ما بلغ عاشقٌ سنّ الحبّ إلاّ واقتسم قلبَه صوتان، صوت «جريدة السفير» وصوت «فيروز». وإذا كانت الأخيرة سفيرتنا إلى النجوم فإن الجريدة «سفيرة» إلى النجوم إلينا. والتماثل بينهما لا يكون فقط من جهة أنهما صوتٌ للذين لا صوت لهم، إنما للتأكيد على أنّ الصوت الذي كسر جدران الصمت لا يمكن أن تقدر على إسكاته أكفّ هشّة، وأنّ إغلاق سفارةٍ من جهةٍ واحدة، ظنّاً من الزمن الرديْ أنه قادر على قطع العلاقات الديبلوماسية مع مجد، هو محض افتراء على الحقيقة.
علاقتي مع «السفير» تعود إلى مرحلة ما قبل السيارة حيث كان ثمن النسخة يعادل تماماً ثمن بطاقة الباص من «جامعة بيروت العربية» إلى بلدة «القماطية» مكان إقامتي. وكان الوقت الذي يمرّ بطيئاً على الطريق كافياً لإتمام الوجبة اليومية من القراءة، وللتخلص من الدوار أيضاً، الدّوار الذي لمّا أزل أجهل ما إذا كانت المنعطفات القاسية سبباً له أو الغوص في الصفحات التي ما انفكت محفوظاتي تحظى بالعديد منها حتى اليوم.
ولكنّ المحطة الأبرز، بلا شك، كانت في يوم غزو العراق المشؤوم، الذي صادف نهار عيد الأم من آذار 2003. كتب يومها رئيس التحرير الأستاذ طلال سلمان مقالاً عظيماً ما زلت أذكر بعضاً منه، ويتحدّت عن أم جورج بوش التي تهوى المفرقعات فأهداها في عيدها مدناً محروقة من طراز بابل وبغداد.. أذكر كانت إلى جانبي فتاةٌ عملنا معاً على لفت انتباه بعضنا البعض ونحن زملاء دراسة العلوم في سنتها الأولى. كانت جميلةً لدرجة أني كنت أشبهها بـ «السفير»، وكانت بسيطة لدرجة انها كانت تغار من الجريدة. في ذلك النهار، بينما كنت أقرأ بشغف كيف كان قلم كبير من بلادي يشبك الحالة السياسية بالإنسانية، والعسكرية بالعاطفية، والراهنة بالتاريخية، اغتاظت من اهتمامي بالمقال على حساب حضورها، وسحبت مني الجريدة التي لم تحتمل على رقتها رقةَ يديها فانمزق بذلك عمر علاقة عاطفية، كتب لها الموت على الصفحة الأولى من السفير، تماماً كما كانت تموت كل محاولات التعرض لدوريّة بحجم وطن توسّع إلى ما بعد المحيط والخليج.
وإذا ما كان مبرراً أن تغار كل امرأة من مقالةٍ وكل أنثى من كلمة، فإن قدر النساء دائماً أن يخسرن أمام جريدة تتجدد كالحياة في كل يوم.
عندما رويت للأستاذ طلال سلمان قصتي هذه، في لقائنا الأوّل، وأنا الشاعر الشاب الذي لا يصدّق أنه أمام تاريخٍ بهيئة رجل، قال بسرعة بديهته المعروفة: «إذن لك دينٌ علينا ولنا دينٌ عليك». الآن، في لقائنا الورقيّ الأخير، أقول، للذي احتضنني أباً ومعلماً كما احتضن الكثيرين، خذ قلوبنا ومن فيها لقاء الدّيون التي لك في رقابنا، ولكن نرجوك ألا تدعنا ننسى الصباح، ولا تتركنا للخفافيش في ما لو توقف ديك الحياة عن الصياح. وأنت كلّما وضعت قلمك على الطاولة وضع القدس الشريف يده على قلبه، وكلما سُمع صرير يراعك على ورقة انشعرت زنازين قاتمة في قلوب الظالمين. هذا الصوت الذي سيبقى أجمل عدوى انتقلت من خلال ممارسة الحق من مكتبٍ إلى آخر في المبنى الذي لا يتوقف عن الإشراق على جهة قلبك في الطريق إلى شارع «الحمراء». الشاعر الذي سيتوه عنه كثيرون في ما لو التبست عليهم العلامة التي رسموها لكي يصلوا واثقين.
إن كثيرين مّمن يحملون شمعةَ التضامن مع السفير اليوم، اختاروها شموعاً حمراء وختموا بها على الجريدة. نعم، نحن الذين ندّعي القراءة ونمشي في تشييع النصوص والشعراء والجرائد. نحن الذين نكتفي من الحياة بهوامشها ومن الصحف بعنواينها، نطفئُ اثنتين وخمسين شمعةً بتنهيدةٍ واحدة. أرجوكم أقبضوا على السفير كما تقبضون على هويّاتكم، فكّروا بشرطيّ الزمن الذي سيسألكم عند كل حاجز من أنتم. وما دامت الأوطان تلفظنا كما يلفظ البحر الجثث النافقة، تعالوا، على الأقل، نُوَثِّق موتنا ومراسم تحللنا في جريدة لبنان والوطن العربي.
في ربيع 2016، سوف تنتظر الشمس طويلاً وراء خشب شبابيكنا، وتتركنا في الظلام والعفن الذي كنا نمسحه عن البلاد، كلّما فتحَ أحدٌ منّا بيديه العدد الجديد من الجريدة. ولسوف تنتصر النساء، ونحن نبكي مثلهنّ على الأندلس.