أزيلت السلاسل المعدنية عن باب شارع المعارض المؤدي إلى ساحة النجمة حيث مجلس النواب. فُتح المعتقل. لا. لم يُفتح. بدل السلاسل، رفعت حواجز حديدية أكثر صلابةً وأقلّ ارتفاعاً، من أجل شيءٍ ما، خطرٍ ما، لا أحد استطاع اكتشافه منذ حقبة السلاسل المعدنية في زمن الحراك المدني حتى يومنا هذا.
في شارع المعارض نفسه، وقبل أن تصل إلى الساعة الكبيرة حيث البرلمان العظيم، صورة واضحة عمّا فعل التعطيل بالبلاد. واجهات المحال المقفلة، لم تُغسَل منذ سنوات، أما تلك التي لم تقفل بعد، فتموت من الملل والانتظار.
الشارع مهجور، والدخول إليه يحتاج إلى «دوشة». كراسٍ وطاولات تعود لمطاعم مقفلة، موضوعة بلا عمل في الشارع، كدليل قاطع على أنّ لا أحد يسأل، لا أحد يأبه. لا سياح ولا رواد محليون.
حين تقترب من الساحة، يباغتك رجل الأمن بسؤال «إلى أين؟». تقول في سرّك «إلى جهنم الحمراء». أما له، فالجواب سريع: «إلى هنا، إلى المحلّ المقابل». يجيبك بأنّه ممنوع عليك أن تقطعي الشارع إلى الجهة الأخرى، عليك أن «تبرمي البرمة». نعم، ثمة قانون أو قرار ربما يجرّم من يعبر هذا الشارع. قطع الشارع جريمة أيها الإنسان العاديّ، ما دمتَ لست نائباً أو وزيرا أو رئيسا أو مسؤولاً. إياك أن تقطع الشارع. «الموت لقاطعي الشارع»!
في البرلمان جلسة من أجل الثقة بالحكومة. حسناً، الساحة هادئة ومحصّنة، كأنّ حرباً ما في الأفق، كأنّ حدثاً تاريخيا يحصل في الداخل!
الساحة هناك، هي المكان الوحيد الذي تدخل إليه سيارات الوزراء والنواب الكرام. من المبهج أن ترى سيارة نائب تمرّ من دون أبواق وتحصينات ودهس على مواعيد الناس وعملهم ووقتهم. يصل النواب واحداً تلو الآخر بهدوء. لا يسلّمون على أحد، لا ينظرون إلى شيء، يدخلون مباشرةً من الباب الكبير إلى بهو المجلس الداخلي.
«ماذا تفعلين؟» يقول رجل بثياب مدنية. هو لا يطرح سؤالاً بريئاً، بل يحاول أن يصيب بسؤاله المؤلف من كلمتين المرأة الجالسة على حافة الطريق تدوّن ملاحظاتها. السؤال التالي: «أنت صحافية؟». السؤال الثالث: «من أي جريدة؟». وحين تجيبه عن الأسئلة بالتتالي، يذهب مباشرةً إلى الجنديّ الواقف قبالتها، يوشوش في أذنه كلمتين ثمّ يختفي. أصحاب الثياب المدنية والصفات غير المدنية عندهم قدرة على الاختفاء والظهور. قدرة سحريّة.
بالعودة إلى الحمام، إنه يملأ الأمكنة. وحدها حمامةٌ مقتولة كانت على جانب الرصيف. حمامة أو شعبٌ بأمه وأبيه.
يدخل النواب ويتبادلون الكلام في القاعة الفخمة. يمرّ رجلٌ ومعه كومة «بزر صغير» في يده وكومة أخرى في فمه، يبصق القشر ببلادة، ينظر إليه الجنديّ، يفكّر بجملة توبيخ يقولها له فلا يجدها. يدير ظهره من جديد. ليس هناك حتى الآن قانون يمنع «البزر الزغير».
انتهت الجلسة. لا مفاجآت. ثقة نيابية باهتة للحكومة. المواكب تخرج كما دخلت.
تحمل نفسك وتعود من حيث أتيت، تأخذ «سلفي» قبل أن تغادر كلياً، تسمع من خلفك أحدهم يقول «سلفي.. والبرلمان خلفي». تضحك وتكمل يومك، ثمّ حياتك. إضحك. الضحك ليس ممنوعاً، حتى في ساحة النجمة.