قبل أيام خرجت أوكرانيا بمناسبة احتفال لافتة: إتمام السنة الأولى من دون شراء الغاز من روسيا. التحديد الأخير يشرحُ معنى المفارقة، فالشركة الأوكرانية المعنية لم تحتفل بالاستغناء عن الغاز الروسي، فهي لا تزال تشتريه، لكن عبر إعادة ضخّه من شركات أوروبية. لعبة القط والفأر صار مضمارُ الطاقة مجالَها الحيوي. بالمقابل، لا تسلم منها روسيا. اقليمها الحيوي كاليننغراد، المنفصل جغرافياً عنها، لم يعد بامكانه تحصيل غاز بلاده عبر شبكة أنابيب الدول الأوروبية، المطوقة له، بعدما قررت انها لن تنقل الغاز إلى «الآخرين».
أوكرانيا مفروضة الآن على روسيا بوصفها طريقاً لعبور غازها إلى أوروبا. أعلنت بروكسل مراراً، في خلاصة الموقف الاوروبي، أنها تريد بقاء أوكرانيا «معبراً رئيسياً» لهذه الواردات. هكذا صارت السياسة هي الحاكمة وليس المصالح التجارية، فالأوروبيون هكذا يقولون إنهم لن يشتروا الغاز الروسي العابر من أوكرانيا إذا جاء من مصدر آخر.
تلك الواردات تؤمن مدخولاً مهماً لاقتصاد أوكرانيا المأزوم، ليكون الوجه الآخر عرقلة مشاريع كبرى لنقل الغاز، أرادتها روسيا للتخلي عن «ارتهانها» الجزئي للمعبر الاوكراني.
أبرز هذه المشاريع «نورد ستريم 2»، المشترك بين شركات روسية ودول أوروبية. كان يفترض أن ينضم إلى «نورد ستريم 1» الذي ينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا، مباشرةً عبر بحر البلطيق. المفوضية الأوروبية اعترضت على المشروع، تحت عنوان متكرر هو منع «احتكار» عملاق الغاز الروسي «غازبروم». المشروع بات يكتسب زخماً جديداً الآن. أوكرانيا زادت تعرفة نقل الغاز الروسي منذ بداية العام، فصارت الشركات الاوروبية المعنية بالمشروع تضغط بأن تكلفة النقل باتت تحتم البحث عن بديل.
سيقف في صف المنتظرين، كما هو مخطط، خطُ أنابيب آخر، تعتزم روسيا مدّه عبر تركيا وصولاً إلى اليونان. تخشى روسيا طبعاً أن يكون مصير «التيار التركي» مشابهاً لمآل المشروع الضخم «ساوث ستريم»، الذي كان يفترض ان ينقل كميات كبيرة لأوروبا عبر أنابيب تخترق البحر الأسود إلى بوابة بلغاريا، وصولاً إلى صربيا ثم يوزّع على دول أوروبا المركزية. لكن ضغوط بروكسل على السلطات البلغارية أدت في النهاية لتجميد العمل في المشروع.
احتفال أوكرانيا بالتخلي عن شراء الغاز من روسيا تمّ بفضل سياسة بروكسل، التي كانت بدورها السبب في تحرك موسكو لإنقاذ كاليننغراد من كمّاشة الارتهان. بعد الأزمة الأوكرانية، عملت بروكسل بفعالية على ربط شبكات الغاز الأوروبية، فبات من الممكن استخدام مخزونات الغاز، أينما كانت، لإعادة ضخها باتجاه أي دولة مربوطة بها. باتت أوكرانيا تشتري الغاز الروسي من الشركات الاوروبية، التي كانت اشترته من روسيا عبر اوكرانيا!
مشاكل توصيل الطاقة لإقليم كاليننغراد لن تحزن الاوروبيين، بعدما كانت شبكة ربط دول البلطيق تؤمن له التغذية بغاز بلاده. هذه الدول أعلنت أنها باتت تريد أن تكون شبكة الانابيب خاصة بها وحدها. مع ذلك، الإقليم الروسي تراه الدول الاوروبية المتاخمة بمثابة تهديد كبير، تتحدث عنه بوصفه «قاعدة عسكرية»، خصوصاً بعدما نشرت فيه روسيا المزيد من صواريخ «اسكندر» التي يمكنها حمل رؤوس نووية.
الإقليم يمثل شريانا صناعيا حيويا للاقتصاد الروسي. إنه الميناء الروسي الوحيد على بحر البلطيق الذي لا يكتسحه الجليد في الشتاء. لكنه يبقى جيباً منفصلاً، لا يمكن الوصول إليه إلا عبر البحر، مطوقاً ببولندا وليتوانيا، حاملاً آثار الحرب العالمية الثانية حينما انتزعته روسيا من ألمانيا النازية الخاسرة. تلك الأهمية جعلت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتعهدّ بحل مشكلة الاقليم الذي يسكنه قرابة مليون نسمة، ممتداً على مساحة نحو 15 ألف كيلومتر مربع. يريد بوتين تحقيق «استقلالية» الطاقة لكاليننغراد مع دراسة خيارات عديدة: نقل الغاز المسال بحراً وبناء منشأة لتحويله، انشاء مفاعلات نووية لتوليد الطاقة، أو بناء حلقة توريد تلتف على الطوق الجغرافي.
الجميع يريد تحقيق «الاستقلالية»، إنهاء الارتهان، لذلك الاحتفالات ممكنة على الجبهتين. شركة «غازبروم» الروسية أعلنت أخيراً تحقيقها صادرات قياسية إلى أوروبا، ما جعلها تورّد ثلث حجم استهلاك سوق أكبر تكتل اقتصادي في العالم. قالت الشركة إن هذا غير مسبوق، لا في الحقبة السوفياتية ولا في تاريخ روسيا الحديث.
رغم كل الاعلانات عن ضرورة إنهاء «الارتهان» لغاز روسيا، لا تزال أوروبا تواجه هذا الواقع، كما أن روسيا بدورها مرتهنة لزبون أساسي لصادرات تشكل الرافد الاساسي للخزينة. التجارة هنا تختلط بالأهداف السياسية، ما يقود إلى مماحكات ومفارقات كأنها سلسلة في لعبة القط والفأر. لو كان الأمر متروكاً للجدوى الاقتصادية، المنافع التجارية، لسارت الامور بشكل مختلف، لكن الأمر بدوره مرهون للأولويات السياسية في صراع جيوستراتيجي متواصل.
أولويات الاقتصاد تليّن تلك السياسة، لكنها لم تنجح في تغيير اتجاهها إلى الآن. أوكرانيا لا تزال نقطة التماس في صراع النفوذ بين القطبين، كما بالنسبة لتحديد مجراه لاحقاً. الحرب في الشرق الاوكراني جمدتها اتفاقية «مينسك» للسلام، رغم الخروقات لوقف النار وتعليق التنفيذ الكامل لبنودها. التجميد ليس سيئاً لخدمة سياسة روسيا المستفيدة من بقاء حكومة كييف منقوصة السيادة، سواء بتعليق الصراع، أو إذا انتهى بحل يعطي حكماً ذاتياً واسعاً للشرق الاوكراني.
كلا الخيارين يمنع تحقق «السيادة الكاملة» لحكومة مركزية توالي الغرب، ما يحول دون تحقق شرط جوهري لعضوية اوكرانيا الممكنة في «الناتو». موسكو لا تكف عن إعلان معارضتها لأي خطوة نحو العضوية، فيما يردد الأطلسي أنه لا يحيد عن سياسة «الابواب المفتوحة» لدول لها الحق السيادي في تقرير تحالفاتها.