ما من فاعل ثقافي سوري، هاو ٍ، أو مُحترف، ممن أعرفهم على الأقل، إلا وكان من أحلامه أن ينشر نتاجهُ في صحيفة «السفير»، إذ كانت السفير وما زالت امتحانا حقيقيا للجدارة. «السفير» لم تتغيّر، ولم تفرّط بأيّ من مبادئها المهنيّة أو الأخلاقية، فما الذي تغيّر كي تتوقف السفير عن الصدور؟!!
أن تتوقف وسيلة إعلامية عن الاستمرار في مهمّتها، أيّا كانت هذه المهمّة، لسبب قسريّ، أو قهري، وليس لقرار حر بالتوقف، فهذا يمثل مصادرة وقمعا لحريّة الرأي. وهنا لن أخوض في متاهة الأحكام الأخلاقية التي تتلطى بحائط القيم الإنسانية، ذلك أن هذه القيم حمّالة أوجه وزئبقية التموضع. غير أن هذا لا يعفي أحدا من التأكيد على ضرورة إعاقة تلك المهمّات، بردّ الحجة، ومواجهة الخطاب، وليس باستخدام أدوات من حقل آخر، حينما تتعارض مع القرارات الأممية المُتّفق عليها (الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، قوانين مناهضة العنصرية بكل أشكالها، مناهضة العنف ضد النساء والأطفال، ....إلخ)، وغيرها من القضايا التي تتعلق بالكرامة الإنسانية.
عناوين كثيرة يمكن لها أن تتصدّر أي حديث عن الأزمات التي تعرّضت لها صحيفة السفير اللبنانية والتي أدّت إلى قرار توقفها عن الصدور. أن تتعثر صحيفة بمستوى «السفير» في استمرارية الصدور إلى الحد الذي تتوقف فيه تماما، فهذا يعني بأن الصدعَ الرهيبَ الذي يحدث في المنطقةَ قد فقد نقاط التماس الأخيرة بين شفتيه. ويعني دق آخر المسامير في نعش الصحافة حينما تجهد لتكون وسيلة حقيقية لممارسة حرية الرأي.
ما يعنيني في الحديث عن نافذة هي للضوء، ولتجديد الهواء، ليس الصعوبات الماديّة التي طفت على السطح كسبب مباشر لتكفّ السفير عن الاستمرار، انما تعنيني أسباب الأسباب، التي لا تطال في تأثيرها وسائل الإعلام فحسب، بل الكثير من التعبيرات الأخرى التي جرّبت أن تقف حائلاً، بمعزل عن درجة القدرة، دون سيادة منطق جديد يحكم دور المنطقة ويحدّد سياساتها.
فالذي أدخلَ السفير في وضعها المادي الحرج، وأدخل غيرها أيضاً، هو ذاته من أدخل المنطقة برمّتها في دوامة الدم النازف. إذ ثمّة من يعمل على إزاحة طيف اجتماعي واقتصادي وثقافي في هذه المنطقة باسم شعارات مُزيّفة تسوّق لها العولمة المتوحشة للإرهاب والتكفير. والتكفير، كما تتم ممارسته في دائرته الواسعة، لم يعد شأنا دينيا فحسب. فالمعايير التي باتت تحكم المفاهيم والممارسات، تضيء بما فيه الكفاية لتفسير الكثير من الظواهر، إذ بات للديموقراطية معنى آخر هو (رغما عن أنفك) وللحرية معناها الذي يفيد (تحرّك بالقدر الذي يسمح به قيدك) ومثلهما حقوق الانسان التي أضحت (هل أنت انسان أولا؟!!)
ولا أحسبني أقول جديدا إذ أتحدث عن توجه يجري الإعداد، ومنذ عقود، لوضع نهاية له في هذه المنطقة، والذي تمثّل السفير واحدا من تعبيراته العالية النبرة، وواحدا من قرون استشعاره التي تتحسّس الخطر. وهذا المُستهدَف قد يكون القومي، أو الوطني، الاجتماعي، الاقتصادي، والإنساني عموما، وربّما كانت كلّها معا، خاصّة أن هذه النهاية قد باتت مستوفية لشروطها كما يتوهم مهندسو السياسات الشرق - أوسطية، وهم يعاينون (بالوقائع والأرقام) التدني المُخيف لمستوى العيش، والغياب شبه التام لكل أشكال الأمن، وتحوّل المواطن إلى رقم مُجرّد في الجداول الإحصائية، وكل هذا يأتي مترافقا مع التوحش والتغوّل اللذين صارت عليهما التكنولوجيا، خصوصا تكنولوجيا الاتصالات البصرية - السمعية. وبالتالي من الطبيعي أن يحدث غياب طبيعي، وأحيانا قسري، للقارئ. ليس قارئ الصحف فحسب، بل قارئ المادة المطبوعة بشكل عام.
لقد كانت السفير إلى الآن محاولة حقيقية للكون (صوت من لا صوت لهم) وكانت على الدوام تقف على مسافة أقرب من المحكوم والمظلوم، ولو سبّب لها ذلك غضب الحاكم وتعسّف الظالم. ولنا في الموقف من الأزمة السورية ما يؤكد هذا. إذ كانت صفحة الرأي في السفير متاحة للكثيرين من أطياف المعارضة السورية، قبل بداية الحراك السوري بزمن طويل، إن لم أقل كانت الأولى، وربما الوحيدة. ومن كان متابعا يعرف بأنها أول من فتح الأبواب لأسماء معروفة في المعارضة السورية لقول آرائهم بكل حريّة، غير أن تلك الأسماء لم تتوانَ في الابتعاد عنها، لتمارس نجوميتها واستعراضاتها من منابر أخرى، مع تقدّم الحراك السوري نحو خيارات لم يكن هؤلاء المعارضين في موقع المُقرّر حيالها. وهذا الأمر لم يحصل لأن السفير قد ضيّقت مساحة حريّة الرأي على تلك الرموز والأسماء، أو لأنها غيّرت من سياستها الإعلامية، بل لأن استماتتهم في محاولة إزالة الشبهات التي باتت تحوم حول محليّة المُستجدات التي طرأت على توجهات الحراك، جعلتهم ينصرفون إلى منابر أخرى تسوّق سياسات من صاروا ممولين وأسيادا وسارقين للروح الحقيقيّة لهذا الحراك. ولم تسلم السفير من منعها عن الوصول إلى القارئ السوري نتيجة ثباتها على موقفها والوفاء لقيمها المهنية. وربّما كان هذا من المفارقات المثيرة للانتباه.
ليس رثاءً. فالحيّ لا يُرثى. ولأن السفير ذاكرة ووجدان وطموح وأمل، قبل أن تكون كلمات مطبوعة، فهي باقية وإن توقفت، أو اختلفت تكنولوجيا صدورها. ولكن المؤسف ان توقف صحيفة بحِرَفيَّة السفير ورمزيتها، لا بدّ أن يؤكد من جديد على أننا شعوب لم تنضج، ولن تنضج في شيء. وأنها لن تلحق يوما أن تكتسب ولو جزءا يسيرا من أخلاق أية ظاهرة حاولت عيشها، باستثناء التخلف.

(كاتب سوري)