لا أظنني أميل إلى الرثاء والمناشدة والاتهام... لأن عقلي «النقدي» يدفعني إلى الدعوة لفهم الأسباب والبحث فيها، فإذا كان المقام هنا، مقاماً للذكريات والعواطف فلا بأس بذلك بالنسبة إلي، لكنها ذكريات وعواطف مرتبطة أساساً بصيرورة المعرفة التي اكتسبتها كما العديد غيري مذ بدأنا نقرأ «السفير» وأدمنّا عليها، وأصبح بعضنا كتّاباً فيها.
أظن أن حضور المعرفة هو الأساس في نشوء «السفير» ودوام مشروعها، هذا الحضور ارتبط عضوياً بالمشروع النهضوي العروبي واليساري الذي نافحت عنه هذه الصحيفة طوال عقود بكل حرفيّة واحترام للتعدد والاختلاف، فهل الغياب يأتي بعد نكوص بقايا هذا المشروع أفراداً واقتصاداً وجمهوراً ومنابر؟ أعتقد أن هذا صحيح، ولكني أختلف مع الكثيرين الذين يربطون هذا الغياب بظروف خارجية فحسب، وأظنه غياباً طوعياً في معظمه تَشَكَّلَ كخيار نفسي وثقافي واجتماعي لرواد هذا المشروع وجمهوره، لقد استسلموا للشرط الخارجي ولمخاتلات المشاريع والمعارف البديلة دفعهم إليها إحساسهم بالذنب ورغبتهم في إيجاد أية حلول للخروج من مآزقهم، وأوهامهم حول «صعود طبقي سريع»، فاقدين تماماً لحسهم النقدي المعرفي محيلين إياه ثارات شخصيّة من الذات والآخر والماضي مصاغةٍ على شكل شعارات ليبرالية ديماغوجيّة، حتى لو وقعوا في مصائد كل ما وقفوا ضدّه من إيديولوجيات وأنساق التخلف والجهل المزيف بعناوين ما بعد حداثية براقة.
أما الحديث عن تراجع القراءة الورقيّة فهو حديث صحيح نسبياً ولكن مخاتلته تكمن في تحويله إلى خيار محسوم على مستوى العالم، إنه بالتأكيد ليس كذلك، فمخترعو ومنشؤو وسائل الاتصال الاجتماعي آتون من مجتمعات استطاعت أن تميز وتلجم وتنقد بعمق هذه الوسائل. لقد صدرت مئات من الدراسات والبحوث في الغرب تحدثت عن الفوارق «الجوهريّة» الحسيّة والمعرفيّة والسوسيولوجيّة والثقافيّة بين القراءة الإلكترونيّة ـ الافتراضية والورقيّة. لقد حرّض هؤلاء وما زالوا على التمسك بالمعرفة المحسوسة التي ما زالت منابرها الكثيفة ـ بما فيها الصحافيّة ـ تحضر بقوة في كل مكان من الغرب، وذلك رغم شراسة السوبر كومبرادور المالي الذي يشتغل بكل قوة على إلغاء جوهر التعدد والاختلاف الذين طالما باهى بهما الغرب العالم.
لقد تخلى العربي عن القراءة قبل ظهور وسائل الاتصال الاجتماعي أو قبل انتشارها وتعميمها، تخلّى عن المعرفة العميقة لأنه ربطها بهزائمه وانكساراته... لأنه ربطها بتلك الحداثة التي لم يعد لها مكان في عيشه وعقله، لجأ إلى التلفزيون الذي خلق لديه وهم التعدد لكنه كان وهماً بحتاً، لأن التلفزيون كرّس لديه ثقافة العناوين والتذرر والانفعال السطحي المزيف، أما مع وسائل الاتصال الافتراضيّة وتطبيقاتها فقد زاد وهم التعدد حتى بات يوحي باللانهائية، لكنه ظلّ مجرد عنوان لمزيد من التذرر والتشتت وإلغاء أي معنى للسياقات المعرفيّة والثقافيّة.
عاد العربي إلى ماضيه السحيق وبحث فيه عن كل ما هو تناحري ومتخلّف، تماهى في آن واحد مع خلافات الأولين وإلكترونيات من يظنهم أعداءه الماهويين، ألغى الصحيفة والسينما والمسرح والكتاب واستراح لمآله المأساوي الذي اختاره لنفسه ظناً منه أنه بذلك ينتقم لذاته ممّن استبدّوا به واضطهدوه.
إن إغلاق «السفير» مركّب الأسباب، ولكني ركزت على جانب أظنه أساسي، فلولا الصيرورة التي تحدثت عنها آنفاً لاكتسب هذا الإغلاق سمة استثنائية، لكنه الآن ليس كذلك، إنه غياب رمزي قد يكون مأساوياً ولكنه محفز على مزيد من التفكر في مآلات ومستقبل كلّ ما زلنا نحلم به من سعادة الإنجاز.
أخيراً ومع حفظ الألقاب... إلى يسري نصر الله، محمد سويد، عبّاس بيضون، نديم جرجورة، اسكندر حبش وآخرين: قرأت لكم وتعلمت منكم وزاملتكم وصادقتكم وسأظلّ مديناً لكم بكثير من الحب والاحترام، ولكن الأهم أني سأسمعكم ومع الآخرين لنلتقي مجدداً على حلم الحريّة والحداثة في منابر أخرى وإلى لقاء.
(ناقد سوري)