إعادة إحياء سجال «الهولوكوست»، بما يتوافق مع عصر الويب، يتّخذ تعقيداً آخر. مكافحة خطر انتشار الكراهية تحدٍّ ينطوي على صعوبات كبيرة أمام جماعات عنصريّة تروّج للتطرّف وتحتمي بالانترنت لنشر رسائلها. وفي عصرٍ تصبح فيه «منسيّاً» إن لم تظهر في نتائج البحث؛ يبقى إيجاد صيغة متوازنة بحجّة حرية التعبير، مقلقاً أمام وجود أكثر من بليون مستخدم لمحرك البحث «غوغل» وحده!
قبل أيام اتّهم متحف «بريمان» شركة «غوغل» بأنها تحقق أرباحاً من إنكار «الهولوكوست». وبحسب مدير التسويق في متحف التراث اليهودي في ولاية جورجيا ديفيد شيندويتش فإن الشركة الأميركية توجّه المستخدمين عند سؤال: «هل حدثت الهولوكوست؟»، نحو موقع للنازيين الجدد كنتيجة أولى للبحث وأن «المتحف يدفع دولارين مقابل كل نقرة من أجل توجيه المستخدمين الى موقعه الخاص عبر خدمة «آد ووردز»، جاء هذا في تصريحات نشرتها صحف ومواقع الكترونية عدة من بينها «غارديان» و «آر تي انكليزي». في المقابل ترفض الشركة الاتهام الموجه إليها، وتنفي كسبها أموالاً من نتائج البحث التي تنكر الهولوكوست.
لا يخفى بأن جماعات الكراهية تعبّر بسهولة عن أفكارها، في مقدمتها موقع «ستورم فرونت» الذي شكّل منذ تأسيسه قبل أكثر من عشرين سنة، بداية لإطلاق أكثر من ثلاثة آلاف موقع يروّج للعنف العرقي ومعاداة السامية والإرهاب.
إذاً في «تسطيح» المسألة فإن موقع «بريمان» لا يظهر في الصفحة الأولى من نتائج «غوغل» غير مدفوعة الثمن في البحث عن سؤال «هل حدثت الهولوكوست؟». والمتحدث باسم الشركة يؤكد «ليس لدينا أية رغبة في الربح من المواقع أو المنظمات التي تدعو للكراهية، ولهذا نمنعها من استخدام أنظمتنا الإعلانية».
وفي التفصيل، فإن إنكار المحرقة اليهودية لا يقتصر على وجود «غوغل» من عدمه. حظيت القضية بسجالات واسعة، كتب ومقالات وأبحاث لعبت دوراً في تحفيز وتأكيد الشكّ. ففي العام 1962 أصدر المحامي الأميركي فرانسيس باركر يوكي أول كتاب حول إنكار حدوث «الهولوكوست» حمل عنوان «الحكم المطلق». كما نُشِر في الفترة نفسها كتاب «دراما اليهود الأوروبيين» في فرنسا للمؤرخ الفرنسي بول راسنييه. ليعود ويصدر في السبعينيات كتاب «أكذوبة القرن العشرين» لآرثر بوتز الذي أكّد بأن مزاعم «الهولوكوست» سببها إنشاء «اسرائيل». وفي العام 1974 نشر الصحافي الكندي من أصل بريطاني ريتشارد فيرال كتاب «أحقاً مات 6 ملايين»؛ وبعد سنتين صدر كتاب «حرب هتلر» للمؤرخ البريطاني ديفيد إيرفينغ الذي سُجِن عام 2006 لمدة ثلاث سنوات. ومن المشككين بالهولوكوست أيضا المؤرخ الأكاديمي في جامعة كولومبيا هاري أيلمر بارنيس، وجيمس مارتن وويلس كارتو أيضا في الولايات المتحدة والأديب الفرنسي لويس فرديناند سالين. ليعود ويظهر في التسعينيات كتاب «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية» للفيلسوف روجيه غارودي.
يبقى الدمج بين تصديق حدوث الهولوكوست وإنكارها مستحيلاً؛ وبين «بريمان» و«غوغل» فإن محاولة استفزاز المشاعر غير مستبعدة أبداً! والجدير ذكره تزامن اتهام المتحف مع قرار مجلس الأمن الدولي الأخير بخصوص وقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، واتّهام رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو إدارة أوباما بالتواطؤ مع الأمم المتحدة، على خلفية امتناع الولايات المتحدة عن التصويت وعدم استخدام «الفيتو» لإسقاط القرار.
فهل تستطيع «غوغل» أن تكون «محايدة»؟ المنصّة التي تحوّلت بحسب مؤسس موقع «ويكيليكس» جوليان أسانج إلى «سلطة أميركية تقليدية»، يشغل رئيسها السابق إريك شميت منصب رئيس مناوب للجنة التكنولوجيا الحديثة في وزارة الدفاع الأميركية. فماذا لو كان السؤال على محرك البحث حول «الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين» بدلاً من «الهولوكوست؟». ما الاتهام الذي سيتوجه به المتحف اليهودي عندها؟