لم يتوافر في التاريخ المصري الحديث ما توفّر من التأييد الشعبي والدعم للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. فالرجل الذي وقف في الثالث من تموز 2013 ليُعلن نهاية حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي ووقف العمل بالدستور، اعتُبر مُنقذاً للبلاد من جماعة «الإخوان المُسلمين»، ومُخلصاً للمصريين من سيناريو الفوضى الذي ضرب دول الجوار.
وبعد عام من الحكم الانتقالي، تسلّم السيسي السلطة رسمياً، من دون مُنافسة تُذكر وسط تأييد غير مسبوق. وعلى الرغم من أنه لم يطرح برنامجاً انتخابياً في حملته الرئاسية، انعقدت الآمال عليه في إنقاذ البلاد من الانهيار الاقتصادي الذي كان يتهدّدها، وحماية قيم الوطنية التي أهدرها «الإخوان».
ما حدث عقب تولي السيسي الرئاسة في منتصف عام 2014، دعم تلك الآمال بشدّة. فالمشروعات التي أعلنها للنهوض بمصر اقتصادياً، وعلى رأسها مشروع توسيع وتطوير قناة السويس، وما أحاطها من دعاية، دعمت آمال الازدهار الاقتصادي والنهوض من الأزمة الاقتصادية الخانقة. ومُواجهته الضغوط الأميركية والأوروبية عقب إطاحة محمد مرسي، دعمت الطموحات الوطنية، حتى جرى تصوير السيسي على أنه إحياء لعهد عبد الناصر.
دخل السيسي إلى عام 2016، مُحاطاً بالتأييد والآمال العريضة كأحد أهم زعماء مصر في العصر الحديث، ولكنه لم يخرج منها مثلما دخل. فمع انقضاء عام 2016 كانت الرهانات الأساسية التي انعقدت على السيسي كزعيم وطني ومنقذ للبلاد خاسرة.
على الصعيد الوطني، كان احتمال تخلّي محمد مرسي عن منطقة حلايب وشلاتين المتنازع عليها مع السودان كافياً لوصمه بالخيانة العظمى، وكان الحديث عن توطين الفلسطينيين في جزء من سيناء سبباً مُباشراً في حشد الرأي العام ضدّه. ومع ظهور السيسي في المشهد بخلفيته العسكرية وتحديه لأميركا والاتحاد الأوروبي، اللذين اعتبرا أن إطاحة مرسي انقلاب عسكري غير شرعي، بدا السيسي كزعيم وطني من الطراز الناصري القادر على تحدي القوى العظمى لإعلاء كرامة الوطن. وهو ما جعل إبرام اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، بما تضمّنه من تنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين للسعودية، يُشكّل صدمة للرأي العام المصري، وخاصّة أن الاتفاقية أُبرمت فجأة خلال زيارة ملك السعودية للقاهرة في نيسان الماضي، ومن دون مُقدمات أو تمهيد للرأي العام. كما أن السيسي نفسه تصدّى للدفاع عن الاتفاقية مُطالباً بإغلاق باب النقاش فيها. والمُفارقة الأكبر أن شباب القوى الثورية الذين اتُّهموا من قبل الإعلام الرسمي بالعمالة، وتلقّي تمويله من الخارج لإثارة الاضطرابات الداخلية، هم من تصدّوا لمُعارضة التنازل عن الجزيرتين، متحمّلين في سبيل ذلك الملاحقة الأمنية والسجون.
السيسي الذي اعتُبر إحياءً لقيم الكرامة الوطنية قبل 2016، أصبح متهماً بالتنازل عن أراضٍ مصرية خلال زيارة ملك السعودية.
ربما كانت قضية تيران وصنافير هي القضية الوطنية الأهم في 2016، التي أثّرت بشكل ملحوظ في صورة السيسي ومكانته التي حازها منذ 2013، ولكنها لم تكن الوحيدة. فالعلاقات المصرية ـ الإسرائيلية التي تطوّرت مع وصول السيسي للسلطة، وتطوّر التعاون الأمني بين نظام السيسي وإسرائيل، وحديثه عن السلام الدافئ مع إسرائيل، وضرورة توسيع اتفاقية السلام لتشمل دولاً عربية أخرى، والتصويت في الأمم المتحدة لصالح إسرائيل، واختتام 2016 بسحب مصر مشروع قرار وقف المستوطنات في مجلس الأمن، كل تلك المواقف جعلت السيسي أبعد ما يكون عن الصورة الناصرية التي رُسمت له في بداية ظهوره على الساحة السياسية في مصر. كذلك تصاعد أزمة سدّ النهضة، وقرب انتهاء أعماله بما يُنذر بتهديد حصّة مصر من مياه النيل، أثار الشكوك في قدرة نظام السيسي على حماية مصالح مصر في الخارج، خاصّةً في محيطها الحيوي.
على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، انعقدت أيضاً الآمال العريضة على السيسي كرجل اللحظة القادر على مواجهة الأزمة الاقتصادية، ووقف حالة التردّي الاقتصادي التي شهدتها البلاد. ودعم تلك الآمال، حجم المساعدات الاقتصادية التي تدفّقت على مصر من دول الخليج في أعقاب 2013، التي بلغت 24 مليار دولار. كما بدأ السيسي رئاسته بإطلاق المشروعات الكبرى، التي أنعشت التوقّعات بتدفّق العملات الصعبة عبر قناة السويس بعد تطويرها وتوسيعها. كما ساهم مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي الذي انعقد في آذار 2015، في إنعاش تلك التوقّعات، خاصّة بعد ما قيل وقتها من أرقام حول حجم الاستثمارات الأجنبية التي جلبها المؤتمر. ومع عام 2016، بدت الأوضاع الاقتصادية أكثر وضوحاً، فمشروع توسيع وتطوير قناة السويس، الذي اختُصرت مدة إنجازه من ثلاث سنوات لسنة واحدة، وهو ما رفع تكلفته وأثّر على احتياطي النقد الأجنبي المصري، صاحب الانتهاء منه تراجع حجم التجارة العالمية بما أدى لتراجع عائدات قناة السويس بدلاً من ارتفاعها. ولم يُقدّم مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي الحلول الموعودة للأزمة الاقتصادية، ولم تتدفّق الاستثمارات الأجنبية بعده كما كان مُتوقّعاً.
استحكام الأزمة الاقتصادية دفع نظام السيسي لإجراءات قاسية على الفقراء، فبدأ بخفض الدعم المُوجّه للفقراء على الوقود والكهرباء والمرافق، وانتهى بتحرير سعر الصرف لتشهد معدلات التضخّم موجات ارتفاع غير مسبوقة، تأثّرت بها مُستويات معيشة غالبية المصريين.
والحقيقة أن الأزمة الاقتصادية ليست السبب الكافي لتبديد الآمال في نظام السيسي، خاصّة عندما يكون لها أسباب خارجة عن إرادة أي نظام مثل الأوضاع الاقتصادية العالمية، ولكن الانحيازات التي أظهرها نظام السيسي خلال الأزمة هي ما يُمكن أن يُغيّر الصورة التي رسمت له في مخيلة الرأي العام.
ففي بداية عهده، طرح السيسي حزمة سياسات لمواجهة الأزمة، تضمّنت تقشّفاً وخفضاً للدعم تجاه الفقراء، ولكنها أيضاً ألقت ببعض أعباء الأزمة على القطاعات الغنية، مثل فرض ضريبة على تعاملات البورصة، وفرض ضريبة على الثروة، ورفع الحدّ الأقصى للضرائب على الدخل، وتطبيق ضريبة على العقارات. ولكن ما حدث أنه تمّ تعطيل وإلغاء كافة الإجراءات التي ألقت بأعباء على الطبقات الغنية، وتمّ تفعيل وزيادة الإجراءات التي ألقت أعباءً على الفقراء. فتمّ تجميد العمل بضريبة البورصة، وتفريغ ضريبة العقارات من مضمونها، وخفض الحد الأقصى للضريبة على الدخل، ورفع ضريبة الثروة، في الوقت نفسه فُرضت ضريبة القيمة المضافة التي ألقت بمزيد من الأعباء على الفقراء. ومع فقدان العملة المحلية أكثر من 50 في المئة من قيمتها مع قرار تعويم الجنيه، تضاعفت أسعار السلع المستوردة بما فيها الأدوية والسلع الأساسية.
مع انتهاء 2016، تنتهي الكثير من الآمال التي عُقدت على عبد الفتاح السيسي، سواءٌ كرمزٍ للوطنية المصرية أو كمُنقذ للبلاد من الأزمة. ومع بداية عام 2017، تبدأ الأزمات التي صنعتها سياسات النظام في التفاعل لتطرح الكثير من الأسئلة عن المستقبل قبل عام من إجراء انتخابات رئاسية جديدة. ومع الحصار شبه الكامل للعمل السياسي ومُصادرة المجال العامّ، تبدو الخيارات محدودة وبدائل التغيير شبه منعدمة. ولكن تبقى الحقيقة التي خلّفها عام 2016 أن السيسي لم يعد هو الرجل نفسه الذي تولّى السلطة رسمياً في 2014.