شهران من المفاوضات الماراثونية قادتها روسيا وتركيا تكللت، أمس، بإعلان اتفاق «تاريخي» علَّق، من خلال هدنة مفتوحة، نيران الحرب السورية، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة قد تمهِّد الأرض لحلول سياسية من المنتظر أن يكون حجرها الأساس في استانة، عاصمة كازاخستان.
وبالتوازي مع إعلان الاتفاق الذي لاقى ترحيباً دولياً وأممياً، أقرت جماعات كردية سورية خطة لإقامة نظام حكم اتحادي في شمال سوريا، واصفة الخطة بأنها ترقى إلى حد دستور، وتعرف باسم «العقد الاجتماعي».
القيادة العامة للجيش السوري أعلنت في بيان «وقفاً شاملاً للأعمال القتالية على جميع أراضي الجمهورية العربية السورية اعتبارا من الساعة صفر يوم 30 ـ 12 ـ 2016 (منتصف ليل الخميس ـ الجمعة)، بهدف تهيئة الظروف الملائمة لدعم المسار السياسي للأزمة في سوريا»، مشيرة إلى أن القرار يستثني تنظيمي «داعش وجبهة النصرة الإرهابيين والمجموعات المرتبطة بهما».
وبعد لقاءات عدة في تركيا بين مبعوثين روس وممثلين للفصائل «المعارضة»، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التوصل إلى اتفاق حول وقف إطلاق النار في سوريا، واستعداد الأطراف المتنازعة لبدء مفاوضات السلام.
وأوضح خلال اجتماع مع وزيري الخارجية سيرغي لافروف والدفاع سيرغي شويغو في موسكو، أنه تم التوقيع على ثلاث اتفاقيات، الأولى منها هي اتفاقية وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و «المعارضة» المسلحة. أما الاتفاقية الثانية، فتنص على حزمة إجراءات للرقابة على نظام وقف إطلاق النار، فيما تمثل الوثيقة الثالثة بيانا حول استعداد الأطراف لبدء مفاوضات السلام حول التسوية السورية.
وتابع أن روسيا وتركيا وإيران أخذت على عاتقها الالتزامات بالرقابة على تنفيذ الهدنة ولعب دور الضامنة لعملية التسوية، مضيفاً «الاتفاقات التي تم التوصل إليها، هشة، وتتطلب منا إيلاء اهتمام ورعاية خاصة من أجل الحفاظ عليها وتطويرها».
وزير الدفاع الروسي أوضح أن فصائل «المعارضة» المسلحة التي انضمت إلى الهدنة في سوريا، تضم أكثر من 60 ألف مسلح. وشدد شويغو على اعتبار الفصائل التي لم تنضم لنظام وقف إطلاق النار، إرهابية.
لافروف قال إن روسيا ستدعو ممثلي الأمم المتحدة للانضمام لتطبيق الاتفاقات حول سوريا، معرباً عن أمله مشاركة مصر في هذا العمل. وأضاف أن موسكو تعوّل على انضمام الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة دونالد ترامب، لجهود التسوية في سوريا.
وتابع «انطلاقاً من نتائج هذه المشاورات، نبدأ بالتعاون مع الأتراك والإيرانيين بالتحضير للاجتماع في أستانا. ونظرا لأهمية توسيع مجموعة الدول الضامنة (للاتفاق)، ننوي دعوة شركائنا المصريين للانضمام إلى هذه الاتفاقات في المرحلة الراهنة».
وأوضح أنه سيكون من الضروري في المراحل المقبلة، على الأرجح، إشراك الدول المحورية الأخرى التي لها تأثير على التطورات في سوريا، وهي السعودية وقطر والعراق والأردن، مضيفاً «طبعا، سندعو ممثلين عن الأمم المتحدة (للمشاركة في تنفيذ الاتفاقات)، وذلك سيسمح بضمان الطابع المتواصل للعملية السياسية في الأطر التي أقرها مجلس الأمن الدولي في قراره الرقم 2254».
وكان لافروف قد اتفق مع نظيريه التركي مولود جاويش أوغلو والإيراني محمد جواد ظريف، في وقت سابق، على مواصلة المشاورات بشأن الأزمة السورية، بما فيها «المسائل المتعلقة بالاجتماع في أستانا، بالتزامن مع الاستمرار بمحاربة التنظيمات الإرهابية بصورة حازمة»، وجاء ذلك في اتصالين منفصلين بكلا الوزيرين.
إلى ذلك، أفاد الكرملين في بيان أن الرئيس السوري بشار الأسد، أكد خلال اتصال هاتفي مع بوتين استعداده للالتزام باتفاقات وقف إطلاق النار والتحول إلى العملية السياسية في سوريا.
وذكر البيان أن الرئيسين اعتبرا «أن إطلاق المفاوضات في أستانا بشأن التسوية السلمية في سوريا سيمثل خطوة مهمة على سبيل الحل النهائي للأزمة» التي تمر بها البلاد.
وفي وقت سابق، أعلن الكرملين أن بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان أكدا خلال اتصال هاتفي استثناء التنظيمات الإرهابية وبالدرجة الأولى تنظيم «داعش» من اتفاق وقف الأعمال القتالية في سوريا.
الرئيس التركي اعتبر خلال مؤتمر صحافي أن وقف إطلاق النار في سوريا «فرصة تاريخية» لإنهاء الحرب، قائلاً: «لا ينبغي إهدار هذه الفرصة».
وأضاف «كنت أتابع تطورات المفاوضات مع روسيا عن كثب إلى حين تم إبرام الاتفاق»، لافتاً إلى وجود «بعض التنظيمات الإرهابية التي لا يشملها الاتفاق، وسوف تقوم تركيا بمكافحة هذه التنظيمات».
وزير الخارجية السوري وليد المعلم، أكد أن اتفاق الهدنة يعكس ثقة الدولة السورية بالنصر على الإرهاب، معتبراً أنه يشكل «فرصة حقيقية لنصل إلى تسوية سياسية للأزمة في سوريا تنهي سفك الدم وتؤسس لمستقبل البلاد».
وأضاف خلال مقابلة مع التلفزيون السوري، أن سوريا «تثق بالضامن الروسي لاتفاق وقف الأعمال القتالية»، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن السلطات في دمشق «لا تثق بالدور التركي».
وأوضح أن «دول مجلس التعاون الخليجي تموّل الحملات الانتخابية في أميركا لإسقاط الأنظمة»، معتبرا أن «عليهم أن يعودوا إلى رشدهم ويتطلعوا إلى مصالح شعوبهم وأن يعيدوا النظر في سياساتهم تجاه المنطقة ككل».
وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قال في بيان، إن اتفاق الهدنة ينص على وقف جميع العمليات العسكرية بما في ذلك الجوية، مشيراً إلى أن أطراف الاتفاق «وعدت بعدم توسيع المناطق الخاضعة لسيطرتها».
المتحدث باسم الخارجية الأميركية مارك تونر، اعتبر أن اتفاق وقف إطلاق النار «تطور إيجابي»، معرباً عن أمل بلاده تنفيذه من قبل جميع أطراف النزاع.
وكانت البحرية الأميركية قد أعلنت أن المجموعة العاشرة الضاربة التابعة لها غادرت منطقة الشرق الأوسط مع حاملة الطائرات «ايزنهاور» عائدة إلى الولايات المتحدة. وكانت المجموعة قد دعمت عملية «العزم الصلب» في العراق وسوريا، وكذلك بعمليات في ليبيا وجنوب السودان.
مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا رحب بإعلان وقف إطلاق النار، معرباً عن أمله أن ينقذ أرواح المدنيين ويتيح المجال لتسليم المساعدات ويقود إلى محادثات سلام بناءة في أستانة.
القاهرة أوضحت أنها تعكف على دراسة إمكانية الانضمام إلى المجموعة الضامنة للاتفاق، معتبرة أن وقف الأعمال القتالية في سوريا يشكل «تمهيداً» لاستئناف الحوار السياسي مع «استمرار مكافحة الإرهاب والتطرف واستهداف الجماعات الإرهابية».
وفي ظل الترحيب الدولي بالاتفاق، قال المتحدث باسم جماعة «أحرار الشام» أحمد قرة علي إن لدى الحركة تحفظات بشأن اتفاق وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات، موضحاً أنها لم تكن ضمن الجماعات التي وقعت عليه.
وقال في حسابه على موقع «تويتر»: «لدى أحرار الشام عدد من التحفظات حول الاتفاقية المطروحة والعملية التفاوضية المرتبطة بها، ولذا لم نوقع عليها وسنبين تحفظاتنا على الاتفاقية لاحقا».
وقبيل موقف «أحرار الشام» المتحفظ على الاتفاق، كانت وزارة الدفاع الروسية قد ذكرت أن جماعات «المعارضة» التي وقعت على الاتفاق هي «أحرار الشام» و «فيلق الشام» و «جيش الإسلام» و «ثوار الشام» و «جيش المجاهدين» و «جيش إدلب» و «الجبهة الشامية».
مسؤولون في «المعارضة» أكدوا أن اتفاق الهدنة يشمل أيضاً «جبهة فتح الشام» (النصرة مسبقاً)، وذلك على الرغم من أن الجيش السوري نفى ذلك.
وأكد المتحدث باسم «الائتلاف الوطني المعارض» أحمد رمضان دعمه للاتفاق، مشيراً إلى أنه «يسري كذلك على محافظة إدلب» التي يسيطر عليها ائتلاف فصائل إسلامية في مقدمها «جبهة النصرة».
بدوره، قال رئيس المكتب السياسي لتجمع (فاستقم) زكريا ملاحفجي، إن وقف إطلاق النار لا يستثني إلا المناطق الخاضعة لـ «داعش»، لافتاً إلى أن رفض استثناء مناطق سيطرة «النصرة» من الاتفاق، يعود لتعذر فصلها عن باقي الجماعات وتداخل المساحات الواقعة تحت سيطرة الجماعات المختلفة.
ممثلو «الجيش الحر»، أكدوا كذلك التزامهم بالاتفاق، مشددين على أن روسيا تفاوضت باعتبارها طرفا ضامنا للسلطات في دمشق.
من جهة أخرى، أعلنت جماعات كردية سورية وحلفاء لها، أمس، أنها أقرت خطة لإقامة نظام حكم اتحادي في شمال سوريا، لتؤكد خططها مجددا بشأن الحكم الذاتي في مناطق سيطرت عليها خلال الحرب.
وقال مسؤول كردي إن مسودة الخطة ترقى إلى حد دستور وتُعرف باسم «العقد الاجتماعي». وتهدف المسودة إلى ترسيخ الحكم الذاتي لمناطق في شمال سوريا.
وأوضح أحد رؤساء «مجلس النظام الاتحادي» منصور السلوم أنه تم التصديق على «العقد الاجتماعي»، لافتاً إلى أن لجنة تنفيذية ستجهّز لإجراء انتخابات للإدارات الإقليمية أولا ثم لهيئة مركزية لاحقا. ولم يحدد موعدا لذلك.

(«سانا»، «روسيا اليوم»، «الأناضول»، رويترز، أ ف ب)