بدت البحرين خلال العام المنقضي كما لو أنها تسير على هامش السياق الانحداري لـ «الربيع العربي»، خاصة أن الغالب من أزمات المنطقة انتقل من المنطقة الحمراء إلى الرمادية، لتتفعل وفق ذلك آليات التفاوض السياسي القائمة على جردة الحساب النهائية أو شبه النهائية للحروب. «النخبة» الحاكمة البحرينية بقواها الذاتيّة والإقليميّة، تمكّنت خلال الفترة هذه من تحييد المملكة الصغيرة عن «البازار» الديبلوماسي والسياسي القائم على ربط الملفات وتوزيعها على «الرسم البياني التفاوضي»، ضمن مجهودات خليجيّة لعزل الأزمتين البحرينية واليمنيّة عن حسبة المنخرطين والرعاة الكبار، لما للأمر من «حساسيّة» فائقة في القراءة الخليجيّة والسعودية تحديدا، تقوم على أساس تعزيز «مناعة» دول «مجلس التعاون» أمام تحديات الاضطرابات المجتمعيّة والسياسيّة القائمة على مطلب «التغيير».
عمليّة «عزل» البحرين عن احتمالات الأقلمة أو التدويل تكثّفت خلال الشهور الماضيّة بشكل غير مسبوق، وبدا حلفاء المنامة كما لو أنهم منخرطون في سياق معدّ سلفا للانقضاض الحكومي على المعارضة وفق أدوات قانونيّة أو متجاوزة للقانون. على أن تتولى الرياض وبعض حلفاء الغرب قيادة معارك الصالات والفنادق لمنع «الإدانة» من التحول الى آليات عمل واضحة وقرارات ملزمة تخرج المجتمع الدولي عن صمته المريب في هذا الوارد. هكذا جاءت سياقات «الثورة الحكوميّة المضادة» أكثر قابلية لإنجاح «لفلفة» الأزمة وتمييعها وادخالها في «سبات» قسري بفعل «التهشيم» المفترض للجسم السياسي المعارض وفي زمن قياسي، وفق «رؤية» تقوم على إعادة الانخراط السياسي إلى توازنات العام 2010، بما يعنيه ذلك من تفتيت للمطالب الإصلاحية.
تركز العمل الحكومي في المراحل الأولى على صناعة نسخة سياسية من أساليب «الصدمة والرعب»، قامت على ضرب المعارضة في رأسها بشكل مباشر، عبر سلسلة خطوات متقاربة زمنيا تنوعت ما بين مداهمات مكثفة واعتقالات في صفوف النشطاء والحقوقيين والسياسيين. لكنها ارتكزت في الأساس إلى خطوتين شكلتا معا قفزة غير مسبوقة في الأداء النظامي المضاد للحراك الشعبي، وذلك من خلال نزع جنسيّة آية الله عيسى قاسم وهو من كبار المرجعيات الإسلامية الخليجيّة، اضافة الى حلّ «جمعية الوفاق» بما تمثله من رافعة للحراك السياسي البحريني، وكذلك تمديد محكوميّة أمينها العام المسجون الشيخ علي سلمان. وهي خطوات يفترض بها السير بالمعارضة نحو قبول تدريجي بالانكفاء والعودة الى زمن «الحيّز» الحكومي المقبول للنشاط المعارض وفق آليات عمل وحتى خطابة سياسيّة «مقننة».
حافظت المنامة خلال الشهور التاليّة لخطواتها المحدثة في مواجهة المعارضين على نسق تصاعدي شبه ثابت، كما قامت بإغلاق معظم قنوات التواصل الخلفي مع الوسطيين أو الوسطاء من الداخل والخارج للظهور بمظهر القوي المقبل على إبرام كليّ للأزمة بملفاتها. وذلك بالتوازي مع أداء بحريني وسعودي بارد في المحافل الدوليّة الحقوقيّة وفي مقدمها مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة، من خلال إظهار عدم اكتراث أو لا مبالاة بالطرح العلني المستمر للتجاوزات الحقوقيّة في المملكة، حتى وصل الأمر حد المهاجمة الصريحة للكيانات الدوليّة تلك (طالما أن قراراتها غير ملزمة). وهو أداء صنع بحرفيّة سياسيّة تامة بهدف استثماره داخليا في مواجهة المعارضة من وارد أن «لا أحد يسمع»، برغم انطوائه على مغامرة طويلة الأمد ومنفتحة على الاستثمار اللاحق، وهي من «المعايير» التي تغيب غالبا عن عمليّة صناعة القرارات الخليجيّة.
بالتوازي مع الجهد السياسي والاجتماعي والديبلوماسي القائم على «نوستالجيا» إعادة الأمور الى ما قبل العام 2011، تركز العمل الحكومي البحريني على تعزيز الخيارات العسكرية والأمنية من خلال السير قدما على طريق انجاح نموذج اقليمي للدولة البوليسيّة. فبدت ميزانيات وموازنات البحرين خلال الأعوام الماضيّة وكأنها تختص بلدا منخرطا في «حرب قوميّة» أو نزاعات حدوديّة طويلة الأمد. إذ بلغت نسبة الارتفاع في الانفاق العسكري خلال السنوات التاليّة للحراك الشعبي نحو 167 في المئة، حيث شكل الإنفاق العسكري ما نسبته 30 الى 40 في المئة من ميزانية المملكة موزعة على وزارة الدفاع ووزارة الداخلية والحرس الوطني وجهاز الأمن الوطني. وذلك في ظل تراجع قدرة الدولة على الانفاق بفعل انخفاض أسعار النفط، واضطرارها لرفع الدعم عن بعض السلع الغذائية والأساسية ومنها البنزين، لتعويض «الفاقد» الأمني من المصروفات.
سعت المنامة وهي في قلب «ثورتها المضادة» لاستثمار جميع الأوراق الداخلية والمحليّة والإقليميّة لتمرير «استحقاقها»، فبدت أخبار البحرين وكأنها أكثر حضورا و «جاذبيّة» في الجهاز الإعلامي العربي خلال الشهور الماضيّة (بعدما بقيت حكرا على قناة «اللؤلؤة» الوفاقيّة المحظورة أصلا)، نظرا لتداخل الاحداث هناك وتجاوزها للسياقات الزمنيّة الرتيبة خلال السنوات الخمس الماضيّة. فقد وصلت الأجندة الحكوميّة حد التخبط من كثر ما تداخلت فيها المواعيد. ففي مقابل استقبال متكرر لجمعيات ووفود غربية يهودية مناصرة لإسرائيل، عززت السلطات من انخراطها الدعائي على الأقل في النزاع الإقليمي السعودي ـ الإيراني، كما عملت ضمن أروقة «مجلس التعاون» للبقاء في قلب الرؤية الاستراتيجية البريطانية لمنطقة الخليج (وهي أكثر العوامل طمأنة للنخب العربية الحاكمة عموما).
على بعد عشرات الأمتار (حرفيا) من مكان إقامة رئيسة وزراء البريطانيّة تيريزا ماي في المنامة، خرج شبان الحراك الجماهيري الى الشوارع في عمليات «موثقة» لإحراق الأعلام البريطانيّة. كما قام فنانو «الغرافيتي» بحملة رسومات منددة بمشاركة بريطانيا في القمة الخليجية في البحرين وكذلك تغطية لندن للانتهاكات الحقوقيّة في البلاد. وهي صورة أرادتها المعارضة منتجا دعائيا ختاميا لعام 2016، يعلن بشكل واضح فشل الخطوات الحكومية في وأد الحراك برغم رصد إمكانات «مختلطة» هائلة لتحقيق ذلك، بمعزل عن تفصيلات سياسية أخرى تتعلق بالمناعة المكتسبة بفعل سني الأزمة لدى الجسد المعارض، والقائمة على تحويل النشاط السياسي إلى عمل هجين علمائي ـ سياسي ـ شعبوي، تعجز الأدوات الأمنيّة عن تحليله وتفكيكه.
كما اختصرت رسالة أمين عام «جمعيّة الوفاق» المنحلّة الشيخ علي سلمان بمناسبة مرور عامين على اعتقاله، صورة «الواقع المضاد» للـ «ثورة المضادة»، قائلا «إني على ثقة بأن الله سينصر هذا الشعب الكريم المناضل». وبمعزل عن الأدبيات الرومانسيّة هذه، فإن الرجل أراد التأكيد على زعامته للمعارضة من خلف القضبان، ما يعني استمرارا للنسق «الوفاقي» الضابط للأداء المعارض، وفق محددات «الملكيّة الدستوريّة» والالتزام بالمنهج السلمي في الحراك المطلبي.