسسة «عامل» في عرسال، خلال «غزوة آب» 2014، تحول الناس من «عراسلة» ونازحين سوريين إلى دروع بشرية حمت المؤسسة من المسلحين.. وجعلتها تستمر. هذه الحادثة بالذات تروي الكثير عن هذا الصرح العابر للطوائف والجنسيات والفئات، منذ لحظة تأسيسه خلال الحرب الأهلية وتحديدا في عام 1978.
قبل عرسال، نالت «عامل» ثقة اللبنانيين الصعبة المنال خلال الحرب التي انقسمت فيها البلاد على أساس طائفي ومذهبي ومناطقي وسياسي. تفرعت ونمت وتطورت في المناطق اللبنانية كافة، وإن كانت قد ولدت من رحم حرمان أهل الجنوب وفقرهم وحاجاتهم وخصوصا معاناتهم مع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على أراضيهم وحياتهم. نشأة لم تحل دون انتقال المؤسسة، وبسرعة، وتحديدا خلال اجتياح عام 1982، لتؤدي دورا إغاثيا وخدميا ملحوظاً في المناطق المستهدفة بالعدوان.
ليس المجتمع المدني جسم عابر في تاريخ لبنان، وليست «عامل» المؤسسة الخدمية الوحيدة العريقة التي تشمل بعطاءاتها مئات الآلاف اليوم ما بين لبنانيين ولاجئين سوريين وفلسطينيين وعراقيين وسودانيين وعمال مهاجرين، لكنها من المؤسسات النادرة في لبنان التي لم ترتكز إلى طائفة أو مذهب تقوى به وتستمد الدعم منه، إلا طائفة المدنيين الساعين إلى دولة مدنية وعلمانية تقوم على المواطنة، المواطنة في الدولة المؤسسة لا الرعايا في الطوائف.
وفي قلب أهدافها التي وضعها مؤسسها الدكتور كامل مهنا «احترام الإنسان وتقديم العون الصحي والاجتماعي له، بغض النظر عن انتمائه الديني أو السياسي أو المناطقي». مسيرة لم تنج من المخاطر في أحلك الظروف، توجت بترشيحها لجائزة نوبل للسلام في عام 2016 (وهي المؤسسة اللبنانية غير الحكومية الأولى التي تُرشح للجائزة)، ونيلها «جائزة السلام في لبنان» في العام ذاته من قبل «مؤسسة غزال».
تبلغ «عامل» بعد عام واحد الأربعين من عمرها وهي في عز شباب عطائها عبر 24 مركزاً وست عيادات متنقلة من بيروت وضواحيها الجنوبية، مروراً بجبل لبنان ووادي البقاع (شرق لبنان) إلى الجنوب اللبناني. تقدم خدمات نوعية في المجالات الطبية والنفسية، والتدريب المهني، والتنمية الريفية، وحماية الطفل وتعزيز حقوق الإنسان، وذلك عبر فريقها المؤلف من 800 متفرغ، وتنشط بشكل مستمر في المجال الاجتماعي.
يشتق اسم «عامل» من «الهيئة الوطنية للعمل الشعبي»، وترتبط رمزيّته بالشخص «العامل»، ويرتبط أيضاً بالفترة التاريخية التي أعقبت الغزو الإسرائيلي الأول لجنوب لبنان في عام 1978. المنطقة التي يقع فيها جبل «عامل»، موطن التعايش والبؤس والمعاناة والحرمان.
صفة دولية
أصبحت «عامل» دوليّة في عام 2010، لتدخل في دليل المنظمات غير الحكومية الدوليّة لتبادل الخبرات في جميع أنحاء العالم، واكتسبت المنظّمة طابع مؤسسة دولية، في مقرّها جنيف. تدويل لتوطيد العلاقات مع مؤسسات المجتمع المدني «الصديقة»، وهو ما أدى إلى عقد شراكات مع جمعيات مختلفة من أنحاء العالم، والاعتراف بها من بين المؤسسات الدوليّة.
وتخوض «مؤسسة عامل» عبر صفتها الدولية، معركة تصويب مسيرة العمل الإنساني الذي بات فيه الكثير من التربح والبزنسة، باتجاه نضالي ـ تضامني مبنياً على الأسس الخمسة التالية التي تشكل لب فلسفة «عامل»:
أولا، إن أي عمل إنساني لا يعمل مع الفئات الشعبية والمناطق المهمشة ويكتفي برفع الشعارات، لا يمكن أن يكون عملاً انسانياً، فلا ديموقراطية بدون تنمية «اشبع ثم تفلسف».
ثانيا، إن أي عمل إنساني لا يكون جزءاً من النضال في سبيل تأمين الحقوق العادلة للشعوب وفي المقدمة قضية فلسطين ليس بالعمل الإنساني.
ثالثا،ً إن أي عمل إنساني لا يناهض ازدواجية المعايير السائدة في التعاطي بين الشمال والجنوب ليس بالعمل الإنساني.
رابعاً، إن أي عمل إنساني لا يعمل من أجل توزيع عادل للثروات داخل كل بلد وحول العالم ليس عملاً إنسانياً، فمن غير المعقول أن يمتلك 20% من سكان العالم 80% من ثروات الأرض.
خامساً، إن أي عمل إنساني لا يناضل من أجل إقامة دولة العدالة الاجتماعية، الدولة المدنية الديموقراطية، حيث الإنسان هو الهدف وهو المحرك، لا يمكن أن يكون عملاً إنسانياً.
الرؤية والاستراتيجية
تتركز رؤية مؤسسة «عامل» الدولية، في العمل الاجتماعي ـ الإنساني، كما وضعها ويحرص على استمراريتها كامل مهنا من وحي التجربة الميدانية ومن حاجات المجتمع اللبناني وخصوصيته. يقول مهنا لـ «السفير» أنه لا إمكانية لصناعة التغيير في العالم العربي، عبر قوالب مستوردة من المجتمعات الأخرى، خصوصاً الغربية، ذلك أن بنية كل مجتمع تتطلب أدوات مختلفة ومدروسة لمعالجة مشكلاته وحاجاته، وهذه تقع في صلب مهامّنا وأدوارنا.
رؤية طبقت على طريقة التعامل مع النسيج الاجتماعي للاجئين السوريين والعراقيين، لإيجاد جسور تواصل ودمج مع المجتمع المضيف، عبر ترويج ثقافة المواطنة والحقوق المدنية، بعدما قدمت مليونا ونصف المليون خدمة لهؤلاء اللاجئين خلال السنوات الـ4 الماضية.
انتهت الحرب وبقيت المؤسسة قابضة على جمر الحلم الذي تسعى إلى تحقيقه، عبر الحراك المدني، ومختلف الوسائل المتاحة في بناء دولة مدنية ديموقراطية، دولة المواطن الإنسان، بمعزل عن الخيارات السياسية والثقافية، وهذا ما دأبت «عامل» على تجسيده منذ تأسيسها وما تزال.
ومع الحرب السورية وتدفق آلاف اللاجئين إلى لبنان، استطاعت «عامل» أن تحوي جزءاً من انعكاسات هذه الأزمة عبر برامجها وعملها معاً مع المؤسسات الرسمية والدولية، حيث قدمت نحو مليون ونصف مليون خدمة للهاربين من جحيم القتل والحرب.
«عامل» ستضيء شمعتها الجديدة. مؤسسة لبانية عربية دولية تختصر حكايات المؤسسات التي تبدأ بمبادرات فردية أو حزبية وتتحول إلى مؤسسات راسخة البنيان عميقة الجذور تصبح يوما بعد يوم، وسنة بعد سنة، عنوانا للنجاح اللبناني.