إنه «المشهد التركي» الأخير في العدد الأخير من «السفير». لذا أردنا ان نتجاوز تطورات الأسبوع المنصرم، لنقدم مقاربة استعادية عامة لمجمل منطلقات ومآلات وتحولات وآفاق المشروع التركي في المنطقة في السنوات الأخيرة، وصولاً إلى هزيمته المدوية عند أسوار حلب.
لم يكن وصول حزب «العدالة والتنمية» إلى السلطة عام 2002 مجرد تناوب روتيني عليها بين أحزاب علمانية يمينية أو يسارية او اسلامية او انقلاب عسكري كما كان يحصل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى العام 2002.
اختزن حزب «العدالة والتنمية» واختزل مشروعاً كاملاً ومتكاملاً في الداخل والخارج عبّر عن نفسه تدريجياً وبأشكال مختلفة. حفلت سنوات «العدالة والتنمية»، منذ العام 2002، بكمّ هائل من التطورات والأحداث، ليس من مجال ومساحة للتوقف التفصيلي عندها. ولكن يمكن ملاحظة ما يلي:
أولاً: على الصعيد الداخلي
كانت المهمة الأولى لهذا المشروع تغيير الطبيعة العلمانية والإيديولوجية للدولة في اتجاه ان تكون أقل علمانية وأكثر دينية. وكانت آخر التعبيرات عن هذا الهدف هو تصريح رئيس البرلمان اسماعيل قهرمان بضرورة حذف الاشارة إلى العلمانية في الدستور. ولكن حتى إذا بقيت، فإن التطبيق كفيل بتعطيلها. كما يسعى مشروع «العدالة والتنمية»، في مهمته الثانية، إلى تجاوز اللعبة الديموقراطية بتغيير النظام السياسي ليكون اوتوقراطياً يحصر الصلاحيات والسلطات بيد فرد واحد هو رجب طيب أردوغان.
وكان «العدالة والتنمية» يدرك أن دون تحقيق هذين الهدفين عقبات عدة.
العقبة الأساسية امام ضرب العلمانية كان استمرار المؤسسة العسكرية في ممارسة نفوذ سياسي لها وفق الدستور والقوانين. لذا انصب اهتمام الحزب على ضرب هذا النفوذ. وقد ساعدت ظروف متعددة على إنجاح ذلك من خلال استفتاء 12 أيلول 2010 الذي أنهى الدور الدستوري والقانوني للمؤسسة العسكرية بوصفها حامية العلمانية والجمهورية لتنفتح الطريق بعد الاستفتاء امام توغل الحزب في تطبيق اجندته لتغيير الطبيعة العلمانية في الدولة عبر إجراءات على أكثر من مستوى تعليمي واداري وشخصي.
اما العقبات أمام إقامة نظام أوتوقراطي بزعامة أردوغان، فكانت متعددة اهمها اثنتان. الأولى هي الشراكة في السلطة مع آخرين. وقد نجح أردوغان بإقصاء هؤلاء تدريجياً من عبد الله غول إلى بولنت أرينتش واحمد داود أوغلو ومن ثم فتح الله غولن فضلاً عن القوى الديموقراطية التي دعمته في البداية علّه يكون منقذاً. ومن ثم أكمل تصفية معارضيه من خلال استثمار الانقلاب العسكري بإعلان حالة الطوارئ في 20 تموز الماضي التي تهمّش دور البرلمان وتجعل أردوغان يتفرّد بحكم البلاد.
أما العقبة الثانية فكانت في طبيعة النظام السياسي الذي هو برلماني ويحصر السلطات بيد الحكومة ويوكل للبرلمان دوراً مركزياً في المراقبة وتكوين السلطة. اليوم أعدّ الحزب مشروع دستور جديد يتوقع أن يقر في الربيع المقبل ما لم تطرأ مفاجآت في البرلمان او في الاستفتاء. دستور يعيد تركيا إلى وضع سابق على أول دستور عام 1876 بل إلى ما قبل صدور أول تنظيمات إصلاحية جدية عام 1839. وهو دستور يهدف إلى تصفية المعارضة السياسية وتهميش مكونات كثيرة من المجتمع التركي مثل الأكراد والعلمانيين والعلويين والقوى الديموقراطية اليسارية. وهي كلُّها قوى لم تشارك في وضع الدستور الجديد الذي اقتصر إعداده على التيار القومي ـ الديني المؤلف من حزب «العدالة والتنمية» وحزب الحركة القومية، وهذا من أكبر ثغراته.
يطيح حزب «العدالة والتنمية» هذا النهج في الداخل ببعض مكتسبات التجربة العلمانية والديموقراطية ويتراجع عن الأخذ بأسباب بعض التقدم الذي عرفته تركيا والذي وفّرته العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وهو مسار مترنح ولا يعد بأي تقدم من الجانب التركي.
أفضى مجمل هذا النهج إلى النتائج التالية:
1- استقطاب عرقي حاد حيث فاق حزب «العدالة والتنمية» كل أسلافه لجهة إنكار الهوية الكردية والسعي لإبادتها سياسياً وعسكرياً وبنية تحتية.
2- احتقان مذهبي عميق لم يسبق له مثيل لجهة إثارة النعرات المذهبية والتحريض علناً ضد العلويين.
3 - استقطاب إيديولوجي علماني ـ اسلامي غير مسبوق.
4 - تعزيز النزعات المتشددة لا سيما الدينية في المجتمع التركي بتأثير هذه السياسات والأوضاع في المنطقة وتوفير بيئة حاضنة للتيارات المتطرفة مثل «داعش» و «جبهة النصرة» واعتبار عناصر «داعش» أنهم «أولاد الغضب من الاستبداد»، بحسب أحمد داود أوغلو، واعتبار أردوغان «جبهة النصرة» أنها غير ارهابية لأنها تحارب «داعش».
5- اضطراب سياسي وأمني واسع من تفجيرات وعمليات عسكرية واغتيالات آخرها السفير الروسي في أنقرة اندريه كارلوف.
6 - تراجع ما سمي بـ «المعجزة» الاقتصادية بعد انتفاء أسباب ظهورها وفي رأسها نهج «صفر مشكلات» الذي اختفى وحلّت محله سياسات أفضت إلى تراجع كل المؤشرات الاقتصادية لتركيا وآخرها تراجع النمو إلى حدود 2.5-3.00 في المئة وتراجع الصادرات وتدهور سعر صرف الليرة وموت السياحة وتقلص حجم الناتج القومي وازدياد البطالة وارتفاع نسبة التضخم وهروب الاستثمارات الأجنبية.
تركيا تمر في الداخل بأسوأ وضع لها منذ عقود يضاعف من مخاطره الحرائق الكبيرة المشتعلة في جوارها الإقليمي وانخراط تركيا طرفاً مباشراً فيها.
ثانياً: على الصعيد الخارجي
جاء حزب «العدالة والتنمية» إلى السلطة بسياسة «صفر مشكلات» التي استحالت بعد سنوات قليلة إلى «صِرف مشكلات». وكما كان استفتاء أيلول 2010 محطة فاصلة بين مرحلتين في السياسات الداخلية كان ما سمي بـ «الربيع العربي» محطة فاصلة بين مرحلتين في السياسات الخارجية. كان»الربيع العربي» الفرصة التي أطلقت المشروع التركي من كوامنه التي كان يُعبّر عنها سابقاً بصورة خجولة وخارج أي ارتياب جدي.
1- انتقلت تركيا من سياسة الشراكة والتعاون في ادارة المنطقة مع سوريا وايران ومصر والسعودية إلى سياسة محاولة التفرد بالهيمنة على المنطقة انطلاقاً من اعتبارات ايديولوجية. هذا كان يتطلب استبدال الأنظمة القائمة بأخرى تكون ركيزتها جماعات الإخوان المسلمين تحديداً. وقد سعت إلى ذلك في سوريا وليبيا والخليج واليمن والعراق ونجحت في مصر وتونس والمغرب قبل ان تنقلب الصورة في مصر وتونس. وليس أبلغ على محاولة التفرد هذه من قول داود اوغلو في العام 2013 إن تركيا تريد ان ترسم ملامح الشرق الأوسط وفقاً لسياساتها وتكون هي طليعته. وفي أواخر العام الحالي (2016) كان أردوغان يعترف بأنه دخل بجيشه إلى سوريا لإنهاء حكم بشار الأسد من دون أي سبب آخر.
2- انطلقت تلك التحولات أيضاً من محدد اوسع، وهو المحدد العثماني في ما عرف بالعثمانية الجديدة والأمثلة أكثر من ان تحصى على هذه النزعة. ومن هنا دعوة داود أوغلو إلى «كومنولث عثماني»، وقول أردوغان والمسؤولين الأتراك بـ «مسؤوليات تاريخية» تجاه سوريا والمنطقة كونها كانت جزءاً من المستعمرات العثمانية السابقة، ومن ان سوريا «شأن داخلي» تركي، ومن أن تركيا ستصل إلى آخر نقطة وطأتها خيول العثمانيين.
3 - تغيير بوصلة السياسة الخارجية استكمل بالتباطؤ، بل بالتقاعس على طريق الاتحاد الأوروبي والابتعاد عن معايير كوبنهاغن، وهو ما أثار الحديث والنقاش عن «استدارات» تركية نحو الشرق.
4- وجاء الخلاف مع واشنطن حول المسألة الكردية في سوريا ليباعد أيضاً بين تركيا والولايات المتحدة إلى انفجار الخلاف بسبب اتهام انقرة لواشنطن بالوقوف وراء الانقلاب العسكري في تموز الماضي.
ثالثاً: تغيير في الأدوات
انقلاب تركيا على سياساتها السابقة كان يرتب عليها تغييراً في أدوات الوصول إلى هذه الأهداف.
1- انتقلت تركيا من التعامل مع الدول الأخرى من قاعدة «دولة لدولة» إلى تجاوز الدولة والتحول إلى طرف مباشر في النزاعات الداخلية لكل بلد ونسج علاقات مع الجماعات المحلية الحزبية والاجتماعية لا سيما في الشرق الأوسط. وقد تطور هذا النهج من تلقاء نفسه إلى عدم احترام وحدة وسيادة البلدان ولا سيما المجاورة بخلاف المزاعم بدفاع تركيا عن وحدة تلك الدول. فالفوبيا الكردية لدى أنقرة هي التي تجعلها تقول بوحدة سوريا وليس احترام هذه الوحدة في الأساس.
2- انتقلت تركيا بالتدريج من العمل على تغيير الأنظمة بالطريقة السلمية حتى إذا لم تنجح في ذلك لجأت إلى دعم المعارضات وتسليحها في كل الدول ولا سيما في سوريا. حتى إذا فشلت أيضاً في ذلك عمدت إلى التدخل العسكري المباشر كما حدث أيضاً في سوريا في 24 آب 2016 ليكون اول تدخل عسكري تركي مباشر بهدف الاحتلال والإقامة منذ العام 1923 (الحالة القبرصية هنا خاصة ومختلفة كلية).
3- وهذا التدخل تضعه أنقرة في إطار عقيدة عسكرية جديدة وهو محاربة الإرهاب في منابعه وراء الحدود قبل أن يصل إليها. ومن ذلك اقامة قاعدة عسكرية في الصومال وأخرى في قطر والعمل على إقامة قواعد عسكرية ي أذربيجان وجورجيا وألبانيا.
4- والأخطر في هذا الإطار أن تركيا تضع تدخلها في سوريا كما في العراق في إطار تاريخي وهو الحق في التحرك ضمن الأراضي التي كانت ضمن خريطة «الميثاق الملي» لعام 1920. وهو ما يوجب التنبه لما يخفيه الاحتلال التركي لشمال سوريا من نوايا بعيدة المدى والذي لا يمت بصلة إلى حماية وحدة سوريا ولا محاربة داعش ولا حتى، في العمق، منع الفدرالية الكردية.
4- لم تفرق تركيا في دعمها للجماعات المسلحة ومن اجل تحقيق الوصول إلى اهدافها بين تنظيم معتدل او متطرف. فكان الاحتضان الواسع للتنظيمات المتطرفة مثل «داعش» و «النصرة» لتندمغ بتركيا صورة الدولة الداعمة للإرهاب.
5- ومن المحركات الأساسية في الأشهر الأخيرة للسلوك التركي ظهور هاجس «المؤامرة الخارجية» الهادفة لإضعاف تركيا وتقسيمها وتعطي مثلاً على ذلك انقلاب 15 تموز والدور الأميركي فيه والسعي لإقامة ممر كردي في سوريا من الحدود العراقية وصولاً إلى عفرين وربما البحر المتوسط. ولا تحيّد تركيا أي دولة من هذه المؤامرة بل تضعها كلها في خانة العداء من أميركا وأوروبا إلى روسيا وإيران وسوريا.
رابعاً: فرص ومعوقات
في ظلّ سياسات الاستقطاب الداخلية الشاملة والسعي لتغيير الطبيعة العلمانية للدولة وإعادة هندسة التوازنات الاجتماعية، فإن فرص تركيا في تحقيق استقرار سياسي واجتماعي وأمني داخلي ضئيلة جداً. وعوامل الانفجار قائمة سواء على شكل اضطرابات شعبية او امنية أو انقلابات بمعزل عن الكيفية والتوقيت. فالعمل على استبعاد نصف المجتمع من تقرير مصير تركيا والتغوّل في سياسات مذهبية وعرقية هستيرية وتعزيز نظام الاستبداد، لا تحقق الاستقرار ولا الأمن ولا تحافظ على وحدة الأراضي.
وفي ظلّ العزلة الخارجية التي تعاني منها تركيا سواء مع الغرب او مع الشرق، وفي ظلّ انهيار المشروع العثماني لأردوغان، فإن جلَّ همّ تركيا اليوم هو التقليل من الخسائر، لا جني المكاسب عبر محاولة الانفتاح على روسيا وإيران. مع ذلك، فإن اللعبة التكتيكية التركية غير خافية على أحد. فسياسات المناورة ليست جديدة وما يخشى أن يكون وقف إطلاق النار الجديد مجرد محاولة لالتقاط الأنفاس المتهالكة من جهة، وانتظار سياسات دونالد ترامب الجديدة. حتى إذا كان ترامب في وارد الانسجام مع النهج الروسي في سوريا انصاع أردوغان وأكمل ما أُجبر على فعله حتى الآن. وإلا فإن حساباته ستعود إلى نغمتها القديمة. فتركيا حزب «العدالة والتنمية» لن تجد في النهاية ولأكثر من سبب ملاذاً آمناً سوى حلف شمال الأطلسي الذي حدوده هي حدود تركيا، كما يقول اردوغان نفسه. ومع ذلك فإن هذا لا يعني، هذه المرة، نجاة أردوغان من المساءلة والمعاقبة سواء من شعبه أو من حلفائه أنفسهم في الخارج. فتركيا بالنسبة للغرب شيء والنظام شيء آخر. وأردوغان أصبح عبئاً على الجميع: على الغرب وعلى الشرق وعلى الداخل المتفجر. ولا بد من أحد ان يدفع الثمن: تركيا أو أردوغان، ولا خيار ثالثاً يبدو حتى الآن في الأفق.