كيف لنا أن نمضي بدون الوطن الذي أخذنا بيدنا فكان انتماءنا الوحيد في هذا البلد المشوّه؟ إنه يختار موته بنفسه.. هل اعتقد أنه متكئ على غيوم عابرة فهمّشنا ولم ينتبه لحزننا.. سفيرتنا الجميلة المدهشة منذ صعوبات ولادتها التي ابتدأت إنجازاً مذهلاً من طلال سلمان ورفاقه الى الموت المفاجئ.. موت قائم على انهيار وطن..
ثمة حزن لا يمكن رفعه في حالة الموت الصادم.. الخسارات التي تشبهنا.. لا يمكن المضي في هذا العمر أكثر ونحن نجهد أن نخلق وطناً فتسقط بين يدينا ركيزة أضلاعه.. أن نقيم جسوراً أخرى إضافية بأصواتنا وأنتِ لستِ هنا.. من يُخرج هذا الشعب من ظلاميّته وقد استفحلت طائفيتهم في خدش هذا الجسد الذي كان جميلاً في ما مضى.. مشوّهة بيروت بدونكِ فيما أنت تموتين «واقفة كالأشجار»...
نغنّي سميح القاسم وهو يخبرنا عنك: «إن عشت فعش حراً وإن متّ فمت كالأشجار وقوفاً».. ونتذكر محمود درويش وهو يخبرنا عنك: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
طلال سلمان.. نحبكَ لأنك جئت بنا إلينا، فصار لصوتنا مكانٌ وزمانٌ أبعادهما النهضة بنا الى المقاومة والعلمانية والوعي مؤرخين منذ ثلاثة وأربعين عاماً الى لحظة الرحيل.. موت السفير هو إخفاقنا جميعاً.. أين سترقد بنا أصواتنا، ومن قال أنها سترقد بعد الآن في وطن آخر غيرها.. يقابلنا التشويه بدونها.. هل آخذ بعينيكَ الى رثائك لمحمود درويش: «كان يفترض أنه وقد قرر بنفسه موته فإنه سيختار لونه.. كيف تطلب موتك؟ أزرق مثل نجوم تسيل من السقف».. أريد أن أخبرك عن مرارته لرحيل السفير.. كيف كان سيطلب موتها؟.. مثل نجوم ستبقى معلقة في سماء الوطن العربي كله.. ودون أن تسيل..
طلال سلمان.. هل قال لك «نسمة الذي لم يعرف له مهنة غير الحب» إنك وحيدٌ فأردت لـ «السفير» أن ترحل بأوجاعها متأبطة حزنك ووحدتك تحت ذراعها دون أن تدري أنها ترحل بأصواتنا معها. هل قال لك نسمة إن لا جدوى من هذا الزمان الذي كنت تبنيه فقررت ردم كل شيء بخسارة مفزعة. هل نغضب فنقول لك توقّف عن هذه الخسارة التي أصبتنا بها كموت جماعيّ.. منحتنا الانتماء اليك ولا يحق لك أن تسلبه منا في غفلة، أنت انتماؤنا الوحيد حيث لم يعد من مقاسات أخرى لنا غيرك.
إشكاليّة هذا الموت في تفكك دولتنا المخيف، نقف عاجزين أمام انهيارها بشبقة حاكميها، فيما تذهب حكومات الدول الى دعم الصحف الورقية لتحتفظ الأمم بقليل من ثقافتها ووعيها.. ما الذي سيبقى لهذه الشعوب بعد اليوم غير مكوّنات الخبر الطائفي والمذهبي الذي يدفعها الى فقدان أسباب الحياة..
إلى أين سنمضي يا صديقتنا الغالية في صناعة رقمية لا تترك في ذاكرتنا رائحة الورق والشعور بالنديمة..
أحببتك دائماً وفي رحيلك سأحبك أكثر إلى أن ينتهي هذا العمر الخاوي الا منك..
وإلى أن تعودي سنشتاق اليك كل صباح.. وسيبقى المكان فارغاً بدونك..