تدخل روسيا إلى العام الجديد، 2017، وهي مُحمّلة بُشحنات من الأمل اقتصاديا وسياسيا وجيوسياسيا. فالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في العشرين من كانون الأول الجاري، اعتبر العام القادم بداية انتقال الاقتصاد الروسي من الكساد والركود إلى النمو. بيد أن بعض الاقتصاديين غير الحكوميين يرى احتمال استمرار الركود في قطاعات غير قليلة للاقتصاد الروسي. ويقول هؤلاء إن النمو لو حدث سيكون بمعدلات غير كبيرة، ويربطونه بارتفاع أسعار النفط العالمية وإلغاء أو تخفيف العقوبات الغربية المفروضة على روسيا. وهذا يعني، في ما يعني، عودة روسيا مجددا للاعتماد على أسعار النفط العالمية كمحفّز رئيس للنمو الاقتصادي، وذلك بعد نحو عامين من الحديث المتواصل عن سياسة «إحلال الواردات» وتنويع الاقتصاد الروسي لتقليل الاعتماد على تصدير موارد الطاقة وغيرها من المواد الخام. ويعوّل الكرملين، بالفعل، على التقارب في العام الجديد مع إدارة الرئيس الأميركي المُنتخب دونالد ترامب في قضايا دولية عدة ومنها الأزمتين السورية والأوكرانية. وهذا برأي القيادة الروسية سيؤدي حتما إلى إعادة النظر في العقوبات المفروضة على موسكو.
لا تتوقف رهانات الكرملين على ترامب وإدارته الجديدة عند إلغاء أو تخفيف العقوبات، لكنها تمتد أيضا إلى الرهان على اعتراف «واشنطن الجديدة» بالنجاح الجيوسياسي الجديد لروسيا، والذي تحقق بفضل «الورقة السورية». بالطبع، لهذه الرهانات أساس لدى الكرملين، يتلخص في تصريحات ترامب المتكررة عن رغبته في التقارب مع موسكو ومع الرئيس بوتين شخصيا، وما أُعلن مؤخرا عن توصيات هنري كيسنجر للإدارة الأميركية الجديدة بضرورة تحسين العلاقات مع روسيا. علما بأن كيسنجر يرتبط بعلاقات طيبة ولافتة مع الرئيس الروسي خلال السنوات الماضية، حيث جرت بينهما لقاءات عدة. لاشك أن موسكو حققت اختراقات جيوسياسية مهمّة عبر سوريا. وهذا ما أكده وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، عندما أعلن خلال اجتماع لقيادة وزارة الدفاع الروسية بحضور الرئيس الروسي، أن العملية الروسية في سوريا ساهمت في تحقيق أهداف جيوسياسية عدة وساعدت في وضع حد لتوسيع نطاق سيطرة التنظيمات الإرهابية في المنطقة والحيلولة دون تفكك الدولة السورية وقطع سلسلة «الثورات الملونة»، يقصد «الربيع العربي»، في الشرق الأوسط وإفريقيا. فمع الانسحاب الأميركي، ولو جزئيا، من الشرق الأوسط باتت روسيا لاعبا أساسيا، إن لم تكن اللاعب الأساسي، في هذه المنطقة. فالتفاهمات الأخيرة مع تركيا بمشاركة إيران عززت من دورها هذا، حيث نجحت موسكو في جعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يُغير ترتيب أولوياته ويقترب من الموقف الروسي في تسوية الأزمة السورية. ولم يكن ذلك من دون مقابل، حيث حصلت أنقرة على «الضوء الأخضر الروسي» لعملية «درع الفرات»، التي سمحت لتركيا بالوجود العسكري في شمال سوريا لمنع إقامة كيان كردي مستقل وبحجة محاربة الإرهاب المُتمثل في تنظيم «داعش» في تلك المنطقة. ومن المعروف أن محاربة الإرهاب هي الأولية المُعلنة من قبل الكرملين. ولعل التقارب الروسي التركي تجلي بأفضل ما يكون في حلب وفي اللقاء الثلاثي الأخير الروسي التركي الإيراني في العاصمة الروسية.
برغم التفاهمات الروسية التركية الأخيرة، لن يخلو العام 2017، برأينا، من استمرار التباينات في موقف البلدين تجاه الأزمة السورية. ففي الثامن والعشرين من الشهر الجاري، أعلن وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، «أن الانتقال السياسي في سوريا مستحيل مع وجود الرئيس بشار الأسد». ولذلك نتوقع أن يكون مصير الرئيس السوري محل جدل في العام الجديد بين روسيا وتركيا. ونعتقد أن حسم هذه المسألة سيتوقف بشكل غير قليل على التفاهمات المحتملة بين بوتين وترامب، والتي ستتضمن الكثير من المساومات بين موسكو وواشنطن على قضايا كثيرة أخرى عالقة بينهما. إن أهم ما ستركز عليه روسيا في العام 2017، هو تعزيز نجاحاتها الجيوسياسية في الشرق الأوسط، تحديدا في سوريا وشرق المتوسط، كمدخل للدور الروسي الجديد في العالم عبر تفاهمات مع واشنطن والقوى الإقليمية الرئيسية في تلك المنطقة. علما بأن عيون موسكو مُعلقة دائما على التفاهم مع واشنطن، لاعتقادها بأن مثل هذا التفاهم سيعطي «شرعية» لدورها الجديد في تقاسم مناطق النفوذ مع تفادي المواجهات والعقوبات وما شابه.
على المستوى الداخلي، سيتواصل في العام الجديد الاستقرار السياسي أو ما يُطلق عليه فريق من الخبراء والسياسيين الروس غير الحكوميين «الركود السياسي»، تمهيدا للانتخابات الرئاسية في ربيع 2018، وتولي فلاديمير بوتين ولاية رئاسية جديدة. فقد ارتفعت شعبية بوتين كثيرا، برغم المصاعب الاقتصادية من جراء انخفاض أسعار النفط والغاز والعقوبات. وذلك بفضل انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا والتدخل في سوريا. فالكرملين نجح في اقناع الروس بأن تصاعد الوزن العالمي لروسيا عبر تمدُدها الجيوسياسي وتزايد مخاطر الإرهاب والتهديدات الخارجية تستحق تحمل المصاعب الاقتصادية والمعيشية، حتى لو كانت كبيرة. وهذا الأمر له جذور في التاريخ الروسي، ويُرسخ في مُخيلة الروس أن الأمل في الازدهار والعيش الرغيد سيأتي لا محالة.
وفي الختام، يمكن القول إن الاختراقات الجيوسياسية التي حققتها روسيا في سوريا ومنطقة شرق المتوسط، والارتباكات الواضحة في الدول الأوروبية والولايات المتحدة وصعود ترامب إلى سدة الرئاسة، تجعل من العام الجديد فاتحة لمرحلة جديدة تأمل موسكو معها انتهاء الحقبة التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي تماما، عندما هيمنت الولايات المتحدة بمفردها عمليا على العالم. ومن هنا ينتظر الكرملين بفارغ الصبر تسلم ترامب للرئاسة الأميركية رسميا في العشرين من كانون الثاني المقبل. لعل هذا يؤدي إلى «الشراكة الروسية الأميركية» المُنتظرة، والتي لا تُخفي القيادة الروسية سعيها إليها على مدار السنوات الماضية.