رباب المهدي أستاذة السياسة في الجامعة الأميركية في القاهرة تتحدّث لـ «السفير» عن تغيّر الصورة الذهنية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى قطاعات من المصريين على ضوء الأحداث السياسية والاقتصادية التي شهدتها مصر في عام 2016.
÷ بشكل عام، هل تغيّرت صورة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى قطاعات واسعة من المصريين خلال عام 2016؟
ـ لا يُمكن الحديث بشكل مطلق. الصورة الذهنية لدى الرئيس مُرتبطة بوقائع وسياسات. وتلك الوقائع لا تترك الانطباع نفسه لدة كافة القطاعات. ففهم تلك الوقائع والأحداث وبناء موقف منها يختلف من قطاع لآخر، الموقف من القضايا الوطنية والقضايا الاقتصادية وقضايا الديموقراطية ليس له الوزن نفسه لدى القطاعات المختلفة، فقطاع أكبر من المصريين يتشكّل موقفه مثلاً على أساس الوضع الاقتصادي والاجتماعي لا على أساس القضايا الديموقراطية.
÷ أحد أهم عوامل تأييد السيسي كان موقفه الوطني، وأنه عبّر عن استقلال القرار الوطني وما اعتبر وقتها تحدياً لأميركا وأوروبا، فهل تغيّرت تلك الصورة في 2016؟
ـ هوجم محمد مرسي بقوّة حينما ظهر احتمال تخلّيه عن حلايب وشلاتين، وعن جزء من سيناء، والسيسي ظهر كحامي حمى الوطن. وهو ما تغيّر بالفعل في 2016. وأبرز القضايا التي ساهمت في تغيّر تلك الصورة هي قضية تيران وصنافير والتنازل عنهما للسعودية. والمُلاحظ أن تلك القضية شهدت أكبر تظاهرات معارضة منذ عام 2013، وجمعت قوى سياسية كان بينها شقاق، كما أنها حظيت بتعاطف من قبل الرأي العام، لا استهجان كما كان في السابق.
كذلك الموقف من إسرائيل، سواء التصويت لمصلحتها في الأمم المتحدة، أو حديث السيسي عن السلام الدافئ ودعوته لتوسيع اتفاقية السلام، وأخيراً سحب مشروع إدانة الاستيطان من مجلس الأمن. وفي السياق نفسه، التعامل مع قضية سدّ النهضة، وظهور عدم قدرة النظام على حماية موارد المياه. عموما، صورة الزعيم الذي تعهّد أن تُصبح مصر «أدّ الدنيا» لم تعد كما هي في نهاية 2016، وحلّت محلها الدعوات التي تحملها لوحات الإعلانات الحكومية والداعية إلى الصبر والاحتمال والتقشف.
÷ وعلى صعيد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية كيف أصبحت الصورة اليوم؟
ـ يُمكن القول إن عام 2016 هو عام انكشاف الحقائق. فبداية عهد السيسي شهدت وعوداً برّاقة بانفراج الأزمة الاقتصادية، وحجم الدعاية حول مشروع توسيع وتطوير قناة السويس والعوائد السريعة للمشروع، ومؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، وما أُعلن وقتها من تدفّقات استثمارية غير مسبوقة اصطدمت كلها بواقع اقتصادي صعب، وما حدث في نهاية عام 2016 من تعويم للجنيه وتراجع قيمته بشكل غير مسبوق وارتفاع معدلات التضخّم لمستويات غير مسبوقة، كشف الأوهام حول وعود الازدهار الاقتصادي. وانعكس ذلك بقوة على قطاعات عريضة من المصريين وخاصّة الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وهو ما أدى بالتأكيد لتغيّر في الصورة الذهنية لا فقط لشخص السيسي، ولكن للمنظومة التي يقودها ككل، لدى تلك القطاعات خاصّة مع ما سبقها من أمنيات بالازدهار. فبدا واضحاً أنه لا تُوجد منظومة أمان اجتماعي لتوفير أساسيات المعيشة لا لتحقيق رخاء اقتصادي.
الديموقراطية لم تكن أحد الوعود الرئيسية للسيسي وكان الأمن هو الأولوية، فكيف تطوّر وضع الأمن في 2016؟
ـ لا يوجد تغيّر هامّ في قضية الأمن. يمكن القول إنه، استمرار لما سبق، فبعد حادث الكنيسة البطرسية وأحداث سيناء المتتالية، بدا أنه لا تحسّن حقيقيا في أوضاع الأمن، وقد يكون هناك تعايش مع الحالة الأمنية السائدة. لم يحدث تغيّر جوهري مثل الذي حدث في القضية الوطنية والاقتصادية، ولم تؤد لتغيّر هام في صورة السيسي مثلهما.
÷ هل يمكن أن ينعكس التغير الحادث في صورة السيسي لدى قطاعات من المصريين على الأرض في المدى المتوسط؟
ـ هناك تصوّرات ميكانيكية لدى البعض عما يُمكن أن يحدث، مثل الفعل وردّ الفعل. ولكن هذا تصوّر شديد السذاجة، وأي تغير في المجتمع يخضع للعديد من العوامل، وتغيّر صورة الرئيس لدى قطاعات واسعة لا يؤدي بالضرورة لانعكاسات في الواقع. فمثلاً تُوافر بديل سياسي أحد العوامل الرئيسية في تغيّر في الواقع وردود الأفعال الشعبية. فمثلاً حالة التأييد المُطلقة للسيسي تراجعت بقوة، وأشدّ مؤيديه أصبحوا يتقبّلون نقد الأوضاع والسياسات، ولكن الردّ الذي أصبح يتكرّر بقوّة هو ما البديل؟
إمكانية التحرك أو التغيير قد تكون مُرتبطة بوجود بديل. وهذا مسؤولية الطبقة السياسية التي تبدو غائبة، وهو ما يُؤجل ظهور البديل، وبالتالي احتمالات التغيير. وعلى سبيل المثال، تُوجد العديد من المبادرات اليوم لطرح بديل للسيسي في الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2018. هذه المبادرات، بغضّ النظر عن مدى جديتها وتأثيرها، مؤشر هام على مدى تغير صورة السيسي لدى قطاعات من المصريين، ولكنها لم تنجح في الوصول لبديل بعد.