ينظر محمد الشعار إلى طرابيشه ثمّ إلى الطريق المزدحم بالناس والسيارات والمصارف والمشاغل والتطوّر والتكنولوجيا. يحزن بصمت، ويحافظ على شيء من التفاؤل في ملامحه.
على رصيف شارع الحمراء، يفرد محمد الطرابيش الملوّنة على طاولة. يحسّ المارّ بأنه أمام عالمين مختلفين متباعدين، عالم التمدّن وعالم التراث، كأنّ جزءاً كبيراً من الناس انفصلوا عن الماضي كلّياً، أصبحوا بلا ذاكرة.
من أجل ذلك، قرر محمد أن يقفل محلّ الطرابيش الكائن في طرابلس ويبحث عن مهنة أخرى. 12 عاماً من عمر محمد الثلاثينيّ مرّت وهو يصنع الطرابيش، منقّلاً يديه بين «مكبس النحاس» و«النار» و«قوالب الطربوش» والقش والقماش، حتى يصنع طرابيش أصلية، بات سوقها محدوداً ببعض السياح والمشايخ، أو عند موت أحدهم حيث هناك عادة في بعض المناطق أن يرافق الطربوش كل من يغادر هذه الحياة.. وهكذا.
ربما من الصعب أن يُلامَ أحد على الوقت الذي يمضي ويغيّر الظروف والرغبات عند الناس، لكن هناك جهات كثيرة عملت من أجل طمس طرابلس كمدينة للحياة وتحويلها إلى جنازة متواصلة. هناك أيضاً من لا يهتمّ لأي تراث، ويعنيه فقط أن يرفع الأبنية على بحر بيروت وتحويل السياحة في لبنان إلى مجرد استجمام في فنادق ومنتجعات، كأنه بلد بلا تراث وبلا حضارة.
محمد حزين على مهنته، يشارك ضمن نشاط «طرابلس بالحمرا» وفي قلبه جرح لا يمكن تفسيره في نص، هذا جرح الحضارة من الحاضر الذي يدير ظهره لها، هذا جرح التراث من التمدّن، جرح الفرح من محاولات اغتياله.