على الرغم من كل التقاطع في العلاقات الاقتصادية، الارتهان المُتبادل لواردات الطاقة بين مصدر ومستهلك، الجوار اللصيق الذي لا يحتمل إشعال البارود بين قوى عظمى مُتنافسة ومُتباينة، كل ذلك وغيره لم ينفع في تطبيع العلاقات بين الأوروبيين وروسيا. ليس في الأفق الناجم من تلك التشابكات ما يُوحي بتغيير كبير، ليبقى الانعطاف ممكناً بمعية عوامل خارج مدار الصراع المباشر ومُحرّكاته. السلبية المتشكّلة ستبقى تظلّل ملفات عديدة، على رأسها الملف السوري، حيث ينذر تضارب المصالح بمستوى جديد من الصراع بالوكالة.
«كتمان الغيظ» يُمكن أن يصف النظرة الاجمالية لروسيا بالنسبة للجار الأوروبي، كما عرضها باستفاضة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال ماراثون مؤتمره الصحافي السنوي قبل أيام. تشاؤم حول الوضع في أوكرانيا، بعدما باتت أزمتها المُفصّل الرمزي لصراع النفوذ. مُهادنة واستيعاب في مضمار سوق الطاقة، فالأوروبيون يبقون زبائن أساسيين لمنتجات النفط بما هي المصدر الأهم للخزانة الروسية.
بين الغزل على منوال الصراع، المُهادنة حيث يُضرّ الصدام، تعمل آليات العلاقة المُعقّدة. يقول بوتين حول رؤيته للعلاقة مع الجار الأوروبي: «بلا شكّ نُريد شريكاً يُمكن الاعتماد عليه وقويا وكذلك ـ وهذا ليس أمراً بلا أهمية ـ شريكاً مستقلاً»، قبل أن يُوضح «إذا كنا حينما نتعامل مع قضايا تتعلّق ببناء علاقاتنا، العلاقات بين روسيا وأوروبا، علينا الالتفات لبلدان طرف ثالث أو بلد طرف ثالث، فحينها لا يهمنا الحديث مع أوروبا على هذا النحو».
المرور عبر طرف ثالث يتعلّق إجمالاً بالولايات المتحدة، وإن لم يكن بها وحدها. حينما يتعلّق الأمر بالقضايا الأمنية، المُتّصلة بالقارة الأوروبية، يجب الحديث مع واشنطن من موقع وصايتها، أو على الأقل عدم القدرة على حلّ المشاكل خارج إطار علاقة المُثلّث هذه. إنها العلاقة التي تُرسّخ ثنائية «الغرب وروسيا»، بكل ما تحمله من استقطاب يُبقي موسكو في موقع الخصم، لتتجلّى بأوضح صورها في التحالف العسكري داخل «الناتو».
هذه الثنائية، حاضن خصب يحفظ حرارة الخصومة. لفت بوتين الانتباه إلى قيام واشنطن بتحديث واستبدال الأسلحة النووية التكتيكية، المُخزّنة في بريطانيا وتركيا وهولندا. الأمر يأتي في سياق سباق تسلّح نووي انطلق من سنوات، منذ أعلنت الولايات المتحدة الانسحاب في عام 2001 من معاهدة تقييد إنتاج الأسلحة النووية. وجدت روسيا نفسها «مُضطرة»، كما قال رئيسها، لتحديث ترسانتها العسكرية النووية كي يُمكنها الحفاظ على توازن الردع. واشنطن قالت: «افعلوا ما تشاؤون»، بعدما حرّرت نفسها أولاً من أي التزامات، لتُقرّ بحقّ الروس في التحرّر المُوازي نووياً.
القضية ليست عارضة، فتلك المُعاهدة كانت «حجر الزاوية في النظام الأمني العالمي برمّته»، كما أعلن الرئيس الروسي، ليجعل من الواضح أن واشنطن هي من أطلق السباق منذ سنوات. هكذا لن يحمل جديداً إعلان فاقع مثل «وليكن سباق تسلح»، الذي أطلقه الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب.
لكن «الشريك المستقلّ»، الذي يُطالب بوتين أوروبا أن تكونه، لا يأتي في السياق الذي يروقه. الأوروبيون بالفعل اعتمدوا عنوان «الاستقلالية الاستراتيجية» مؤخراً، مُعلنين انطلاق عملهم لبناء اتحاد دفاعي. الهدف الوصول لتجميع وتنسيق القدرات المُشتركة، بما يجعل الأوروبيين يوماً قوة عسكرية عظمى تفرض نفسها في المنافسة الدولية. الدافع أيضاً لهذا المسار تفرضه الحاجة للاستغناء مستقبلاً عن المظلّة الدفاعية الأميركية، القاطرة لـ «الحلف الأطلسي». الطارئ أيضاً ارتفاع نبرة تذمّر واشنطن من التكلفة المرتفعة، مع حاجتها لنقل معظم قواتها إلى منطقة آسيا ـ المحيط الهادئ، حيث المنجم الواعد لنمو الاقتصاد العالمي، علاوة على مواجهة مطامح الصين في نزاعها مع جيرانها الحلفاء لأميركا.
انطلاقة الأوروبيين للتمكّن العسكري، تأتي بعدما ردّدت مراكز الأبحاث خلاصة «عودة سياسات القوة» مع روسيا، خصوصاً بعد تحوّل التنافس في أوكرانيا من المجال السياسي والاقتصادي إلى حرب بالوكالة بين حكومة مُوالية للغرب والانفصاليين الموالين لروسيا. هنا مؤشرات سباق تسلّح آخر، ربما أكثر خطورة بين جارين وصل تنافسهما إلى الصدام. الاتهامات لم تتوقّف بينهما، والعقوبات الاقتصادية قائمة. على هذا الأساس، يُكرّر بوتين عبارة أثارت حفيظة الأميركيين، حينما يعتبر أن روسيا «أقوى (عسكرياً) من أي معتد محتمل».
بيّن بشكل موارب أن الأمر لا يتعلّق تحديداً بالولايات المتحدة، بل بـ «معتد يُمكنه مهاجمتنا». الإشارة على الأرجح، تعني القارة الأوروبية، حتى داخل مظلّة الحلف الأطلسي، مع العلم أن قيادته العسكرية، الأميركية، حذّرت سابقاً من نقص القدرة على مواجهة «عدوان» روسي على الشرق الأوروبي. الولايات المتحدة «لا جدال» في القوة الأهم عسكرياً في العالم، يشرح بوتين، لكنها ليست «معتديا محتملا»، نظراً لعوامل الجغرافيا والبنية العسكرية الواجب توفّرها لتشكيل وضع هجومي على روسيا. هنا بالضبط تكون أميركا شيئاً والحلف الأطلسي شيئاً آخر. سبق لباريس أن حذّرت الأوروبيين المتردّدين في دعم «الاتحاد الدفاعي الاوروبي» بأن أميركا لن تحميهم حينما يتعرّضون لهجوم. لا حاجة للقول إن روسيا هي المعنية.
الملف السوري ليس خارج إطار التنافس، مع افتراق في المقاربة بين محصلة مواقف الأوروبيين وبين سياسة روسيا. الأخيرة تُواصل تحقيق مكاسب، بعدما نجحت في جذب أنقرة، لتصنع تحولاً فارقاً في خريطة تحالفات الصراع القائم. الرئيس الروسي رحّب بانضمام الجميع إلى نواة «الرعاية» الجديدة، شدّد على أهمية مشاركة الأميركيين في بنائها، لكن ليس بلا سبب، تغافل عن ذكر الدور الأوروبي. يأتي هذا على الرغم من أن بروكسل شدّدت على أنه «يجب» جلوس الأوروبيين، لأداء دور أساسي، حول طاولة صناعة مستقبل سوريا.
حمل الاتحاد الأوروبي ورقة إعادة الإعمار، باحثاً عن «الشريك العربي» ليُمكن استخدامها لأداء الدور المأمول في سوريا. نقل مسؤولون أوروبيون تحذيرات من أن بناء شراكة سياسية حول «التحالف ضدّ الارهاب»، سيجعل صياغة الحلول محصورة بالقوى العسكرية الفاعلة، على رأسها موسكو وواشنطن، ما يعني استبعاد الآخرين في المنطقة. لكن الرئيس الروسي الآن أوصل رسالة للأوروبيين بأن «التحالف ضدّ الارهاب» صار حاجة لهم، ولم يعد خياراً سياسياً، مع التلويح بالثمن المطلوب لتلبية تلك الحاجة.
كان لافتاً للانتباه غمز بوتين إلى أن الهجمات التي تتعرّض لها أوروبا، آخرها اعتداء برلين، ناجمة عن نقص التعاون الأمني مع روسيا. حول الهجمات الارهابية في الغرب، قال إنه «فقط عبر جهد مشترك يُمكننا حلّ هذه المشكلة»، قبل أن يستدرك «لكن كيف يُمكن أن نُوحّد جهودنا مع عقوبات مفروضة ضدّ روسيا، ومع اجراءات مفروضة متبادلة، فيما كل أشكال التعاون تمّ تقليصها... هل يُمكننا الحديث عن عمل فعّال في مسار مكافحة الإرهاب؟ بالطبع لا. لذلك، كنتيجة لذلك، نتلقى الضربات الثقيلة والمُوجعة».
المقترح الروسي واضح: تطبيع العلاقات، رفع العقوبات، في مقابل شراكة بشأن مكافحة الارهاب، ستُوجّه بطبيعة الحال مخرجات الحلّ السوري. غير ذلك، إذا عاند الأوروبيون، فلن يبقى أمامهم سوى الانخراط بفعالية في مستوى جديد للصراع بالوكالة، إلى جانب «تحالف الراغبين» في تعطيل الحسابات الروسية.
أمام كل ذلك، لا تأتي الفرصة المحتملة لتغيّر مسار صراع المصالح هذا من داخل آلياته. الأوروبيون لم يتراجعوا عن مدّ نفوذهم شرقاً، فيما لم تقبل روسيا بهذا الاختراق الاستراتيجي لمجال نفوذها التقليدي. التغيير ممكن من خارج مكوّنات الصراع. يتوقّف الأمر على مآل المدّ اليميني الأوروبي، المتطرف والشعبوي الداعي لشراكة مع روسيا، ومدى نجاحه في تحويل مسار العلاقة عبر منازعته على الحكم أو الوصول إليه. كما يتوقّف التغيير، بشكل كبير، على السياسة التي سيجلبها دونالد ترامب بعدما وعد بالتقارب مع بوتين.
لهذا السبب بالذات، لم يرغب الأوروبيون، تحديداً الدول الداعية للبناء على التقاطع في المصالح الاقتصادية، في تمديد العقوبات على روسيا لسنة كاملة. قرّر الزعماء الأوروبيون أن نصف سنة ستكون كافية لتبيّن النتائج التي سيولدها مخاض الإدارة الأميركية الجديدة. الراغبون في أوروبا بالتقارب مع روسيا يحلو لهم الاعتقاد أن التأثيرات الأميركية ستكون عاملاً حاسماً في إنهاء سياسة العقوبات، بالتالي الاتجاه لتطبيع وبناء تفاهمات تطوي صفحة الصدام.
لكن المُعارضين يُعوّلون على المزيد من السياسة الأميركية التقليدية: إجبار موسكو على التسوية وفق منطق القوة، على أساس معادلة «صراع الغرب وروسيا». المعادلة التي حكمت الحرب الباردة، ليواصل إرثها العمل حتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. بكلمات أخرى، يريد المدافعون عن حقّ الاتحاد الأوروبي في التوسّع، مواصلة التعامل مع روسيا بأدوات «الردع»، اقتصادياً وعسكرياً، وهي العقيدة الحاكمة لعمل «الحلف الاطلسي» الذي طالبت قيادته بإبقاء العقوبات ضد موسكو.
تعويل هذا الجناح الأوروبي أن من اتخذ قرار المواجهة مع روسيا كانت مؤسسة صنع القرار الأميركي، بمختلف مستوياتها. ما يحمله ترامب من وعود بتغيير المسار، يصطدم بتقييم في مؤسسات الخارجية والدفاع والاستخبارات الأميركية أن التعاطي مع موسكو يستدعي مواصلة «الردع». لم تكن بلا مغزى مسارعة ممثلي تلك المؤسسات للتحذير من نيات ترامب التصالحية. لن يمكن لترامب الحكم، تطبيق نهجه مهما يكن، من دون تعاون تلك الآلة البيروقراطية الهائلة لصنع القرار. المحصلة ستكون عاملاً حاسماً في صياغة المُعادلة الجديدة لعلاقة الغرب مع روسيا.