«هدنة ترامب» باتت تحت الاختبار الى ان تتبلور السياسات السورية للرئيس الأميركي الجديد بحلول ربيع العام 2017، ذلك ان فلاديمير بوتين الذي لا يريد النزول الى مستوى نظيره الأميركي المغادر بعد أيام باراك اوباما، بحسب ما قال بالأمس تعليقاً على خلافهما الديبلوماسي الجديد، يراهن على سعة صدر دونالد ترامب في الشأنين السوري والإرهابي، ليرمي مجددا حجر الزهر في مناوراته السورية المحفوفة بالمجازفات.
وهي مقامرة بحق لأن تجربة الهدن السابقة لم تتح استثماراً سياسياً مربحاً للحليفين السوري والروسي، ومنحت كما هو معروف للفصائل المسلحة على تنويعاتها، الفرصة لالتقاط الانفاس وإعادة حشو ترسانتها التسليحية، كما جرى في هدنة ربيع العام 2016 التي مهدت لجولة جنيف المجهضة بقرار سعودي، تماماً كما يراهن الكرملين الآن على هدنة ترامب تمهيداً لمفاوضات العاصمة الكازاخية أستانة في منتصف كانون الثاني المقبل.
ومما يفترض ان يثير ترقب الحلفاء الروس والسوريين والإيرانيين بالإضافة الى «حزب الله»، ان «هدنة ترامب» تشكل محاولة لاستثمار اللحظة السياسية لا اكثر، وهي بكل الأحوال استجابة طبيعية من جانب خصومهم من الفصائل المسلحة والدول الداعمة لها، لتداعيات ما بعد هزيمة حلب التي تفرض بطبيعة الحال، حسابات سياسية وعسكرية جديدة تأخذ بالاعتبار التحولات الميدانية التي حصلت والتبدل المرحلي في المصالح التركية، وهي لا تعني بالضرورة تحولا استراتيجيا لا في اهداف كبرى التنظيمات المسلحة، ولا رؤية رجب طيب اردوغان الذي بات ينظر الى ساحتي الشمالين العراقي والسوري كملعبين لممارسة دور القوة الإقليمية التي يمنع تجاهلها في لعبة الكبار.
وربما هنا بالضبط ما يفسر جزئيا انخراط الاتراك في ترتيبات الهدنة الجديدة: ممارسة الدور الإقليمي بما يضمن مصالحهم ويخدم معركتهم ضد الاكراد تحديدا بحجز مقعد المقرر والضامن في مفاوضات استانة، ومنح الفصائل المسلحة المدعومة منها، فرصة التقاط الانفاس وشحذ السيوف استعدادا للمعارك الكبرى المتوقعة في ما بعد الانهيار المحتمل للمسار التفاوضي الذي يجد نقاط التلاقي بين الضامنين الثلاثة (روسيا وايران وتركيا)، لكنه أيضا لا يعالج حتى الان العديد من البنود الخلافية، سواء من تصنيف الفصائل المسلحة على الأرض السورية، وصولا الى صيغة التسوية السياسية الأكبر في ما يتعلق بالدستور السوري. وبطبيعة الحال، سيكون من الضروري مراقبة مصر التي دعيت لتكون بين الضامنين الثلاثة للهدنة الحالية، مع العلم ان الدور السعودي والقطري، سيكون محكوما في المرحلة المقبلة بتبلور محاذير ترامب، وسقوف ادارته لادارة الصراع.
ولهذا ربما، فان بإمكان الروس المراهنة على ما يعتبرونها «هدنة ترامب». الهدنة في واقعها، هدنة من جانب الكرملين مع ساكن البيت الأبيض المقبل، على امل ان يعيد الحرارة الى العلاقات بين موسكو وواشنطن، وربما الغاء مفاعيل قرار أوباما في آخر أيامه السماح بتسليح المعارضة السورية بأسلحة اكثر نوعية لمواجهة القوات الروسية والسورية والإيرانية.
وبهذا المعنى، قد لا تكون استانة، تماما كما كانت قبلها مفاوضات جنيف ولوزان وموسكو والقاهرة، سوى محطة في خريطة الصراع السوري، تتطلب الكثير من اليقظة والاستعداد لما بعد اغلاق قاعات التفاوض الكازاخستاني. والقذائف التي تكررت على احياء حلب المحررة الان، وقطع امدادات المياه عنها، تشي بأن جبهات حلب، وغيرها، لم تصمت مدافعها بشكل كامل بعد.
لكن الى أين تحديداً؟
لم يعد هناك خلاف ان ادلب تحولت تدريجيا منذ اكتمال هيمنة المسلحين عليها الى المعقل الأكبر، المفتوح على خطوط الامداد التركية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة ان القيادة العسكرية السورية والحلفاء، تعتبر ان أولوياتها العسكرية تتجه نحو «المدبرة» الادلبية بعد الحسم العسكري الذي جرى في حلب، اذ قد تتركز جهود الفصائل في المرحلة المقبلة على بلورة صياغة جديدة للمواجهة العسكرية مستفيدة من دروس خسارة معركة حلب، ربما نحو «حروب العصابات» انطلاقا من ادلب، لاستنزاف الجيش السوري والحلفاء وتوسيع اساليب التفجيرات والاغتيالات.
ومن البديهي القول إن دمشق بحاجة الى معالجة الوضع في ريف حلب الجنوبي، من دون اغفال مستجدات المعركة في مدينة الباب، حيث دخل الطيران الروسي للمرة الاولى على خط داعم عسكريا لعملية «درع الفرات» التركية.
ومن الطبيعي ايضا التصور ان الحكومة السورية ستتابع جهود تسوية المشهد في أرياف دمشق الذي تتسارع فيه التطورات، وربما تقودها قريبا الى دوما، المعقل السعودي الابرز على ابواب دمشق.
لكن النجاة الكبرى امام السوريين خلال العام الجديد، يجب ان تتجسد في تحويل نكبة حلب التي استمرت اربعة اعوام، الى معادلة تاريخية ترفد دمشق واخواتها، بارادة البقاء السوري الحتمي.