كنتُ أغمض عينيّ متى استراحَ رأسي على كتفِك. ما عدتُ أفعلُ ذلك.
تهتزّ جمجمتي فأطلبُ منكَ علاجاً. يطولُ وقت الاستجابة. ازدادت المسافة بين أناملكَ ووجهي. بما تبقّى من يدِك، تلمسُ جبيني. لم يعُد يغريكَ الاستكشاف. أحاولُ اختراعَ مرضٍ جديدٍ يفتكُ بجسدي بعد أن فقدنا حماسة الرّوح، ابتكارَ أسماء جديدة للحمّى عسى محطّة الأنامل تطول قليلاً.
أفشل.
تقول إنّ مرضي في الأفكار لا الخلايا. يأتي ذلك دائماً بعد شرودٍ طويلٍ يلي سحبةً طويلةً من سيجارةٍ رديئة. تعرف أنّي أكره التدخين، ومع ذلك تمارسُه. تطلبُ أن أقلّص وقتاً أمضيه على موريس ماترلنك، وأمنح آخرَ لأفلام نجلاء فتحي. فاتنتك. تقول إنّ مفتاح الرمزيّة الذي أدسّه في باب الروح لا ينفع معَك، وتتوقّف.
نبلور صمتاً سلبيّاً هو أكبرُ حجماً من كلينا. ذاك الذي يطلّ برأسه الغريب الهيئة بين نظرةٍ ضلّت طريقَها وأخرى. الصّمتُ مخيفٌ إذا ما مارسته الجماعة. نحنُ كنّا جماعةً في جسد، كياناً من كتل لحمٍ منصهرة. صرتُ أراكَ من هنا بعد أن كنّا نستحيل شيئاً واحداً من اللمسة الأولى، بل النظرة. أن لا يفرّق بيننا الآخرون كانت سحابةً صيفٍ عابرة سرعانَ ما تلاشت.
عرضتَ يوماً احتوائي، ولمّا صرتُ فيك أعرضتَ عن ذلك. تكسرُ مسرحَنا الصامت البارد بترنيمةٍ خافتة. لا أتلقّى دفء الكلام. أطلبُ العودة إلى مقاعد المتفرّجين الصامتة بمواجهة مفاجآت الكون. الصّمتُ أرفع درجات الوعي. كنا هناك، في رأس الهرم، ولكثرة ما كنا كذلك، ما استطعنا يوماً رؤية قعر الأشياء. باتت كتفُك الآن ملعباً لتلقّي فضلات القابعين في الدرجات الدنيا.
لمَ أشعر بالخوف وأنا على كتفك؟ لا علاقةَ لنجلاء بالأمر. أدركُ فروقات الجمال بيننا، وأرى تباعد الرومانسيّة بينك وبين محمود ياسين.
لمَ أشعر بالخوف وأنا على كتفك، وقد قلتَ لي يوما إنّ الآتي من أيامنا أجملُ من غابرها؟ أسألُ إن كنتَ تريدُ أن أبعدَ رأسي. تتمعمل. تلمع عيناك لرؤية عجوزٍ يصعد السلالم ببطء وتتحدّث عن أبيك. أصمت. السلبيّ من جديد. طريقُ أبيك مليئة بشظايا الموت والحروب.
ما عدتُ أقوى على ذلك.
على كتفكَ الجافّة أمارس قلقي. أحاول زرع بذورٍ لا مياه ترويها. أحكي لكَ عن أطفالٍ يُقتَلون في بلادٍ بعيدة. تقول لهم الله. أسألُ أينه؟ أتلقّى صدى صوتي. أشكو لكَ ضعفاً يعتري ركبتي اليُمنى. تعيدُ سردَ تحليلَك الفكريّ الرديء. لستَ رجلَ فكر. أرغبُ في قولها، لكنّي أضعفُ من ذلك. عيناي المفتوحتان في صحرائكَ الشاسعة لا تُسعف في بناء الأفكار، فما بالُك النّطق بها؟
لكثرة ما سردتُ مخاوفي، حفظتُها. ولكثرة ما حفظتُها باتت تحضر من دون نداء. أنّى وجّهتُ روحي أرَها. أتعثّرُ بقلقٍ من جديدٍ ينتظر على زاوية الشارع، بخمولٍ يُظهر أنيابه القذرة في ابتسامة مكر، بصعوبة اندماجٍ مع محيطٍ لا لونَ له، بجمودٍ روحيّ يشتدّ قسوةً مع الأيّام.
صرتُ أخشى وجودكَ أكثر من الغياب. لم تكن تلك قواعد لعبتنا. لمَ الغشّ؟ لمَ الاحتيال؟
رأسي على كتفك وقلبي في حقيبةٍ على ظهري. أحملها بلا اكتراث. أرغب في نشّالٍ ينتزعها. لن أصرخ. لن أطلب رجال الشّرطة. وإذا ما أبلغ أحدهم أولئك الرّجال، فسأقولُ إنّ الادّعاء كاذب. أحياناً، يكون الكذب في مصلحة الجميع، تماماً كما كنتَ تقول لي إنّي أشبه نجلاء كي أشعر بالثقة، وكما كنتُ أخبركَ أنّ رومانسيتك تفوق رومانسية محمود كي تشعر بالارتياح.
لم نعُد كذلك. لا ثقةَ لكتفك، ولا ارتياحَ بين يدي. بعد سنواتٍ سوف أعود كي أطمئنّ إلى من ستغفو على ذاك الكتف. أراها مغمضة العينين حالمة. ثمّ أرى القلق يزحفُ نحو جفونها. ألمحُها تُنازعُ لإسكان التعب ثم تفشل ثم تخترع الأمراض ثم تشعر بالبرد ثم يتهاوى الهرم فتشعر بالخوف ثم تمارس القلق ثم تشعر بالعجز عن النطق ثم تعايش مخاوفها، واحدةً تلو الأخرى، ثم تشعر بالغبن، ثم تحمل قلبَها في حقيبة بانتظار الانتشال.
وبعد كلّ هذا، بعد كلّ القلق، تقترب منك، وتطلب أن تعيرَها كتفكَ كي تستريح قليلاً. أعرني كتفكَ كي أستريح قليلاً..