مرّت أربعون سنة على بداية مغامرة سعدي يوسف الشعرية، وسعدي لا يزال كسعدي، أي أنه لا يزال يبدأ للتو: بمعنى أنه لا يزال يمتلك زخم البدايات بكل ما تحمله الكتابة من أحلام ومعان وحرية.
يقول إن الشعر جعله إنسانا، وهذا الإنسان هو الحاضر دائما في شعر سعدي يوسف. حاضر بكل تفاصيله وأحلامه ورؤاه باحثا عن موقع له في هذه الدنيا، باحثا عن موقع في ملكوت الحرية، مهذبا حواسه وكلماته.
«لولا الشعر لكنت مهملا في قرية ضائعة..» وربما كان ينبغي شكر الشعر الذي أتاح لنا معرفة سعدي ولقاءه ومحادثته. فالشعر هو تلك المادة السحرية التي تجمع الأضداد على مائدة ملأى بالسحر والخرافات الجميلة.
في دمشق، حيث محطته الأخيرة! (من يدري) وبعد تجوال شمل عواصم مختلفة، كان هذا اللقاء مع سعدي، أحد الأصوات الجميلة في الشعر العربي المعاصر، ليتحدث عن بداياته وعن الكتابة وما تحمله من معان، عن بيروت وأزمة الشعر، بالإضافة إلى مشروعه الجديد الذي يعمل عليه، وهو إصدار مجلة أدبية بعنوان «المدى».
÷ حين بدأت الكتابة في الخمسينيات، كانت هناك أسماء لامعة على خريطة الشعر، كبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وغيرهما. كيف وجدت الثقة للكتابة؟ الثقة على المنافسة؟
{ حين بدأت الكتابة، كان بدر لا يزال أمام ديوانه الأول «أزهار ذابلة» وكان البياتي لا يزال في «ملائكة وشياطين» وبلند الحيدري في «خفقة طين» ونازك في «شظايا ورماد». كان الجو متأثرا بالشعر اللبناني، بأبي شبكة بالذات، كما بمحمود حسن اسماعيل من مصر. كنت في بداياتي، ضمن هذا الجو. لم أقم بقطيعة معهم وإنما استنفذت امتلاك العدة اللغوية والإطلالة على الشعر العربي الراهن آنذاك. في ما بعد، توطدت علاقتي ببدر والبياتي وربما كانت علاقتي ببدر شخصيا ونصا أوثق في مرحلة لاحقة حيث أعرض عليه قصائدي. لقد كنت أول من قرأ لبدر قصيدة جديدة. لقد حصل ذلك مرتين.
÷ ماذا تعني لك الكتابة راهنا والشعر تحديدا؟
{ بتلخيص شديد، إنها تعني إقامة علاقة أوثق مع الحياة. وهذه العلاقة تمر عبر ما يمكن أن تسميه استبطانا.
÷ ألم تتصور، في يوم ما، أنه كان بإمكان حياتك أن تمر من دون فن وكتابة؟
{ لا يمكن أن أتصور ذلك أبدا. بعدما عرفت قيمة ما يمنحه الفن للانسان، وجدت أن حياتي لا يمكن أن تكون من دون شعر أو فن. لقد جربت أنواع المتع كوجبات الطعام الشهية والشواطئ السياحية الجميلة والغناء أحيانا، كل المتع المتاحة، لكني وجدت أن هذا كله يندرج في ما يمكن أن نطلق عليه «العادي» بل «التافه». الفن فقط هو الذي يمنح الحياة معنى أسمى وبحثا أغنى. هو وحده الذي لم يخرج الإنسان من العادية والابتذال. لا زلت مؤمنا بالحلم القديم، في أن يغدو الناس جميعا فنانين وشعراء ورسامين وموسيقيين وراقصين..
÷ على الرغم من كلّ الذي قلته، ألم تمر لحظات تساءلت فيها عن جدوى الكتابة؟
{ لم أتساءل عن جدوى الكتابة الشعرية أبدا. ربما الكتابات الأخرى، السياسية والنقدية. ببساطة شديدة لقد «تدوزن» تكويني الذهني والجسدي مع الشعر.
اسكندر حبش ـ ٢٥/٨/١٩٩٢