رسالة إلى جدّي
أيّها السلف الصالح،
تحيّة طيبة وبعد،
لا أدري إن كانت هذه الرسالة ستجد طريقها إليك، فلا أدري أين استقرّت عظامك، هذا إن بقي منك شيء. لا بأس. أخاطبك في سرّي منذ سنين وأجادلك بلُغتي التي تختلف بالتأكيد عن اللغة التي كنتم تتفاهمون بها. لكنهم يقولون هذه الأيّام بضرورة أن نواجه أعداءنا وأحبابنا، على حد سواء، و أن نفضفض. أتفكّر في تبعات ما اقترفتَه وكيف تغيّر كلّ شيء بعدها. ولهذا قرّرت أن أخط هذه الرسالة إليك. أريد أن أخفّف من وزري. لدي الكثير من الأسئلة والاستفسارات، لكن لا بد أن أبدأ بالعتاب. والعتاب، عندنا، على قدر المحبّة.
بين حين وآخر ينشرون خبراً هنا وهناك عن اكتشاف جديد أو نظرية تفسّر القرار المصيري الذي اتّخذته أنت وبعض رفاقك ذات قرنٍ، فيلحّ عليّ السؤال: ما الذي دهاك يومَها ولماذا تنازلت عن العرش؟ لماذا، بالله عليك، هجرتَ الأشجار التي كنت تتقافز بين أغصانها؟ يقول الراسخون في العلم إنّك فعلتها بحثاً عن الزاد أو عن أعشاب لتلتهمها. إذاً، كانت المنافسة الضارية وضنك العيش وليس حب الاكتشاف، كما يدّعون، هو الذي جعلك تقف على قدميك (ما زال هذا يوجع ظهورنا اليوم!) وتحاول أن تستقيم كرمح. وانطلقَ أحفادك وأحفادهم ينهبون الآفاق نهباً، حرفيّاً ومجازيّاً. فركضوا وركضوا آلاف السنين حتى وصلوا إلى الكهوف التي ما زلنا نحترب في ظلامها. نقشنا الكثير على جدران الكهوف يا جدّاه. وما زلنا نسقط من يومها في هاوية بلا مستقرّ. آهٍ لو أنّك اعتصمت بذاك الغصن في الأعالي لخلّصتنا من هذه الهاوية ولما كنتُ كتبتُ هذه الرسالة على جدرانها.
مع بالغ الأسف
]]]
شهادة ولادة
«أهو طائر جريح؟ هذا الذي يحتضر بين ساقي امرأة، تتّكئ جثّتها على جذع سدرة عملاقة؟ كلما رفرف بجناحيه الصغيريْن يرشّان بقعاً صغيرة من الدم على وجهها. يحوم الذباب حول فمها الفاغر بينما تبحلق عيناها في الجحيم. لكنّه يئن ويبكي مثل بني البشر. كلّا، ليس طائراً، بل ملاك صغير بجناحين. كما في لوحات العصور الوسطى. لكنّه ملطّخ بالدم. جفل حين رآني وحاول أن يخبّئ وجهه بين فخذيها. لمحت سكيناً ملوثة بالتراب والدم قرب قدمها اليمنى. اقتربت والتقطتها. أمسكت بالملاك من جناحيه ورفعته. كان يرتعش مثل أغصان السدرة. قطعت الحبل السرّي الذي يربطه بأمّه. طار صراخه إلى السماء. قررت أن أخلّصه من جناحيه أيضاً فقصصتهما وأنا أردّد «السماء ليست آمن من الأرض.» حين وضعته على الأرض أخذ يزحف... بعيداً، باحثاً عن فريسته الأولى.»
]]]
منام الطفل السنجاري ]
هو الذي رأى كل شيء. هو الذي رأى، قبل أن ينام، جدّته تتضرّع إلى الله بيديها وشفتيها المشقّقتين. ولم يفهم لماذا لم يستجب ذاك الذي في الأعالي. هل تبخّرت الكلمات في طريقها إلى الأذن الإلهية؟ هل كان على جدّته أن تتضرّع بصوت أعلى؟ هل...؟
هو الذي رأى كلّ شيء. هو الذي رأى طيراً سماويّاً يأتي من كبد السماء. يهبط ببطء وكأن قمّة الجبل عشّه، وكأنّه صغيره. احتضنه واحتضن جدّته بحنوّ ثم حملهما، ومن معهما، وأخذ يرفرف بجناحيه العظيمين.
هو الذي رأى كل شيء. هو الذي رأى رجلاً ملثّماً يقف في كابوس الطفل الذي كان ينام بجانبه. رآه يطلق حمماً تحرق الطير السماوي وتسقطه في منامه.
هو الذي رأى...
] أو الموصلي أو...